مخاض لنظام مالي عالمي جديد.. متعددد الأقطاب
مرت 5 أشهر علي بدء الحرب الروسية- الأوكرانية. هذه الحرب أثرت علي معظم دول العالم خاصة من الناحية الاقتصادية. حيث يرتبط عدد كبير من دول العالم بطرفي المعركة وبمن حولها لدرجة ان هناك دولاً أعلنت افلاسها مثل سيريلانكا كما توجد دول أخري تعاني اقتصادياً من تداعيات الحرب أثرت علي سعر الدولار واليورو والذهب والنفط والغاز الطبيعي وكل هذه عملات وسلع عالمية تؤثر وتتأثر بكل دول العالم.
خبراء الاقتصاد أكدوا أن العالم يمر بمرحلة مخاض لنظام مالي عالمي جديد متعدد الأقطاب فقد انتهي زمن القطب الواحد بعد أن أوجدت الحرب قوة أخري في الشرق ترد علي أمريكا والاتحاد الأوروبي "النيتو" ويقصدها روسيا والصين والهند وهي قوة لا سيتهان بها وبدأت هذه القوة في دعم عملتها سواء الروبل الروسي أو اليوان الصيني والروبل الهندي لمنافسة الدولار. فيما تراجع اليورو لأول مرة أمام الدولار لدرجة التساوي وربما نجد في الفترات القادمة تفوق للدولار علي حساب اليورو وهذا يؤكد ما تمر به دول الاتحاد الأوروبي من أزمة اقتصادية كبري.
قال الخبراء ان العالم مقبل علي عصر التكتلات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لانها الأنسب لمواجهة هذه الأزمة الكبري التي يمر بها العالم.
د.مجدي مليجي.. الأستاذ بتجارة بنها:
استمرار التضخم في أوروبا.. يؤدي للقضاء علي "اليورو"
أكد د.مجدي مليجي عبدالحكيم الأستاذ بكلية التجارة جامعة بنها أنه في ظل تداعيات الحرب الروسية- الأوكرانية وزيادة درجة عدم اليقين المرتبطة بها تراجع سعر صرف العملة الأوروبية اليورو لأول مرة منذ عام "2002" وأصبح أقل من الدولار الأمريكي. ويعد "اليورو" العملة الرسمية لحوالي "20" دولة خاصة بعد موافقة وزراء مالية دول الاتحاد الأوروبي علي انضمام لأكرواتيا. ووفقاً لرؤية المحللين فمن المتوقع أن يستمر الدولار في الارتفاع خاصة مع اتجاه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لرفع أسعار الفائدة لمكافحة ارتفاع التضخم وقد جاء ذلك علي عكس التوقعات للروبل الروسي الذي أصبح أكثر قدرة علي الصمود بعد أن استطاع تعويض الخسائر التي تعرض لها في بداية الحرب. وأصبح أكثر قوة وصلابة في مواجهة العقوبات الغربية.
أوضح أن Thomas Mayer كبير الاقتصاديين السابق في " Deutsch Bank" قد أشار إلي أن استمرار التضخم في دول الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلي القضاء علي اليورو في الوقت الذي يواصل فيه البنك المركزي الأوروبي طباعة الأوراق النقدية وعدم قدرته علي اتخاذ السياسات الإصلاحية المناسبة وهو ما قد يؤثر بالسلب علي القدرة الشرائية للمواطنين ويدفعهم للبحث عن بديل للعملة الرسمية.
د.ماجد الباز.. الأستاذ بتجارة قناة السويس:
إعادة هيكلة للنظام الاقتصادي العالمي
أكد د.ماجد الباز الأستاذ المساعد بكلية التجارة جامعة قناة السويس ان النظام الاقتصادي العالمي يشهد إعادة هيكلة وبوتيرة سريعة جداً نتيجة الحرب الروسية- الأوكرانية وما ترتب عليها من أزمات اقتصادية وقصور بسلاسل التوريد واضطراب بأسواق الأوراق المالية. وينتظر العالم شهادة ميلاد لنظام اقتصادي جديد متعدد الأقطاب خاصة في ظل عدة مؤشرات مثل الترنح الكبير في اقتصاديات دول الاتحاد الأوروبي وعدم قدرتها علي مواجهة ورقة الضغط الرئيسية لروسيا والمتمثلة في الطاقة. كما ساهمت العقوبات الاقتصادية المفروضة علي روسيا في زيادة وتيرة إعادة الهيكلة خاصة مع حقيقة أن المتضرر الأكبر من هذه العقوبات اقتصادياً هو الدول الأوروبية وليس روسيا.
