أوروبا تسابق الزمن لتعويض غياب الغاز الروسي.. قبل الشتاء
تعزيز المخزونات وخفض الاستهلاك.. حلول غير كافية لأزمة الطاقة
القارة العجوز تلجأ لمصادر الطاقة البديلة.. والدول الأخري المصدرة للغاز
تزايدت حدة أزمة الغاز الروسي في أوروبا. بعد تعرض خطي أنابيب "نورد ستريم 1و2" اللذين يربطان بين روسيا وألمانيا لتسريبات وتفجيرات غير مسبوقة.
تعرضت خطوط أنابيب "نورد ستريم" بالقرب من جزيرة بورنهولوم الدنماركية إلي عمل تخريبي. حيث رجح التحقيق الذي أجرته المخابرات الألمانية وضع غواصين عبوات متفجرة في مسار الأنابيب.
اهتزت أعماق بحر البلطيق بفعل انفجار خطوط أنابيب الغاز "نورد ستريم" الذي أدي إلي زلازل في السويد أيضا. وظهرت الانفجارات علي شكل دوائر يتراوح قطرها بين 200 وألف متر علي سطح بحر البلطيق. ثم أعلنت السويد تسريب غاز رابع. ومنذ وقوع الانفجارات تصل كميات كبيرة من الغاز الطبيعي إلي بحر البلطيق من خلال أربع تسريبات في خطي أنابيب الغاز "نورد ستريم" اللذين تم بناؤهما لتزويد أوروبا بالغاز الروسي.
مع تدفق غاز "نورد ستريم" في الهواء بفعل انفجار خطوط الأنابيب في بحر البلطيق. تدفقت أيضا الاتهامات بين الدول بالمسئولية عن ارتكاب ما وصف بـ "العمل التخريبي". وذهبت غالبية الاتهامات باتجاه روسيا التي وصفتها بـ "الحمقاء" وردت الاتهام إلي الأمريكيين. مستندة إلي أن الحوادث وقعت في المنطقة الاقتصادية الخالصة للدنمارك والسويد وهي تحت سيطرة وكالة الاستخبارات الأمريكية. كما تقول موسكو. وكان جواب واشنطن علي تلك الاتهامات بأنه تضليل روسي.
شكل "نورد ستريم" حتي الأمس القريب شعرة الوصل بين روسيا والدول الأوروبية. وأمل إحياء العلاقات اقتصاديا علي أقل تقدير. وبتفجيره يغرق هذا الأمل وتزايد التحديات أمام أوروبا في تجاوز أزمة الطاقة الخانقة.
أدي تفجير "نورد ستريم" إلي ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا من جديد. حيث جري تداول العقود الآجلة للوقود الأزرق فوق مستوي 2000 دولار لكل ألف متر مكعب. الأمر الذي دفع دول في الاتحاد الأوروبي إلي الدعوة لوضع سقف لأسعار الغاز.
تعاني القارة العجوز أزمة في نقص الطاقة. بسبب حرب روسيا وأوكرانيا. ووقف الإمدادات الروسية لأوروبا. رداً علي العقوبات المفروضة عليها. التي أدت إلي ارتفاع حاد في الأسعار. وشهدت فواتير الكهرباء والغاز في دول الاتحاد الأوروبي. خاصة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ارتفاعات قياسية خلال الأشهر الأخيرة وسط توقعات بالمزيد. وهو مع يرهق ميزانيات الأسر ويضاعف أعباء المعيشة. وسجل مؤشر أسعار المستهلكين علي أساس سنوي ارتفاعاً إلي 10%.
أطلقت حكومات أوروبا برامج إعانة اجتماعية للأسر الفقيرة والشكرات الصغيرة. حيث أطلقت ألمانيا مظلة دفاعية اقتصادية تقارب 200 مليار يورو للمساعدة في تحمل أسعار الطاقة المرتفعة وتجاوز الموقف الحرج في حرب عالمية علي الطاقة ومصادرها.
