رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الأفيال

بوابة الجمهورية

قصة قصيرة

لا أعلم متى ستظهر الأفيال، ولكنني أشعر بأنها تقترب. هذه من المرات القليلة التي لا أعرف فيها مصدرًا لهذا اليقين. كل ما في الأمر مجرد إحساس عميق بأنها ستأتي وتهاجمنا. كانت العاشرة من مساء منتصف ديسمبر، هذه ليلة مناسبة لترقب الأفيال؛ لأنني أعتقد أنها ستهجم في الوقت الذي ستصل فيه البرودة إلى أقصاها.


بالتأكيد لن يصدقني أحد، لذا عندما اتصلت بصديقي منصور، قلت له فقط "احترس" وعندما أصر على أن يفهم، وبدأ يسعل ابتسمت وقلت إنها ربما ستمطر، وربما ستهتز الأرض بفعل زلزال عنيف، وأضفت أنه بالإمكان تعرضنا لعاصفة شديدة، قلتها بصوت منخفض؛ لأنه كان يضحك ويسبني فقد ظن أنني شربت وحدي. قلت أيضا بصوت منخفض إنني جاد جدًا وعليه أن يحترس، ولكن ضحكاته الساخرة استمرت فبكيت دون صوت! في هذه اللحظة انقطعت الكهرباء عن البيت، عرفت فيما بعد أنها انقطعت عن كل البلدة. ولكن صوت منصور كان لايزال معي على الهاتف.
" لقد انقطعت الكهرباء يا مجنون!"
"انقطعت عندي أيضًا"
صمت منصور قليلاً، وأضاف بقلق:
- هل ما تقوله حقيقي؟ لقد انقطعت الكهرباء! هل يخفي المسئولون في المدينة أمرًا.. ربما هي فعلاً عاصفة!
قلت بسرعة:
- أو ربما زلزال..
صمت قليلاً قبل أن يجيب:
- آه.. طبعاً.. ربما..
أردت أن أقول له إن بضعة آلاف من الأفيال الضخمة في طريقها إلى المدينة، ولكنني ترددت، وسمعت صوته على الناحية الأخرى يقول:
- كيف عرفت؟!
لم تكن لديّ إجابة، واعتقدت أن تساؤله كان على الأفيال؛ لأنني كنت أفكر في الأفيال، ولكنه كان يتحدث عن العواصف والزلازل. قلت له إنه مجرد شعور غريب. فبدأ يصدقني لأنه يؤمن بي. بصورة دقيقة يؤمن بما أخبره به، ولو كان مستحيلاً أو ضربًا من الجنون. بعد أن أغلقت معه الهاتف فكرت في الوقت الذي يمكنني فيه إخباره بكل شيء.
بدأت أتخيل كل ما سيحدث: ستجتاح الأفيال المدينة فجرًا، وهو الوقت الذي ستتراوح فيه درجة الحرارة المسجلة على هاتفي بين صفر إلى ثلاث درجات، لم أفهم ما الذي يدفعني إلى أن أربط بين هجوم الأفيال والبرودة الشديدة، إنه مجرد إحساس فقط.
صراخها سيسبق رؤيتها بالتأكيد، وهي تندفع بأقدامها الثقيلة فترتج الأرض. أفيال غاضبة تندفع بسرعة جياد، ولن يكون بإمكان أحد أن يتخيل أنها مجرد أفيال ضخمة ثقيلة وبطيئة، ربما سيعتقدون أنها سحاب أسود مخيف دبت فيه الحياة فجأة؛ فبدأ يصرخ ككائنات لا ملامح لها. في هجومها الرهيب ستنخفض رؤوسها قليلا ليصطدم الجزء الأكثر صلابة بكل العمارات والأبراج والحدائق، بكل الوزارات والقصور والمتاحف وملاعب الكرة ومبنى التليفزيون المحلي، هذا طبعا بعد أن تطحن أكواخ وعشش الفقراء على أطراف المدينة، ستسوي بالأرض كل شيء وتحيله إلى أنقاض.
الأغبياء في العمارة التي أسكنها أداروا مولدات الكهرباء الاحتياطية، فتألق الضوء، ومن النافذة رأيت مباني أخرى تضيء وخمنت أنها بفعل المولدات أيضًا، وفكرت في أنهم أغبياء للدرجة التي سيجعلوننا أهدافًا شديدة الوضوح للأفيال، تحديدًا سنكون أهدافًا مستفزة!
استلقيت على الأريكة وبدأت أفكر لماذا الأفيال؟ وما معنى كل شيء؟! أمسكت رأسي وقلت لنفسي بصوت مرتفع" أنا مجنووون .. مجنووون!" ما الذي يجعلني أشعر بأن ثمة أفيالًا ستهاجم المدينة، بالتأكيد هناك سبب دفعني إلى هذا الشعور الغريب! وبدأت أسترجع كل ما مر بي طوال اليوم، محاولاً العثور على أي شيء غير مألوف ومغاير لكل ما اعتدته، وتذكرته: إنه منصور إذن! كنا قد اتفقنا أن نخرج معًا لنجلس على مقهانا المعتاد مع ثلاثة أصدقاء آخرين، بالإضافة إلى صديقته "ليلى" التي يحبها، وعندما هاتفته اعتذر وقال إنه مريض وإنه غير قادر على الخروج، كان يسعل بشدة، إلى جانب أن صوته كان ضعيفًا جدًا، فشعرت بقلق تجاهه.
