روسيا وفرنسا والولايات المتحدة والصين .. تغازل القارة السمراء
سباق محموم للقوي العظمي .. لكسب النفوذ في أفريقيا
حرب دعائية شرسة بين المتنافسين .. للتجمل وتشويه صورة الآخر !!
وعود بمعونات مالية وغذائية وصحية .. للحكومات والشعوب ..!!
استثمارات بكين تزيد 8 مليارات دولار .. عن أكبر المقرضين مجتمعين !!
في حركة لا تهدأ، ومنافسة حامية الوطيس، يطوف القادة الروس والفرنسيون والأمريكيون في الفترة الحالية، بالدول الأفريقية، لكسب التأييد لمواقفهم حول الحرب في أوكرانيا، ويتسابق مسئولو القوي العظمي على تحقيق مزيد من النفوذ.. حيث يغازلون القارة السمراء الغنية بخيراتها ومواردها، في ظاهرة لم تحدث منذ انتهاء الحرب الباردة.
وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف زار مصر والكونغو وأوغندا وأفريقيا، وقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بجولة شملت الكاميرون وبنين وغينيا بيساو الأسبوع الماضي، وقبلها بأسبوع سافرت سامانثا باور، رئيسة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، إلي كينيا والصومال.. كما زارت السفيرة الأمريكية لدي الأمم المتحدة، ليندا توماس جرينفيلد، غانا وأوغندا هذا الأسبوع.
وتوجه المبعوث الأمريكي الخاص للقرن الأفريقي، مايك هامر، إلي مصر وإثيوبيا، لدفع الجهود الدبلوماسية الرامية إلي تسوية أزمة سد النهضة الإثيوبي، بما يدعم الاحتياجات المائية والاقتصاد ومعيشة كل مواطني مصر والسودان وإثيوبيا، وفقا لبيان من السفارة الأمريكية بالقاهرة.
ونقلت وكالة اسوشيتد برس عن ويليام جوميد، مدير مؤسسة ديموقراطية ووركس، وهي مؤسسة تروج للحكم الرشيد، قوله: "إنها أشبه بحرب باردة جديدة تدور رحاها في أفريقيا.. حيث تحاول الأطراف المتنافسة كسب النفوذ".
سعي لافروف، في رحلاته عبر القارة، إلي تصوير الغرب على أنه الشرير، وألقي باللوم عليه في ارتفاع أسعار المواد الغذائية، في حين اتهم القادة الغربيون الكرملين باستخدام الطعام كسلاح، وأنه شن حرب الفتح على الطراز الإمبراطوري، وهي كلمات محسوبة بدقة لجذب المستمعين في إفريقيا ما بعد الاستعمار.
التصويت الأفريقي
في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، عملت روسيا على كسب الدعم في إفريقيا لعدة سنوات، مما أدي إلي تنشيط الصداقات التي تعود إلي نصف قرن، عندما دعم الاتحاد السوفيتي حركات التحرر الأفريقية التي كانت تقاتل لإنهاء الحكم الاستعماري.
ظهر نفوذ موسكو في أفريقيا في مارس أثناء تصويت الأمم المتحدة لإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، وبينما صوتت 28 دولة أفريقية لصالح القرار، كان هناك عدد كبير من دول القارة- 25 دولة- امتنعت عن التصويت.
وأعرب لافروف عن دعمه لإصلاح مجلس الأمن الدولي ومنح الدول الأفريقية مقاعد دائمة ونفوذاً أكبر.
وقال موقع جلوبال ريسيرش إن لافروف أكد للقارة، في مقال رأي نُشر عبر منافذ إخبارية أفريقية كبري، أن روسيا ستسلم المواد الغذائية والأسمدة والطاقة وغيرها من السلع لأصدقائها الأفارقة، رغم الصعوبات التي أوجدتها العقوبات الغربية، وقال إن الدعاية الغربية والأوكرانية التي تتهم موسكو بمحاولة تجويع إفريقيا لا أساس لها من الصحة وتسعي لصرف اللوم عن الدول الغربية وأوكرانيا.
ذكّر لافروف الأفارقة بأن روسيا ليست "ملطخة بجرائم الاستعمار الدموية" في القارة، ولكنها بدلاً من ذلك "دعمت الأفارقة بصدق في كفاحهم من أجل التحرر من الاضطهاد الاستعماري" على مر السنين، وقدمت لهم المساعدات الاقتصادية والعسكرية والتعليمية.
وقال خلال جولته: "روسيا لا تفرض أي شيء على أحد ولا تخبر الآخرين كيف يعيشون".. "إننا نتعامل باحترام كبير مع سيادة الدول الأفريقية، وحقها غير القابل للتصرف في تحديد مسار تنميتها بنفسها".