اتخذت حكومات التكتل المكون من 27 دولة إجراءات بدأت تطبيقها في الأشهر القليلة الماضية. بهدف تقليل الاعتماد علي الغاز الروسي. واتجهت دول الاتحاد الأوروبي إلي تعزيز مخزونات الغاز الطبيعي لديها. حيث أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن احتياطيات الغاز في الاتحاد الأوروبي وصلت في المتوسط إلي نحو 80%. وهو المستهدف الذي كان من المخطط الوصول له في نوفمبر.
لكن خبراء الطاقة يرون أن هذه المخزونات لن تكون كافية لحل أزمة الطاقة هذا الشتاء. بعد توقف الإمدادات الروسية عن القارة العجوز. وحتي إذا وصلت الدول الأوروبية إلي تعبئة مخازن الغاز بالكامل فإن هذه المخزونات في أحسن الأحوال لا تكفي لأكثر من 3 أشهر- بحسب "أورورا إنيرجي ريسيرش".
في ألمانيا التي لديها نحو ربع مخزون الاتحاد الأوروبي من الغاز. فإن مخزوناتها يمكن أن تلبي ما بين 80 و90 يوما فقط من متوسط الطلب. وقال كلاوس مولر رئيس الوكالة المسئولة عن تنظيم الطاقة في ألمانيا إن احتياطيات الغاز الألمانية ممتلئة حاليا بنحو 83%. لكنه قال إنه حتي لو وصلت هذه النسبة إلي 95%. فإن المخزونات ستغطي أقل من 3 أشهر من التدفئة والطلب الصناعي والطاقة. بعد أن قطعت روسيا الإمدادات بالكامل.
يقول خبراء الطاقة إن دول الاتحاد الأوروبي لا يمكنها مواجهة فصل الشتاء بالاعتماد فقط علي مخزوناتها من الغاز الطبيعي. التي تتراوح حاليا بين 80 و85%. دون الحصول علي الإمدادت الروسية.
رغم إعلان النرويج عن زيادة قدراتها الإنتاجية من النفط والغاز واتجاه بريطانيا لتزويد قارة أوروبا بمخزونات الغاز في بحر الشمال. غير أن جميعها حلول مؤقتة لا تعوض الغاز الروسي في فصل الشتاء.
هنا يبرز الحل الذي اتفقت عليه دول الاتحاد الأوروبي قبل 3 أشهر. وهو تقليص الاستهلاك من أجل ضمان استمرار توفر الوقود خلال الأشهر الأكثر برودة.
في يوليو الماضي. اتفقت دول الاتحاد الأوروبي علي خفض طوعي لاستخدام الغاز بنسبة 15% هذا الشتاء من متوسط استخدام فصل الشتاء في الفترة بين 2017 و2021. وقد خفضت الصناعات الأوروبية استخدام الغاز بشكل مكثف وصلت إلي نسبة 30% مقارنة بالعام الماضي.
في إطار تقليل الاستهلاك. أعلنت دول أوروبية عن خطط طوارئ للتعامل مع نقص إمدادات الغاز. تشمل تقنين استهلاك الكهرباء والغاز. وفرض إجراءات لترشيد الاستهلاك مثل إطفاء لوحات الإعلانات ليلاً. هذا إلي جانب إعادة تشغيل محطات توليد الطاقة بالفحم. وتهيئة البنية التحتية لاستقبال الغاز المسال.
كما أن هناك بعض البدائل والحلول أمام القارة الأوروبية لحل أزمة نقص الغاز. لكنها حلول طويلة الأمد وليست في المدي القريب. مثل التوجه للطاقة البديلة. وتسعي أوروبا لزيادة قدراتها من الطاقة الجديدة والمتجددة عبر التوسع في مزارع الرياح والطاقة الشمسية. كجزء من استراتيجية تهدف لإنهاء الاعتماد الأوروبي علي الغاز الروسي.
من بين هذه الحلول أيضا. التوجه نحو الدول المصدرة للغاز في شمال أفريقيا. مثل مصر والجزائر والمغرب. وأيضا إسرائيل وقطر. أو بعض دول شرق آسيا واليابان. لكن مشكلة بعض الدول المصدرة للغاز في بُعد المسافة التي تزيد صعوبة الاستيراد وترفع من تكلفة الغاز.