من جانب آخر هناك مخاوف متزايدة من ضرب التضخم للاقتصاد الأمريكي مما دفع البنك الفيدرالي لزيادة الفائدة بمعدل قياسي أكثر من مرة خلال الشهور الماضية في سابقة تاريخية لم تحدث من قبل وتباينت آثاره علي أسعار صرف عملات معظم دول العالم وتسبب في إرباك المعاملات التجارية الدولية.
أضاف د.الباز انه سينتج عن إعادة هيكلة النظام الاقتصادي العالمي ثلاثة أقطاب رئيسية حيث سيمثل تحالف الولايات المتحدة الأمريكية مع دول الاتحاد الأوروبي القطب الأول متسلحاً بالقطاعات التكنولوجية وخبرات التصنيع بينما سيمثل تحالف روسيا والصين ودول القوقاز القطب الثاني متسلحاً بقطاعات الطاقة والصناعات التحويلية وكثيفة العمالة أما القطب الثالث فسيمثل الوسطية ومن ضمنه التحالف العربي والذي يعتبر أبرز لاعبيه مصر والسعودية والإمارات متسلحين بقطاع البترول والغاز والأهم هو الموقع الاستراتيجي والتحكم في حركة التجارة العالمية من خلال قناة السويس المصرية وميناء جبل علي الإماراتي.
وأوضح د.الباز انه من خلال تتبع أداء اقتصاديات الدول الأوروبية خلال الازمة الأوكرانية فقد أثبتت الأزمة ضعف هذه الاقتصاديات وعدم قدرتها علي تحمل الأزمات لفترة طويله كما كان معتقد سابقاً. حيث بعد أقل من 5 شهور رضخت معظم الدول الأوروبية لشروط روسيا لاستمرار تدفق الغاز والنفط متمثلة في الشراء بالروبل الروسي وبذلك أصبحت هيمنة الدولار علي أسواق الطاقة محل شك وفتحت المجال لربط النفط بعملة أخري وذلك بجانب اتجاه دول منظمة أوبك لتبيع النفط للصين باليوان الصيني. مما افقد سوق الطاقة ما يقرب من 40% من هيمنة الدولار كعملة التداول الوحيدة.
د.أشرف منصور.. الأستاذ بتجارة حلوان:
نعيش حالة من الضبابية المالية والاقتصادية
أكد د.أشرف منصور الأستاذ بكلية التجارة جامعة حلوان أنه بعد خمسة شهور من الغزو الروسي لأوكرانيا في الرابع والعشرين من فبراير الماضي. يمكن القول أننا ما زلنا نعيش حالة من الضبابية المالية والاقتصادية نتيجة هذا الغزو. ورغم هذه الضبابية. إلي أنه يمكن القول أننا أمام نظام مالي عالمي جديد.
أضاف أن روسيا تعرضت نتيجة هذا الغزو للعديد من العقوبات من قبل دول مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي وغيرها. وقد أدي ذلك إلي التأثير السلبي علي العملة الروسية. مما دفع روسيا لاتخاذ إجراءات احترازية لحماية عملتها. ترتب عليها تغيير العديد من الثوابت التي كان من المستبعد تغييرها. وعلي رأسها أركان النظام المالي العالمي. الذي يهيمن عليه الدولار الأمريكي.
أشار إلي أن هذه الحرب. أدت وما ترتب عليها من حصار للدولة الروسية. وخشية حلفائها من أن ينالوا نفس المصير. إلي اتخاذ روسيا وحلفائها لبعض الخطوات بغرض التحرر من الهيمنة المالية العالمية للعملة الأمريكية. التي تعد العملة الأكثر استخداماً في المعاملات التجارية والمالية. خاصةً في ظل صمود العملة الروسية- حتي الآن - رغم فرض جملة من العقوبات الاقتصادية عليها. أهمها إدراج البنك المركزي الروسي في القائمة السوداء للنظام المالي العالمي.
