الأبعاد الحقيقية لعودة القوات الأمريكية إلي الصومال..!!
بايدن يريد مواجهة حلفاء روسيا.. في القرن الأفريقي!
تدهور العلاقات مع أثيوبيا وإريتريا.. وإقامة قاعدة صينية
تزايد نفوذ حركة الشباب وارتفاع وتيرة هجماتها في البلاد
تحذيرات من تكرار سيناريو ""سقوط الصقر الأسود"!!
لماذا وافق الرئيس الأمريكي جو بايدن مؤخرًا على طلب وزارة الدفاع "البنتاجون" إعادة "حوالي 500" جندي أمريكي إلي الصومال؟ هل السبب هو تزايد نفوذ جماعة الشباب الإرهابية وثروتها، وارتفاع وتيرة هجماتها منذ انسحاب القوات الأمريكية في يناير 2021 أم أن السبب هو عودة حسن شيخ محمود "صديق أمريكا" إلي رئاسة البلاد.. حيث شغل المنصب سابقًا في الفترة من 2012 إلي 2017.
تعليقًا على ذلك، صرح مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية ان حركة الشباب تشكل خطراً على الولايات المتحدة والمصالح الأمريكية في شرق إفريقيا.
ونقل موقع مجلة اير فورس عن المسؤول إنه منذ 15 شهرًا قام الرئيس دونالد ترامب بإبعاد 750 جنديًا أمريكيًا من تقديم التدريب ومكافحة الإرهاب في الصومال.
وتحتفظ الولايات المتحدة بقوات في شرق إفريقيا في كل من كينيا وجيبوتي، موطن القاعدة الأمريكية الوحيدة في القارة، وهي قاعدة ليمونير.
وقد تراجعت الضربات الجوية ضد قادة حركة الشباب بشكل ملحوظ منذ انسحاب القوات الأمريكية، لكن هذا، أيضًا، سيتغير، وفقًا لتقرير من صحيفة نيويورك تايمز، ويشير التقرير إلي أن وزارة الدفاع حصلت على موافقة رئاسية باستهداف حوالي 12 من قادة الإرهاب.
وقال السكرتير الصحفي للبنتاجون جون إف كيربي للصحفيين: "قواتنا لا تشارك الآن ولن تشارك مستقبلاً بشكل مباشر في عمليات قتالية"، "الهدف هو تمكين القوات المحلية من خوض معارك أكثر فعالية ضد حركة الشباب".
لم يقدم المسؤول أي جدول زمني لعودة القوات الأمريكية إلي الصومال وقال: "يتوافق هذا النهج مع ما نقوم به في أماكن أخري من القارة الأفريقية، بما في ذلك النيجر.. حيث تقوم القوات الأمريكية بتدريب وتجهيز القوات المسلحة في النيجر لإجراء عمليات فعالة لمكافحة الإرهاب هناك مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وداعش - غرب أفريقيا.
وأشار المسؤول إلي أن الانتخابات الرئاسية الصومالية الناجحة التي جرت في 15 مايو كانت عامل استقرار قبل الإعلان.. مشيرًا إلي عودة حسن شيخ محمود إلي الرئاسة.
ويري بعض المراقبين أن قرار إعادة الانتشار في الصومال كان مفاجئًا لسببين مهمين، أولاً، وعد الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال حملته الانتخابية بتجنب "الحروب الأبدية" ضد الإرهاب والمستمرة منذ عام 2002 ولم يتم الانتصار في أي منها على الإطلاق، ولا تزال تلك الحروب تفتقر إلي الشعبية لدي الناخبين الأمريكيين، كما أن القرار يثير الدهشة في ضوء التحركات الرامية لإعادة هيكلة الجيش الأمريكي لمواجهة التهديد الصيني.
لكن ما يفسر هذا القرار بشكل أفضل هو التأكيد المتجدد على التنافس القديم مع روسيا منذ التدخل الروسي في أوكرانيا.
مما لا شك فيه هو أن الانتشار سيكون له تأثير مباشر علي التنافس الأمريكي الروسي في المنطقة.
لم يتغير المشهد الأمني في الصومال كثيرًا منذ انسحاب الولايات المتحدة في العام السابق، وظلت الخطوط الأمامية بين حركة الشباب التابعة للقاعدة والحكومة الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي في الصومال كما هي إلي حد كبير أثناء الغياب الأمريكي، وكذلك معدل الهجمات الإرهابية، وأفاد العديد من الباحثين أن حركة الشباب تزدهر اقتصاديًا وقادرة على التسلل إلي أجهزة الأمن الصومالية، لكن كان هذا هو الحال أيضًا قبل الانسحاب الأمريكي.
