الخيارات تضيق أمام أمريكا في أوكرانيا
واشنطن أمامها تصعيد التدخل العسكري.. أو الانخراط في نزاع طويل مع موسكو
العقوبات الغربية فشلت في إجبار بوتين علي التراجع.. أوروبا وأمريكا الأكثر تضرراَ
بعد مرور أكثر من ستة أشهر علي الحرب الروسية في أوكرانيا. تضيق الخيارات أمام الولايات المتحدة الأمريكية التي نزلت بثقلها لمساندة كييف. رصدت صحيفة "ذا هيل" الأمريكية. ثلاث حقائق يتعين علي واشنطن التعامل معها في النزاع بأوكرانيا.
الحقيقة الأولي تقوم علي أن دمج الشجاعة الأوكرانية والتكنولوجيا الأمريكية. قد أثبت القدرة علي عرقلة المحاولة الروسية لاحتلال كامل لأوكرانيا. فقد حرمت الدفاعات الجوية الأمريكية روسيا من تحقيق التفوق الجوي الضروري لإحراز تقدم سريع علي الأرض.
وحالت الأسلحة الأمريكية المضادة للدبابات دون اكتساح المدرعات الروسية لكييف. وعانت روسيا خسائر هائلة في الأرواح. خصوصاً في صفوف ضباطها.. وأرغم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علي خفض طموحاته في ساحة المعركة وإلي الاعتماد علي المدفعية والضربات الصاروخية من أجل اختراق الدفاعات الأوكرانية ببطء في منطقة الدونباس.
والحقيقة الثانية. هي أنه علي رغم هذا النجاحات الدفاعية. فإن أوكرانيا لم تكن قادرة علي بناء زخم هجومي يرغم الجيش الروسي علي الانسحاب. ومن المؤكد أن إرسال مدفعية أمريكية متطورة وصواريخ وأنظمة صاروخية قد ساعد أوكرانيا علي ضرب خطوط الإمداد ومخازن الذخيرة الروسية. لكن قوات المشاة الأوكرانية لم تنجح في جمع العدد الكافي من القوات البرية لإستعادة الأراضي التي استولت عليها القوات الروسية.. ويصر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. علي أن الهجوم المعاكس للجيش الأوكراني لاستعادة خيرسون سيغير الصورة. لكن من الصعب تصور نصر أوكراني في الحرب علي المدي المتوسط.
الحقيقة الثالثة. هي أن الجهود الأمريكية لإجبار بوتين علي التراجع من خلال شل الاقتصاد الروسي وعزله علي المسرح الدولي. قد باءت بالفشل.. ولا شك أن العقوبات الغربية تلحق الضرر بروسيا.. ويتوقع صندوق النقد الدولي تراجعاً في الاقتصاد الروسي بنسبة 6 في المائة هذه السنة. بينما قطاع التكنولوجيا سيواجه مستقبلاً قاتماً. لكن هذا يقارن بتراجع اقتصادي بنسبة 40 في المائة في أوكرانيا.
اما العملة الروسية فهي أقوي الآن مما كانت عليه قبل الحرب. علي رغم وعود الرئيس الأمريكي جو بايدن بتحويل الروبل إلي "أنقاض".. وزادت عائدات روسيا من صادرات الطاقة بفعل ارتفاع الأسعار وعدم رغبة بقية العالم في الانضمام إلي العقوبات. وبات بوتين شخصاً غير مرغوب به في الغرب. لكنه بالكاد يشعر بأنه منبوذ في بقية أنحاء العالم. وفق ما سيثبت حضوره المتوقع إلي قمة العشرين في أندونيسيا في نوفمبر.
وفي الوقت نفسه. فإن الآثار الإقتصادية المتأتية عن الحرب تصيب الغرب وروسيا علي حد سواء. ويكافح الأمريكيون في مواجهة ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية.. ولا تواجه أوروبا شتاءً قاسياً فحسب. وإنما أيضاً تعثراً في صناعات أساسية. ربطاً بالعقوبات التي تطاول الغاز الطبيعي وسلع روسية أخري مثل مواد البناء وخصوصاً المعادن فضلاً عن قطاع السيارات.. وتتجه ألمانيا التي تعتمد اعتماداً أساسياً علي إمدادات الطاقة الروسية. نحو اضطراب اقتصادي في الأشهر المقبلة. في حال استمرت الأمور في هذا الاتجاه.
وتحذر "ذا هيل" من انه إذا لم تغير واشنطن شروط الإنخراط في النزاع. فإن الوقت سيكون حليف بوتين في أوكرانيا.. ولفتت الصحيفة إلي أن تشديد العقوبات الاقتصادية علي روسيا لن يكون مؤثراً.. وأي آمال ضئيلة علي الفوز بدعم الصين ضد روسيا. اطاحت بها زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي لتايوان.
وتبين أن العقوبات الغربية علي روسيا هي بمثابة جائزة للهند. التي تشتري بحماسة النفط الروسي بأسعار مخفضة لتعاود بيعه لأوروبا. وفي الميزان. أن عالم الجنوب تقلقه الإمبريالية الاقتصادية والثقافية الأمريكية. أكثر مما تقلقه مسألة الغزو الروسي لأوكرانيا.
وتري الصحيفة الأمريكية أن الولايات المتحدة تفعل القليل حيال المواطنين الروس العاديين لتظهر لهم أنها منفتحة علي تحسين العلاقات في مقابل تحسين السلوك الروسي. فالإعلان الأمريكي الأخير عن إنشاء قيادة عسكرية منفصلة للإشراف علي المساعدات المقررة لأوكرانيا. يبدو وكأنه يتوافق مع ما يقوله بوتين للروس من أنهم يقاتلون الولايات المتحدة. التي يتهمها بمحاولة تدمير روسيا.
وتختتم "ذا هيل" تقريرها قائلة: "طالما إننا غير راغبين في الإتجاه نحو تسوية علي غرار تلك التي اقترحتها كييف نفسها أول الحرب. بما يضمن نوعاً من الحياد العسكري لأوكرانيا- فإننا نواجه خيارين. إما تصعيد تدخلنا أو الإنخراط في نزاع طويل يحبذه بوتين. وأي من الخيارين لن ينتهي نهاية جيدة بالنسبة لأوكرانيا أو للولايات المتحدة".