نار العقوبات أحرقت الجميع.. الاقتصاد العالمي يواجه عواقب "مدمرة"
بعد 6 أشهر من القتال.. الكل خاسر
يواجه الاقتصاد العالمي عواقب "مدمرة" بسبب الحرب المستمرة في أوكرانيا، فالدول الغربية التي رأت أنه من الأفضل لها ردع روسيا، بفرض عقوبات قاسية عليها، لتقويض قدرتها على الحركة والمناورة في الحرب، ودعم أوكرانيا بالمال والسلاح بغزارة غير مسبوقة منذ عقود، والدخول في حرب بالوكالة مع روسيا، بدلاً من الدخول في حرب فعلية، كل ذلك لم يؤثر وينل من روسيا فقط، بل أثر في دول الغرب أيضًا.
وبحسب ما ذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، فالعقوبات التي فرضت على روسيا، أثرت عليها بشدة، لكن العقوبات على أوروبا كان لها تأثير أكبر.. حيث تعاني القارة العجوز الآن تحت وطأة موقفها لحرب روسيا في أوكرانيا.
اتبعت روسيا عملية "عنق الزجاجة"، فلكي تفلت بعنقها كان لابد لها من أن تذيق أوروبا ويلات عقوباتها، فقطعت الغاز أكثر من مرة عن أوروبا، وستقطعه أيضًا هذا الشهر من خط نورد ستريم 1.
أما أمريكا، فالعقوبات التي حاولت بها ضرب روسيا، انقلبت عليها.. حيث تعيش أجواء تضخم غير مسبوقة منذ 40 عامًا، وهاهي تؤثر على العالم كله، وذكرت "فورين بوليسي" إنه يبدو أن سيف العقوبات لم ينل من روسيا فقط بل نال من الجميع بدرجات متفاوتة.
قبل الحرب، حذر الرئيس الأمريكي جو بايدن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن العقوبات التي ستفرضها الولايات المتحدة وحلفاؤها إذا غزت روسيا أوكرانيا، ستكون مؤلمة، لذا عليه التراجع، لكن بوتين لم يعطي بالًا لذلك، وذلك لأنه اعتبر أن خطوته هي حماية لأمنه القومي وردعًا لتوسع حلف الناتو.
عندما غزا بوتين أوكرانيا على أي حال، أضرته العقوبات بشدة، لكن الرئيس الروسي لم ينسحب، وأظهر موقفًا متشددًا إزائها، وقام بغرض عقوبات مضادة على الغرب، وتساءلت المجلة الأمريكية وقالت: "الآن، وبعد ما يقرب من ستة أشهر من الحرب، التي تمر بمرحلتها الثالثةــ الردع، ثم الإكراه، والاستنزاف الآن ــ من الذي يربح حرب العقوبات؟".
قالت المجلة، إن المرحلة الأولي من العقوبات كعنصر رئيسي للردع، لم تنجح.. حيث إن رؤية روسيا الكبري لبوتين وإيمانه بأن النصر كان قريبًا ــ ذكرت الجنود الروس الذين لم يستعدوا جيدًا للحرب بالاستمرار، وأردفت المجلة، إنه حتي ولو لم يكن مستعدًا تمامًا للغزو، فإننا نعلم من الحالات الأخري أنه في حين تكون التهديدات بالعقوبات عالية للطرف الآخر، فهي لا تحقق عادة الهدف منها.
من الممكن القول إن العقوبات قد حققت بعض النجاح لأهداف تغيير السياسة المحدودة، إلا أنها لم تكن قادرة على ردع بوتين ووقف الحرب، وعادت "فورين بوليسي" بالذاكرة للتاريخ، وقالت "لم تردع التهديدات الديكتاتور الإيطالي السابق بينيتو موسوليني عن غزو إثيوبيا عام 1935 ولا الرئيس العراقي السابق صدام حسين من غزو الكويت عام 1990، ولا الاتحاد السوفيتي من غزو أفغانستان عام 1979.
سعت المرحلة الثانية من العقوبات الشاملة المفروضة بمجرد غزو روسيا، إلي فرض تكاليف ثقيلة على موسكو، إلي جانب دعم الناتو للمقاومة الأوكرانية، وكان الهدف إجبار بوتين على الانسحاب، وهو ما قطعت فيه العقوبات المالية شوطًا جيدًا في تكبيل روسيا، وعزلها عن جزء كبير من النظام المالي الدولي، بما في ذلك تجميد ما يقرب من نصف احتياطيات العملة الصعبة لديها، والتي تبلغ قيمتها 640 مليار دولار، كما تم حظر تقنيات مثل أشباه الموصلات الحيوية لكل من المعدات العسكرية والمنتجات التجارية مثل الهواتف المحمولة والسيارات.
على النقيض من الحلول النهائية المتبعة في العديد من حالات العقوبات الأخري، أنهت أكثر من 1000 شركة متعددة الجنسيات ــ أو على الأقل خفضت ــ أعمالها في روسيا أو معها، كما تم معاقبة أكثر من 600 من المتنفذين الروس ومعاقبة النخبة الحاكمة الروسية، بما في ذلك بوتين وعائلته.
وبشكل فردي، عادت الرياضة بوتين.. حيث حاول الحظر الرياضي والثقافي مشاركة الروس في كأس العالم FIFA "للرجال والسيدات"، والمشاركة مع الاتحاد الدولي لهوكي الجليد، والفورمولا 1، ومسابقة الأغنية الأوروبية، وكل ذلك لتعزيز الشعور بالعزلة لدي المواطن الروسي العادي.
على الرغم من أن النفط والغاز الطبيعي يمثلان استراتيجية خاصة للاقتصاد الروسي.. حيث يوفر إنتاج ما قبل الحرب حوالي نصف الميزانية الفيدرالية وثلث الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، إلا أن العقوبات كانت أبطأ عند دخولها حيز التنفيذ وأكثر محدودية نظرًا لاعتماد المستوردين وفارضي العقوبات الأوروبين على الطاقة الروسية، وهو ما جعل العقوبات غير مؤثرة.
أما المرحلة الثالثة الحالية، فيمكن وصفها بجدارة إنها مرحلة استنزاف اقتصادي للدول الأوروبية وأمريكا، فهاهي أوروبا تدعو لترشيد الاستهلالك وتأن من ارتفاع أسعار الغاز الباهظة بخلاف أزمات التضخم والعمالة والأجور وذلك كله سيتفاقم مع قدوم الشتاء، وأمريكا كذلك ليست ببعيدة عن ذلك.. حيث تعاني من التضخم وارتفاع أسعار، وسط معارضة أوبك رفع الإمدادت بشكل غير مخطط، وهو ما يثقل على الحكومة الأمريكيةـ، ويقول إنه من الأجدر الوصول لصيغة جديدة لإنهاء الحرب،والحد من الآثار الاقتصادية للحرب الاوكرانية، التي يخسر فيها الجميع.