ومع استعداد الحكومة الروسية لتوفير التمويل الكافي، عيّن بوتين مساعده يوري أوشاكوف رئيساً للجنة المنظمة للتحضير للقمة الروسية الأفريقية الثانية وعقدها في روسيا، وأعيد تحديد موعد لعقدها في عام 2023، وفقاً لقرار رئاسي.
وذكرت وكالة رويترز أنه خلال زيارة لافروف لأثيوبيا، وجه دعوة لسفراء عدة دول أعضاء لاجتماع خاص بهدف تعميق التعاون بين روسيا والدول الأفريقية، مما أثار استياء المانحين الغربيين، لأن الاجتماع يشير إلي توجه أفريقي نحو روسيا.
وذكرت صحيفة الجارديان أنه تم تعزيز العلاقات الروسية عبر القارة من خلال الاستثمار في التعدين والقروض المالية وبيع المعدات الزراعية أو التكنولوجيا النووية، وسعت شركة روساتوم الروسية الحكومية المعنية بالاستخدام العسكري والمدني للطاقة النووية إلي التوسع في إفريقيا في السنوات الأخيرة، وعلى سبيل المثال قيامها بإنشاء محطة للطاقة النووية بمصر، كما ساعد الاتحاد السوفيتي مصر. من قبل، في بناء السد العالي.
اتهامات فرنسية
وفي جولة إيمانويل ماكرون الأفريقية، اتهم الرئيس الفرنسي روسيا باستخدام قنوات تلفزيونية مثل RT لنشر الدعاية الداعمة للحرب، واتهم الكرملين بابتزاز العالم ومنع تصدير الحبوب من أوكرانيا.
وقال في بنين: "إنهم يمارسون سياسة الابتزاز لأنهم منعوا تصدير الحبوب من أوكرانيا".. وخلال رحلة ماكرون أيضا في الكاميرون وغينيا بيساو، حرض الأفارقة على الوقوف صفاً واحداً ضد روسيا.
أقول لكم هنا في إفريقيا، القارة التي عانت من الإمبريالية الاستعمارية: روسيا هي واحدة من آخر القوي الاستعمارية الإمبريالية، قررت غزو دولة مجاورة للدفاع عن مصالحها، "هذه هي الحقيقة".
كذلك الأمر مع سامنثا باور، أكبر مسئول في برنامج المعونة الأمريكية، في شرق إفريقيا..حيث وعدت بتقديم مساعدات في مكافحة الجوع بالمنطقة وسط جفاف مدمر لعدة سنوات، ولم تتورع عن انتقاد روسيا.
وقالت باور في نيروبي: "من خلال حظر صادرات الحبوب الأوكرانية وتقييد تجارة الأسمدة الروسية، ألحق بوتين الأذي بشعب كينيا ودول أخري في جميع أنحاء العالم".
القمة الأمريكية
وقبل حوالي أسبوعين، أصدر الرئيس الأمريكي، جو بايدن بياناً جاء فيه: "أتطلع إلي استضافة قادة من جميع أنحاء القارة الأفريقية بواشنطن العاصمة خلال الفترة من 13 إلي 15 ديسمبر 2022 لحضور قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا، ستظهر القمة التزام الولايات المتحدة الدائم تجاه إفريقيا، وستؤكد على أهمية العلاقات مع دول القارة وزيادة التعاون فيما يتعلق بالأولويات العالمية المشتركة".
تم الإعلان عن قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا، بالتزامن مع تصريحات افتراضية من نائب الرئيس كامالا هاريس أمام قمة الأعمال الأمريكية الأفريقية في مراكش، التي عقدت في الفترة من 22-10 من يوليو، والتي استضافها مجلس الشركات المعني بإفريقيا والمملكة المغربية وحضرها وفد أمريكي.
قال مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية لوكالة رويترز، إنه من المتوقع أن ينضم حوالي 50 من القادة الأفارقة إلي بايدن في سلسلة الاجتماعات التي تعقد يومي 13 و15 ديسمبر.
تأتي القمة في نهاية عام زار فيه بايدن مناطق أخري من العالم.. حيث التقي حلفاء الولايات المتحدة في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، لم يقم بايدن بزيارة إفريقيا حتي الآن منذ أن أصبح رئيساً، وستكون القمة بمثابة نظرة أكثر شمولاً له على التعقيدات في القارة.
