"ذا ديبلومات": أزمة أوكرانيا نقطة تحول في العلاقات بين روسيا وكازاخستان
أثارت تصريحات رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف التي أدلى بها خلال مشاركة في "منتدى سانت بطرسبرج الاقتصادي"، والذي عقد في وقت سابق من شهر يونيو الماضي، موجة من الجدل والتكهنات لاسيما لدى وسائل الإعلام الغربية، حيث كشف عن موقف بلاده الصريح من الحرب في أوكرانيا وعدم اعتراف بلاده بـ"أشباه الدول" مثل جمهوريتي دونستيك ولوجانسك، المُعترف باستقلالهما رسميا من قبل روسيا.
وعلى ضوء تصريحات رئيس كازاخستان، وصفت مجلة "ذا ديبلومات"، المتخصصة في الشئون الآسيوية، العلاقات بين روسيا وكازاخستان بـ"المُعقدة".. وأشارت، في تقرير لها بهذا الشأن، إلى أنه خلال المناقشة الرئيسية للمنتدى تناول الرئيسان الروسي فيلاديمير بوتين والكازاخي توكاييف ورئيسة تحرير شبكة "روسيا اليوم" الإخبارية مارجريتا سيمونيان العديد من القضايا الاقتصادية البارزة، لكن العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا استحوذت على جانب كبير من الجلسة.
وأوضحت أنه خلال المناقشة، وجهت سيمونيان سؤالا صريحا للرئيس توكاييف حول موقف بلاده من العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ورد توكاييف بكل وضوح قائلا إن بلاده "لا ولن تعترف بأشباه الدول بما فيها دونستيك ولوجانسك:"، مضيفا أن: "هذه إجابة صادقة لسؤالك الصادق".
وبحسب "ذا ديبلومات"، فإن تلك التصريحات على وجه الخصوص من بين 3 ساعات من المناقشات انتشرت عبر وسائل الإعلام في دول الغرب وروسيا، ليتكهن كل طرف بما يعنيه تصريح رئيس كازاخستان حول موقفه من العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
وأشارت إلى أن وسائل إعلام الغرب فسرت هذا التصريح بأنه لحظة محورية في العلاقات الروسية-الكازاخية، وتصدرت وسائل الإعلام الغربية عناوين مثل "حليف بوتين يعارض نهجه في أوكرانيا وجها لوجه"، و"بوتين يواجه معارضة غير متوقعة من حليفه حول الحرب في أوكرانيا"،
و"كيف بوتين خسر كازاخستان وسحق آماله في إعادة إحياء الاتحاد السوفيتي؟"، وغيرها من العناوين في هذا الاتجاه.
أما على الجانب الآخر، فقد أوضحت وسائل الإعلام الروسية أن هذه التصريحات تعد نقطة تحول في العلاقات بين البلدين، لكنها صاغت رد توكاييف من زاوية مختلفة، حيث رأت أنها بمثابة "انفصال" كازاخستان عن روسيا، بل وتساءلت وسائل إعلام روسية أخرى عن خيانة نور سلطان (عاصمة كازاخستان) لموسكو.
ورأت "ذا ديبلومات" إشكالية في كلا التفسيرين لتصريح توكاييف، مشيرة إلى أنه في بعض وسائل الإعلام الغربية كان هناك دافع واضح لتصوير ضعف بوتين وخسارته للقوة والنفوذ حتى مع أقرب حلفائه.
وقالت "إن المناقشة بأكملها التي جرت بين توكاييف وبوتين في "منتدى سانت بطرسبرج الاقتصادي"، تُشير بوضوح إلى اتفاق الرئيسين على العديد من النقاط، كما كان توكاييف مهذبا وودودا في تصريحاته وشدد مرات عديدة على أهمية تعاون روسيا وكازاخستان في إطار الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لتجاوز الوضع الاقتصادي الصعب في المنطقة، بل إن تواجد توكاييف في المنتدى يعتبر في الأساس دليلا واضحا على نواياه بعدم "خيانة" أو "إهانة" روسيا، بل محاولة من جانب توكاييف لإيجاد سبل للتعاون الاقتصادي المتبادل بين البلدين".
ووفقا للمجلة، فقد اتسمت بعض التغطية الصحفية في وسائل الإعلام الروسية أيضا بالتضليل، سواء كان بتوجيه اتهامات لتوكاييف بالخيانة أو الانفصال عن روسيا أو وصف تصرفاته بأنها إظهار لـ"النمط الشرقي الماكر في الدبلوماسية".
ولفتت إلى أن الحرب في أوكرانيا وضعت نور سلطان في موقف لا تحسد عليه، لاسيما وأن كازاخستان تقع على الحدود المباشرة مع كل من روسيا والصين، مضيفة أن كازاخستان منذ استقلالها في عام 1991 اتبعت بعناية "سياسة خارجية متعددة المحاور" في محاولة منها للحفاظ على علاقات ودية مع الغرب وبقية دول العالم أيضا، لكن تصاعد النزعات القومية والانقسام العالمي جعل كازاخستان أمام تحد صعب بين حماية مصالحها الوطنية والحفاظ، في الوقت نفسه على علاقات جيدة مع جميع الدول.
وأوضحت المجلة أن كازاخستان لديها أقلية عرقية روسية كبيرة الحجم في المناطق الشمالية من البلاد على الحدود مع روسيا، لذلك فإنها لن تغامر بالاعتراف بأي دولة انفصالية؛ لأن هذا الاعتراف قد يُلهم بحدوث أمرا مشابها على أراضيها، ولهذا السبب أيضا لن تسعى كازاخستان عمدا للتأثير سلبيا على علاقاتها مع روسيا؛ نظرا لأنها كدولة لديها مصالح قومية أخرى مرتبطة بروسيا، مثل النفط الكازاخي الذي يُنقل بشكل أساسي عبر الأراضي الروسية.
ونوهت "ذا ديبلومات" بأن موقف توكاييف خلال منتدى سان بطرسبرج لم يكن مفاجأة للكرملين، حيث صرح العديد من المسؤولين الكازاخيين بهذا الموقف عدة مرات في أماكن مختلفة منذ بداية العملية العسكرية الروسية بأوكرانيا، وفي الوقت نفسه، فإنه خلال جزء آخر من المناقشة أكد بوتين على أن كازاخستان حليف مباشر لروسيا.
وبغض النظر عن ذلك، أدلت بعض الشخصيات العامة في روسيا بتعليقات سلبية على تصريح توكاييف، إلا أنه بالنظر إلى موقف الكرملين، فإن تلك التعليقات يُعتقد أنها تستهدف الجمهور الروسي داخل البلاد من أجل اصطفاف الروس وراء دولتهم في حربها، وليست موجهة ضد كازاخستان.
واختتمت المجلة، بأن في الوضع الحالي روسيا وكازاخستان تحتاجان إلى بعضهما البعض، وفيما تبدو الحرب في أوكرانيا قد جعلت كازاخستان أكثر صراحة على الساحة الدولية في التعبير عن موقفها ومصالحها الوطنية المتعلقة بروسيا، ورغم الظروف الجيوسياسية والاقتصادية الصعبة التي خلقتها روسيا، فمن مصلحة كلا البلدين الحفاظ عليها علاقاتهما الجيدة قائمة.