مفهوم التجريب .. في حاجة إلي إعادة نظر
بعد انتهاء الدورة التاسعة والعشرين للمهرجان
لجان المشاهدة يجب أن تتغير .. ولابد من الاستعانة بأهل الخبرة
نفي الجمهور تماما .. ينفي فكرة المسرح من الأساس
انتهت الدورة التاسعة والعشرون لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي. بعد ثمانية أيام من العروض والندوات والورش التدريبية. والإصدارت المتنوعة التي وصلت إلي سبعة وعشرين إصدارا ما بين مؤلف ومترجم.
المؤكد أن هناك بعض الملاحظات علي الدورة المنقضية أبداها الكثيرون. خاصة فيما يتعلق بمستوي عروض هذه الدورة. فالعروض في أغلبها لم تكن مرضية لمتابعي المهرجان منذ دوراته الأولي وحتي الآن.
وأعتقد أن هناك الكثيرين ممن أبدوا ملاحظاتهم السلبية علي دورة المهرجان. صدرت ملاحظاتهم عن حب لهذا المهرجان الدولي المهم ورغبة في استمراره قويا وفاعلا. ولذا أدعو رئيس المهرجان د.جمال ياقوت إلي عقد جلسة أو عدة جلسات مع المهتمين بالشأن المسرحي. لمناقشة ملاحظاتهم. وطرح أفكارهم ورؤاهم التي يمكنها الإسهام في تطوير المهرجان. فالمهرجان ملك لكل المسرحيين ولايجب أن تقتصر إدارته علي لجنته العليا وحدها. وأعتقد أن ياقوت لديه من المرونة مايسمح له بتلقي كل الأفكار الجادة والعمل علي تنفيذها.
الملاحظة الأهم . في نظري. علي عروض المهرجان. أن أغلبها ينتمي إلي العروض الحركية والإيمائية. وهذه مشكلة لجنة المشاهدة. التي انحصر مفهوم التجريب لديها في العروض الحركية والإيمائية. وهو مفهوم قاصر ويدل علي عدم نضج. وربما مراهقة مسرحية. هذه اللجان يجب اختيارها بعناية من مسرحيين أكفاء لديهم القدرة علي اختيار عروض تليق بمهرجان دولي كبير أثر. ومازال. علي آلاف المسرحيين في مصر والوطن العربي.
السؤال الذي يجب أن يطرحه علي نفسه كل مجرب. لماذا وكيف ولمن أجرب. ففي مجتمعاتنا العربية التي مازالت تتعامل مع المسرح باعتباره "الحاجة إللي بتخلينا نضحك" يجب أن نفكر مليا في طبيعة التجريب ونعيد النظر في مفهومه الذي ترسخ لدي الكثيرين. وانحصر في العروض التي لايفهما هو أو يستسيغها أحد. كيف أقدم عروضا مفرطة في تجريبيتها -إذا كانت تجرب عن وعي واحتياج فعلا- لجمهور لم تتجذر لديه بعد فكرة المسرح. لامانع من التجريب . بل لابد من التجريب. ولكن لابد في الوقت نفسه من التفكير في حاجة اسمها الجمهور. فنحن لانقدم العروض لأنفسنا. المؤكد أن هناك جمهورا نستهدفه. وحتي لو كان هذا الجمهور نوعيا. فأغلب العروض التي شاهدناها في الدورة الأخيرة تتجاهل حتي هذا الجمهور النوعي. وتقدم عروضا لامعني لها. صحيح هناك بعض العناصر اللافتة في هذا العرض أو ذاك. لكنها إجمالا لاتقدم عملا متكاملا تتضافر عناصره معا لتقدم لنا شيئا ممتعا علي مستوي الصورة والفكرة والتكنيك. وهذه مأساة تبعد الجمهور عن المسرح. وتجعل الكثيرين يسيئون فهم معني التجريب.
الغرب قطع شوطا طويلا في التقدم والتطور. وهو عندما يجرب فإنما يجرب علي أرضية ثابتة وراسخة. ووسط مجتمع يتقبل الإفراط في التجريب ويتفاعل معه. وشئنا أم أبينا فنحن لسنا الغرب. مستوي التعليم والثقافة لدينا لم يبلغ القدر الذي بلغه الغرب. وهذا ليس معناه ألا نجرب ونسعي للتطوير. ولكن مع وضع ظروفنا الفكرية والثقافية في الاعتبار. حتي لاينفر الناس من المسرح.
للأسف الشديد هناك بعض المسرحيين الذين يعيشون في الوهم. ويتصورون أن اختيارهم لعروض تضرب في الفراغ. يعلي من قيمتهم. ويظهرهم أنهم متابعون لأحدث ما أنتجه العالم من مسرح. ولايجرؤ واحد منهم علي القول إنه لم يفهم أو لم يتفاعل مع هذه المسرحية أو تلك. حتي لايتهم بأنه مش فاهم حاجة. وهؤلاء هم أكبر خطر علي المسرح. تجريبيا كان أم تقليديا.
المهم أن يسارع رئيس المهرجان إلي دعوة المسرحيين لجلسات نقاش من أجل طرح الأفكار والرؤي التي يمكن من خلالها وضع الأمور في نصابها الصحيح. نعم للتجريب الذي يناسب ظروفنا وأوضاعنا. نعم للتجريب القائم علي وعي وفهم . والحرص علي مد جسور التواصل مع المشاهدين. أما التجريب الذي يقتصر علي شوية حركات غريبة دون أن يقول شيئا فلم يعد يأكل مع الناس. خاصة الذين يمتلكون وعيا وخبرة. ويمتلكون كذلك ثقة في أنفسهم لاتجعلهم يصابون بالرعب كلما شاهدوا عرضا لاعلاقة له بالمسرح فيخشون التصريح بأنه لاعلاقة له بالمسرح فعلا. خوفا من أن يتهمهم أحد بالتخلف والرجعية.