ماذا يطلب التحالف العربي من واشنطن؟
تأتي زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للمنطقة. ولقائه تسعة من القادة العرب في المملكة العربية السعودية. في وقت يشهد الشرق الأوسط تحولا كبيرا. عنوانه امتلاك القوي العربية الرئيسية زمام السياسات الرئيسية بالإيقليم.
لقد خلقت حالة الفوضي التي كرستها موجة "ثورات الربيع العربي" قبل ما يزيد علي 10 سنوات. توازنات جديدة في الإقليم. استطاعت فيها القوي غير العربية والفاعلون من غير الدول- بتنسيق مباشر أو غير مباشر فيما بينها- استغلال حالة الفراغ التي نتجت عن انكفاء مصر لفترة غير قليلة علي أوضاعها الداخلية. وخروج دول مثل العراق وسوريا من المعادلة السياسية والأمنية. وتحول دول عربية أخري إلي ساحة للصراع الداخلي والإيقليمي. أو الدولي. ثم جاء توجه الولايات المتحدة لتخفيف ارتباطها بالإقليم لمصلحة التفرغ لمسرح "الإندو- باسيفيك" والمواجهة مع الصين. ليمثل عاملاً إضافياً لتكريس هذا الواقع الجديد.
الآن. يشهد الإقليم العربي اتجاها معاكسا لهذه التحولات. عنوانه الرئيسي وجود فرصة كبيرة لامتلاك القوي العربية الرئيسية زمام السياسات الرئيسية بالإيقليم. أسس لهذا التوجه مجموعة من التحولات المهمة. أبرزها عودة دور مصر القوي إلي الإقليم. وخروجها من حالة الانكفاء علي الداخل. واضطرار الولايات المتحدة إلي مراجعة طبيعة علاقاتها والتزاماتها تجاه القوي العربية الرئيسية بالإقليم. تحت تأثير عوامل عدة. أبرزها فشل المراهنة علي العودة إلي الاتفاق النووي مع إيران "حتي الآن". وتزايد الأهمية النسبية للدول العربية المنتجة والمصدرة للطاقة. والتي انضمت إليها مصر حديثاً بفعل اكتشافات غاز شرق المتوسط والبنية التحتية لتسييل الغاز. وحسابات الصراع الأمريكي مع روسيا والصين.
كما أسس لهذا التوجه أيضا عدد من التحولات العربية البينية الإيجابية. أهمها انتهاء الأزمة الخليجية- المصرية مع قطر. والاتجاه إلي طرح مقاربة خليجية جديدة بشأن الأزمة اليمنية. وبدء مباحثات سعودية- إيرانية بمساعدة العراق. أضف إلي ذلك تنامي اتجاه داخل العراق بقيادة رئيس الوزراء مصطفي الكاظمي ينحاز إلي بناء علاقات متوازنة مع الإقليم ويعيد الاعتبار لروابطه العروبية التاريخية.
هذه التحولات تخلق فرصة كبيرة لفرض توازنات جديدة في الإقليم. جوهرها إعادة الاعتبار لأدوار القوي الرئيسية. ممثلة في مصر. ومجلس التعاون الخليجي. والعراق. والأردن. والتأسيس لمرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية. وعلاقات الإقليم مع القوي الكبري. وعلي رأسها الولايات المتحدة.
هذا التوازن الجديد لا يعني بالضرورة الدخول في علاقات صراعية مع القوي غير العربية بالإقليم. ولا يعني أيضاً تجاهل مصالح هذه الدول أو أوزانها الإقليمية. لكنه يعني بالضرورة أهمية وضع ضوابط محددة للعلاقة مع هذه القوي. وعلاقاتها بالإقليم. تقوم بالأساس علي احترام الأمن القومي لوحدات الإقليم ولمصالح كل دوله. واحترام مبدأ السيادة الوطنية. وعدم التدخل في الشئون الداخلية.