يقول ستيج جارلي هانسن، أستاذ مشارك العلاقات الدولية بالجامعة النرويجية لعلوم الحياة: ما تغير هو الوضع الدولي، فعلى مدي السنوات القليلة الماضية، اشتد التنافس بين الصين والولايات المتحدة، وخلال العام الماضي، انفجر التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا، متأثراً جزئياً باندلاع حرب أوكرانيا، هذه المنافسات لها تأثيرات واسعة النطاق في القرن الأفريقي.
ويضيف في تحليل له على موقع كونفرسيشن: أن إعلان إعادة الانتشار الأمريكي جاء بعد أيام من الهزيمة الانتخابية للرئيس الصومالي محمد عبد الله محمد "فارماجو"، كان الرئيس السابق حليفًا وثيقًا لصديقي روسيا الجديدين في القرن الأفريقي، وهما إثيوبيا وإريتريا، أما الرئيس الصومالي المنتخب حديثاً فهو أكثر برودًا تجاه إثيوبيا وإريتريا، كما رحب بشدة بإعادة انتشار القوات الأمريكية.
تمتع فارماجو بتحالف وثيق مع الرئيس الإثيوبي أبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي.
وكانت الحرب الأهلية الإثيوبية والحرب الأوكرانية شاهدتين على أن الولايات المتحدة في خلاف مع هذا التحالف الثلاثي، أولاً، انتقدت الولايات المتحدة الحكومة الإثيوبية على أفعالها في تيجراي، واعتبرتها واشنطن ثقيلة الوطأة ومليئة بانتهاكات حقوق الإنسان، صرح المبعوث الأمريكي الخاص إلي القرن الأفريقي بقوله: مع اقتراب الحرب من عامها الأول، لا تستطيع الولايات المتحدة والآخرون مواصلة العلاقات "كالمعتاد" مع حكومة إثيوبيا.
كما غذي تدهور العلاقات الأمريكية الإثيوبية اتفاقية التعاون العسكري الروسي مع إثيوبيا، جاء ذلك في فترة فقدت فيها إثيوبيا الكثير من المنتجات العسكرية الروسية في ساحات القتال في تيجراي، وخرجت مظاهرات مناهضة لأمريكا في أديس أبابا رفعت فيها الأعلام الروسية وشعارات موالية لروسيا، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على قادة إريتريين وإثيوبيين.
كانت العلاقة بين الولايات المتحدة وإريتريا وإثيوبيا تزداد سوءا قبل الحرب الأوكرانية، وعندما اندلعت الحرب الأوكرانية، دعمت إريتريا روسيا بالكامل في الأمم المتحدة بينما امتنعت إثيوبيا عن التصويت لإدانة الإجراء، هذا ليس كل شيء، فقد كانت الولايات المتحدة قلقة أيضًا بشأن الاستثمارات الصينية لتأمين قاعدة بحرية في إريتريا.
إن توقيت إعادة الانتشار الأمريكي في الصومال له تفسيران محتملان من وجهة نظر هانس، ربما تم تأجيل قرار إعادة الانتشار إلي ما بعد الانتخابات الأخيرة للنأي به عن السياسة المحلية، أو ربما يكون وسيلة الولايات المتحدة لدعم الرئيس الجديد بالإرادة والقدرة على الصمود في وجه تحالف إريتريا وإثيوبيا المدعوم من روسيا في القرن الأفريقي، وهذا بدوره سيدعم الولايات المتحدة وحلفاءها ضد روسيا.
لا شك في أن دعم الرئيس الجديد هو الهدف الأكثر أهمية للانتشار، بالنظر إلي أن المشاركة الأمريكية على مدي 13 عامًا قد فشلت في القضاء على حركة الشباب.
لكن بول د. ويليامز، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن، يري في تحليل له على موقع كونفرسيشن أيضًا، أن الأوضاع الأمنية في الصومال تتدهور مع قدرة حركة الشباب على زيادة هجماتها ضد المدنيين وكذلك ضد القوات الصومالية والاتحاد الأفريقي وقوات أخري، بعد الانسحاب الأمريكي، أشارت إحدي التقديرات إلي أن هجمات حركة الشباب ارتفعت بنسبة 17% في عام 2021 مقارنة بالعام السابق، بما في ذلك زيادة بنسبة 32% في المعارك ضد قوات الأمن الأخري.