أوضح أنه ترتب علي هذه الحرب. عقد بعض الدول وعلي رأسها روسيا والصين والهند لمجموعة من الاتفاقيات التجارية الثنائية باستخدام العملة الصينية "اليوان" والعملة الروسية "الروبل". بعيداً عن العملة الأمريكية "الدولار". كما شجعت هذه الحرب الصين من أجل ايجاد نظام مالي جديد بديلاً لنظام "سويفت" كوسيلة للسداد. وقد دفعت هذه الأمور صندوق النقد الدولي إلي الاعتقاد بأن هيمنة الدولار. يمكن أن تنخفض السنوات القادمة.
د.علاء زلط.. الأستاذ بتجارة المنوفية:
انحسار التأثير العالمي للدولار.. ودور فاعل للعملات الرقمية
يقول د.علاء زلط الأستاذ المساعد بكلية التجارة جامعة المنوفية أن الحرب الروسية- الأوكرانية أدت إلي بزوغ ظواهر اقتصادية لم يسبق لها مثيل تمثلت أهمها في الصدمات السعرية في سلاسل إمداد السلع والخدمات بالإضافة إلي الارتفاع الجنوني في أسعار الذهب وأسواق الطاقة متمثلة في النفط الخام والغاز الطبيعي وفي أسواق المعادن والغذاء وتدهور الأسواق المالية الأوروبية تحديداً نتيجة كثافة الاستثمارات الأوروبية في الأسواق الروسية في السنوات العشر الأخيرة.
أضاف أن العالم يعيش علي وقع إعادة تشكيل نظام مالي عالمي جديد متعدد الأقطاب مكون من كتلة غربية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا في مواجهة كتلة شرقية تقودها روسيا والصين والهند والسعودية. حيث صاحب اشتعال الحرب الروسية- الأوكرانية إلي أنباء عن قيام الهند بالتعاقد علي شراء 3 ملايين برميل نفط روسي علي أن تتم تسوية المعاملات التجارية بينهم بالروبل الروسي والهندي وكذلك أنباء عن مشاورات سعودية مع الصين لتسعير بعض مبيعاتها النفطية باليوان الصيني. يصاحب ذلك صعود الآليات المالية الصينية الموازية مثل نظام CIPS كبديل لنظام SWIFT العالمي بشكل ينبئ بالانتقال التدريجي للنظام المالي العالمي الجديد بقيادة الصين والتي تعد القوة التجارية الأكبر في العالم والمصدر الأهم للابتكارات في العالم.
د.عرفان فوزي.. الخبير الاقتصادي:
"الروبل" الروسي مستفيد من الحرب.. و"اليوان" الصيني الفائز الأكبر
يقول د.عرفان فوزي الخبير الاقتصادي والأمين العام للجمعية العلمية للتشريع الضريبي انه منذ الحرب العالمية الثانية لم يشهد العالم أزمة عاصفة مثل هذه الأزمة الحالية وهي الحرب الروسية- الأوكرانية هذه الحرب كان وما زال لها آثار اقتصادية ومالية كبيرة علي غالبية دول العالم.
أضاف أنه ومنذ اندلاع هذه الحرب نري صعوداً وهبوطاً للعملات ولأسواق البورصة وارتفاع كبير في أسعار الطاقة مما رفع معدلات التضخم العالمي إلي معدلات غير مسبوقة وراينا مظاهرات في دول أوروبية بسبب نقص مواد الغذاء والمواد البترولية وتخوف دول أوروبا من الشتاء القادم نتيجة لتوقف امدادت الغاز والتي تعتبر روسيا وأوكرانيا هي المصدر الرئيس له.