وهذا التحول الكبير في الشرق الأوسط. وامتلاك القوي العربية الرئيسية زمام السياسات الرئيسية بالإيقليم. جعل تعزيز الشراكة مع العرب. هدفا رئيسيا لرحلة الرئيس الأمريكي للمنطقة. ولقاء تسعة من قادة الدول العربية في مدينة جدة السعودية. والسؤال الآن. ما الذي يريده التحالف العربي من واشنطن؟
ما تريده المملكة العربية السعودية. ومعها دول التحالف العربي. من الإدارة الأمريكية توجه جديد يعيد الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين. ويأخذ في الاعتبار عينه مصالح الأمن القومي لحلفاء واشنطن. في مقابل مساعدة الولايات المتحدة في مواجهة الأزمات الإقليمية والعالمية.
وبما أن القمة تعقد في السعودية. وسيحضرها قادة دول مجلس التعاون الست فإن المطلب الرئيسي الأساسي من معظم قادة دول الخليج هو مطالبة الرئيس الأمريكي بألا تكون النتيجة النهائية للاتفاق النووي الجديد بين إيران والغرب هو تسليم المنطقة من جديد لإيران. باعتبار أن بايدن أكد أكثر من مرة منذ حملته الانتخابية أنه سيعيد العمل بالاتفاق النووي مع إيران. الذي ألغاه سلفه دونالد ترامب بمجرد انتخابه في أواخر 2017.
لن يقبل التحالف العربي أي اتفاق لا ينص ليس فقط علي تجميد البرنامج النووي الإيراني. بل البرنامج الصاروخي. والأهم وقف النفوذ الإيراني في المنطقة. وارتباطا بهذا التوجه ستطالب السعودية ومعها الإمارات والبحرين بموقف أمريكي حاسم ضد الحوثيين في اليمن. وأن تعود واشنطن لدعم السعودية في اليمن. أو علي الأقل تعيد تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية.
المطلب الثاني أن الدول العربية تطالب الإدارة الأمريكية بالتوقف ــ قدر الإمكان ــ عن سياسة الإملاءات والتعامل بندية نسبية معها. فإذا كانت واشنطن تحتاج من الدول العربية ضخ المزيد من النفط في الأسواق العالمية من أجل خفض الأسعار. فإن الدول العربية خصوصا الخليج تحتاج من واشنطن أن تتعامل معها بقدر كبير من الاحترام. طالما أن المصالح متبادلة.
ويطالب التحالف العربي الولايات المتحدة بأن تضغط علي إسرائيل من أجل التوصل إلي حل عادل للقضية الفلسطينية أو حتي شبه عادل. صحيح أن الرئيس الأمريكي أكد دعمه لمبدأ حل الدولتين لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وقال بايدن في مؤتمر صحفي بعد وصوله إلي إسرائيل.: "الحل الأمثل هو قيام دولتين لتحقيق السلام. فنحن نعمل علي دعم السلام والأمن في المنطقة كافة".
لكن علي وشنطن ممارسة الضغط علي تل أبيب من أجل وقف استيطانها المتمدد وحصارها القاسي علي الفلسطينيين في الضفة وغزة. واستنئناف المفاوضات المجمدة مع الفلسطينيين. لأجل التوصل لحل عادل وشامل يقضي بإقامة الدولة الفلسطينيينة المستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
وفي هذا الشأن. تجدر الإشارة إلي الرؤية المصرية بأن أساس الاستقرار في المنطقة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحل العادل للقضية الفلسطينة. وفي النهاية. فإن أي ترتيبات إقليمية في المنطقة مهما كانت طبيعتها سوف تظل ترتيبات مؤقتة أو قاصرة مادامت القضية الفلسطينية لم تجد طريقها إلي الحل.
ومن المتوقع أن يرفض التحالف العربي مطلب الرئيس الأمريكي بدعم الموقف الغربي من الأزمة الأوكرانية. وإبلاغ بايدن احترام الموقف العربي الحيادي من الأزمة الأوكرانية. ذلك الموقف الذي يعتمد الشرعية الدولية منطلقا ومنهجا.
وفي النهاية. ولأجل الحفاظ علي هذا التوازن الإقليمي وقوة التحالف العربي. تظل هناك حاجة لجهود دبلوماسية عربية موازية ومستدامة ومنسقة داخل الولايات المتحدة نفسها للدفاع عن المصالح والرؤي العربية بشأن الإقليم. وتجنيب هذه المصالح التحول بين الإدارات الأمريكية المختلفة.