ويري ان المشكلة الأساسية هي عدم وجود اتفاق بين النخب السياسية والدينية ورجال الأعمال الصوماليين حول كيفية حكم بلادهم، وينعكس هذا في عدم وجود دستور نهائي، وعدم وجود اتفاق على طبيعة الحكم الفيدرالي، وعدم وجود اتفاق على هيكل الأمن القومي في الصومال.
حركة الشباب هي أحد أعراض هذا الافتقار إلي الإجماع حول حكم الصومال، لقد أثبتت أنها خصم شرس ومرن لأكثر من 15 عامًا مع القدرة على كسب الموارد والمقاتلين وتشكيل الأنظمة الإدارية لتنفيذ وتيرة عالية من الهجمات باستمرار.
من وجهة نظر ويليامز، فإن هزيمة حركة الشباب عسكريًا أمر مستبعد للغاية، لذلك يجب على صانعي السياسة الأمريكيين دعم تسوية تفاوضية وحوار سياسي لإنهاء الحرب.
تتمثل أهداف الجيش الأمريكي في الصومال في المساعدة على احتواء وإضعاف قوات الشباب، وتعزيز قوات الأمن الصومالية، مع دعم مهمة الاتحاد الأفريقي في الوقت نفسه.
ومع ذلك، لا تزال هناك عقبة رئيسية، فالقيادة الحالية لحركة الشباب لم تظهر سوي القليل من الدلائل على الاستعداد للانخراط في مثل هذا الحوار، في الواقع، كانت المرة الأخيرة التي ناقش فيها قادة الشباب إمكانية التفاوض على إنهاء الحرب عام 2018 وحتي في ذلك الحين، وصف المتحدث باسمهم المفاوضات بأنها أداة لـ "تفتيت المجاهدين".
في مثل هذه الظروف، من الصعب رؤية مسار سريع لتحقيق الاستقرار في الصومال.
ويشير تقرير على موقع أوبزرفر ريسيرش فاونديشن إلي أن الصومال ظلت بمثابة جزء تم تجاهله منذ فترة طويلة وتأخر إدراجه ضمن استراتيجية مكافحة الإرهاب التي تنتهجها الولايات المتحدة في إفريقيا. بسبب الخوف المستمر نتيجة لـ "عملية استعادة الأمل" المشؤومة والتي كانت جزءًا من القوة متعددة الجنسيات، التابعة للأمم المتحدة (UNITAF).
وقد تم تخليد هذه العملية في فيلم سقوط الصقر الأسود "بلاك هوك داون" في عام 2001، مما عزز إرث الولايات المتحدة المؤلم من التدخل في الصومال في أذهان الرأي العام والقادة الأمريكيين، وكان من أبرز الأحداث في تلك العملية قيام الصوماليين بجر، أو سحل، عدد من جثث الجنود الأمريكيين في الشوارع!!.
جاء قرار الولايات المتحدة بالانتشار في أعقاب الانتخابات التي شهدت عودة الرئيس حسن شيخ محمود إلي السلطة في الصومال، أظهر محمود استعداده للشراكة مع قوي من خارج الإقليم، وهو عامل من المرجح أن يوجه استراتيجية واشنطن الأمنية المتطورة في القرن الأفريقي، ورحب الرئيس محمود بخطوة إدارة بايدن لإعادة نشر القوات في الصومال.
يجب أن تكون المناورة الأمريكية الفاشلة لبناء الدولة في أفغانستان، التي أسفرت عن حكم طالبان مع انسحاب القوات الأمريكية، بمثابة تحذير وتثبيط الولايات المتحدة عن السير على المنوال نفسه في الصومال، حسبما يقول ابيشك مشرا وأروشي سينج كاتبا تقرير أوبزرفر ريسيرش فاونديشن.
ويستمر قرار الرئيس بايدن بتجديد حرب الولايات المتحدة في الصومال في وضع العقلية العسكرية أولاً، والتي فشلت في الماضي في تحقيق النتائج المرجوة، لن تأتي شرعية الدولة الصومالية من التدخل العسكري الأجنبي أو التدريب، وبدلاً من ذلك ستأتي من جهد دبلوماسي منسق لمعالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار والصراع.
وفي النهاية، يظل السؤال قائمًا: هل تستطيع الولايات المتحدة إعادة السلام والاستقرار للصومال، أم تتعقد الأمور وتخرج واشنطن من هناك تلعق جراحها مثلما حدث مع عملية "استعادة الأمل".