أوضح ان الدولار شهد موجات وصدمات عنيفة أثرت عليه هبوطاً وصعوداً ففي البداية واجه الدولار هبوطاً سريعاً أمام كافة العملات وسرعان ما استعاد الفيدرالي الأمريكي زمام السيطرة من خلال رفع سعر الفائدة علي الدولار والذي وصل لأول مرة إلي 75 نقطة مما جعل رفع معدلات الطلب علي الدولار مرة أخري وأعاد التوازن النسبي في مواجهه العملات الأخري مؤقتاً.
أما اليورو ففي الحقيقية هو يعاني منذ خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي وزادت هذة المعاناه بعد هذه الحرب وارتفاع أسعار الطاقة ورفع سعر الفائدة علي الدولار أضر به كثيراً ومن المتوقع أن يستمر معدل هبوط اليورو خلال الفترة القادمة.
أشار إلي أن الروبل الروسي هو أكثر العملات التي استفادت من هذة الحرب وذلك بعد اشتراط روسيا لتصدير الغاز والمواد الغذائية أن يكون التعامل بالروبل الروسي هذا القرار جعل الروبل الروسي يقف صامداً علي الرغم من قوة وتنوع العقوبات التي تم فرضها علي النظام المالي والاقتصادي الروسي.
د.أحمد مطاوع.. الأستاذ بتجارة المنصورة:
عالم متعدد الأقطاب
التجهيزات للحرب الروسية- الأوكرانية. بدأ منذ فترة طويلة عندما استشعرت يقول الدكتور أحمد مطاوع الأستاذ بكلية التجارة جامعة المنصورة أن الولايات المتحدة الأمريكية تهديد لمكاسبها التي تحققت نتيجة التحول إلي عالم أحادي القطب. هذا التحول الذي تحقق من خلال ثلاث محاور: أولها تأسيس الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وثانيها إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وثالثها هيمنة الدولار. والتي دعمت ما يعرف بقوي الدولة الشاملة بشكل كبير.
أضاف ان انغماس الولايات المتحدة الأمريكية في العديد من الملفات الدولية مثل حرب العراق وأفغانستان ومحاولة دعم ثورات ما يسمي بالربيع العربي أدي إلي عدم الانتباه إلي التقارب الصيني- الروسي والتحالف الاستراتيجي بينهم ضد النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة وكذلك تنامي القوي الشاملة للاتحاد الأوربي. وعندما ادركت الولايات المتحدة انها كقطب اوحد أصبحت في خطر. وجدت ان الامر يتطلب تفكيك قوي الدولة الشاملة لروسيا والاتحاد الأوربي من خلال انهاك روسيا في حرب عسكرية طويلة الأمد تستزف مواردها والدفع بدول الاتحاد في دائرة أضعاف القوي الشاملة. من خلال فرض عقوبات اقتصادية علي روسيا بتأييد أوروبي رغم اعتمادها علي روسيا كمصدر رئيسي للطاقة والغذاء ومستلزمات الصناعة مع وعد أمريكي كاذب بتوفير مصادر بديلة.
أوضح ان النتائج علي أرض الواقع تسير في الاتجاه الذي رسمته الولايات المتحدة. حرب طويلة الأجل بين روسيا- وأكرانيا واقتصاد روسي يستطيع الاكتفاء الذاتي لفترات طويلة وقرارات روسية بشان الطاقة والغذاء تؤدي إلي ارتفاع سعر الروبل. ودعم أمريكي للدولار بزيادة سعر الفائدة. واقتصاد أوروبي يضربه التضخم. واليورو المنافس الأكبر للدولار يصل إلي أدني مستوياته منذ عقود في مقابل الدولار.
أشار إلي أن الدب الروسي يتحلي بالصبر مع أوروبا في انتظار دخول فصل الشتاء باعتباره التوقيت الحاسم لفرض شروطه علي دول الاتحاد التي سوف تستجيب لها بما يدعم الاقتصاد والعملة الروسية. والصين علي الطرف الآخر تنتظر لحظة التدخل المناسبة. وما نستطيع ان نستخلصه ان العالم في اتجاهه إلي ان يتحول إلي عالم متعدد الأقطاب وتوقيت التحول مرهون بنتائج الحرب الروسية- الأوكرانية وقوة الضغط للأوراق التي يستعملها أطراف الصراع الروسي والأمريكي.