ويري المحللون أن إحدي إخفاقات بايدن الدبلوماسية، حتي الآن، تمثلت في الترويج للديمقراطيات الغربية كقوة موازنة للصين، لكن المسؤول قال إن القمة الأمريكية الأفريقية لا تتعلق ببكين فقط.
أعلنت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، أنها ستقدم ما يقرب من 1.3 مليار دولار من المساعدات لدول القرن الأفريقي في إثيوبيا وكينيا والصومال للإسهام في درء المجاعة الجماعية والوفيات في المنطقة المنكوبة بالجفاف.
بالإضافة إلي كون الصين أكبر شريك تجاري للقارة، فهي تعقد سنوياً قمة أفريقية صينية، لكن هذه القمة توقفت في السنوات الأخيرة نتيجة لوباء كورونا، وتعمل بكين على تشكيل المعالم الحضرية للقارة بمفردها تقريباً، ورغم تصريحات بايدن وزعماء آخرين من الدول الغنية حول الحاجة الملحة لتحسين البنية التحتية في القارة، فإن استثمارات تلك الدول وبنوك التنمية الدولية أقل بكثير من المطلوب.
استثمارات صينية بـ 23 مليار دولار
ويقول موقع كوارتز إنه بين عامي 2007 و2020، استثمر بنكان رئيسيان للتنمية الخارجية في الصين 23 مليار دولار في مشاريع البنية التحتية بالقارة، وفقاً لتحليل صادر في 9 فبراير من قبل مركز التنمية العالمية CGD، وهو مركز أبحاث أمريكي، وهذا يزيد بمقدار 8 مليارات دولار عما ساهم به أكبر ثمانية مقرضين آخرين مجتمعين، بما في ذلك البنك الدولي، وبنك التنمية الأفريقي، وبنوك التنمية الأمريكية والأوروبية.
خلال تلك الفترة، استقر إجمالي الإقراض من جميع الأطراف الثمانية عند حوالي 9 مليارات دولار سنوياً، أي أقل من عُشر ما تحتاجه القارة على الأرجح لدعم عدد سكانها المتزايد ومواجهة التحديات العاجلة في مجالات الصحة والتنمية والطاقة.
وهناك نشاط عسكري صيني في القارة الأفريقية يثير حفيظة الإدارة الأمريكية.. حيث تقع القاعدة العسكرية الصينية الأولي والوحيدة حتي الآن في الخارج في جيبوتي قرب ممر بحري مهم هو مضيق باب المندب، الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس.
وتصف الصين هذه القاعدة، التي افتتحت عام 2017، بأنها منشأة دعم لوجستي، وأجرت السفن الصينية دوريات لمكافحة القرصنة بالمنطقة في أواخر العقد الأول من القرن الحالي.
ونقل موقع بيزنس إنسايدر عن القادة العسكريين الأمريكيين عن قلقهم بشأن نشاط الصين في تلك القاعدة. التي لا تبعد سوي أميال قليلة عن قاعدة عسكرية أمريكية رئيسية، وكذلك حول خطط بكين المستقبلية للمنشأة.
حذر القائد الحالي للقيادة الأمريكية في أفريقيا، الجنرال ستيفن تاونسند، من أن الصين تسعي لإنشاء قواعد أخري في إفريقيا وقامت بتحديث قاعدتها في جيبوتي..حيث أضافت رصيفاً كبيراً لاستيعاب حاملة طائرات.
ويري القادة العسكريون الأمريكيون أن "هذه نقطة مرور بحرية استراتيجية يجب أن تظل حرة لضمان حرية الملاحة التجارية".
توضح التقارير أن مسيرة الصين الدبلوماسية التي استمرت عشرين عاما في إفريقيا تترجم إلي نفوذ.
وأظهر استطلاع حديث نشرته مؤسسة Ichikowitz Family في جنوب إفريقيا أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً في 15 دولة أفريقية يرون أن الصين هي القوة الأجنبية ذات التأثير الإيجابي الأكبر على حياتهم.
وبينما حذرت الولايات المتحدة الحكومات الأفريقية مراراً وتكراراً من مخاطر الحصول على الديون الصينية لمشاريع البنية التحتية، فإن تدفق السلع ذات الأسعار المعقولة من الدولة الآسيوية هو الذي أثر في العقول، وبدءاً من هواتف هواوي المحمولة إلي الألواح الشمسية والمنتجات الاستهلاكية اليومية، أصبح "صنع في الصين" جزءاً من الحياة اليومية.
وتقول شبكة بلومبرج إن الولايات المتحدة وشركاتها كانت غائبة إلي حد كبير عن أفريقيا منذ مطلع القرن، باستثناء بعض برامج المساعدة.