منصور هو صديقي المقرب جدًا، الآخرون الذين أجلس معهم باستمرار هم أصدقاء فقط. ورغم أن منصور قد اعتذر، فقد قررت أن أخرج؛ لأنني لا بد أن أخرج كما اعتدت يوميًا، لم أهاتف بقية الأصدقاء، لأنهم كانوا أصدقاء فقط، ولم يكن مهمًا بالنسبة لي أن يكونوا معي، أفضّل في هذه الحالة أن أكون بمفردي.
كان الأمر صدمة بالنسبة إليّ أن أرى منصور بصحة جيدة جدا يدخل مقهى فخمًا، بينما يمر الباص الذي أستقله أمام المقهى. كان يفتح الباب لامرأة تصاحبه وخمنت أنها ليلى، لذا فقد أمكنني أن أرى وجهه المبتسم. أشعلت سيجارة فجأة ونسيت أنني في باص ولم أشعر بضجة الركاب من حولي لأنني كنت أفكر. عندما رأيت الكمساري يقف أمامي غاضبًا وهو ينظر إلى سيجارتي اعتذرت بشدة وتلفت حولي لأعتذر لكل من حولي، يبدو أنني كنت أبكي لأن الكمساري رفض أن يأخذ مبلغ الغرامة التي أخرجتها من جيبي بصعوبة، تقريبًا حل سكون عجيب على الركاب لأن يدي كانت ترتعش، ولأن صوتي كان مخنوقًا وأنا أعتذر.
طوال ساعتين جلست أفكر مضطربًا، وكرهت أنني بكيت؛ لأن احتمالاً بسيطًا بدأ يتسلل إلى دماغي، لأعتقد أنني تخيلت كل ما رأيته، وأنه –تقريبًا- لم يكن منصور. لذا فقد عاودت الاتصال به ولم يرد، ولكنه اتصل بي بعد دقائق بسعال مستمر وبحة في الحلق، وقال إنه يحاول أن ينام. اعتدت أن أصدق منصور دائمًا؛ لأنه يصدقني دون مناقشة.
لديّ اعتقاد بأن ما شعرت به هو فرط حساسية، وإغراق في تفاصيل لا يمكن لأحد فهمها، لم تكن رؤيتي المضطربة لوجه يشبه منصور يدخل مقهى، ولا إيقاع صوته دليلاً موثقًا لي. عزوت كل شيء لاضطرابي، وقلت لنفسي إنني لست على ما يرام.. لست على ما يرام. اتصلت بأصدقائي الآخرين وقالوا إنهم ينتظرونني. قالوا أيضًا إن منصور مريض، فانزاحت غمامة في عقلي، شعرت بالصفاء، وقررت أن أعود إليهم.
ما الذي يدفع باص ممتلئًا بالناس إلى المرور من نفس الشوارع؟ تساءلت وأنا أفكر بأن خطوط السير الصارمة للباصات أمر يبعث على الملل. كنت قد ركبت نفس الباص، وتساءلت أيضًا: أي صدفة حمقاء جعلت الباص يمر أمام المقهى الذي دخله منصور، ويتوقف للحظات لإنزال راكب صديق للسائق لأنها لم تكن محطة رسمية، والكارثة أن تستمر هذه اللحظات لتسمح لي برؤية منصور وليلى وأشخاصًا آخرين يخرجون من نفس المقهى، ولأستطيع بسهولة سماع ضحكات منصور وصوته الواضح وهو يصافح هؤلاء الأشخاص. فيما بعد عندما عدت إلى البيت مباشرة -لأنني لم أكن أرغب في لقاء أي شخص في هذا العالم- داهمني اعتقاد يشبه اليقين أن ثمة أفيالًا ضخمة وهائلة ستهاجم المدينة هذا اليوم. كما لم أفهم سر رغبتي الملحة في النوم، ولماذا تصر جفوني على أن تنغلق من تلقاء نفسها؟
يبدو أنني غفوت على أريكتي دون أن أشعر، وعندما استيقظت فهمت أني قد نمت بعمق لثلاث ساعات متواصلة، كان هذا غريبًا لشخص بدأ يتوقع هجومًا مدمرًا لأفيال! كانت الساعة الواحدة صباحًا عندما اتصلت ليلي لتتحدث كالمعتاد عن منصور، لأنها اعتادت لشهور مضت أن تحدثني عن تفاصيل كثيرة، وكنت أدافع عنه بشراسة لأنني كنت أعتقد أنه صديقي المقرب وليس صديقي فقط، قلت لها إنني اتصلت به منذ قليل وإنه مريض ويسعل باستمرار، لهذا لم يخرج اليوم كما اتفقنا، لم أسمع شيئًا لأنها لم تتكلم، طال صمتها فقلت "ألو" فتكلمت أخيرًا:
-ربما خرج رغم ذلك.
اندهشت ورغم ذلك قلت:
- وهو مريض؟!
- ربما لم يكن مرضًا شديدًا.
- من الغريب أن يخرج وهو مريض، هل قال لك إنه خرج رغم ذلك؟
عادت تصمت من جديد وطال صمتها، فقلت مرة أخرى " ألو"
- ليس من المفترض أن تعرف، ولكننا خرجنا معًا، ولم يكن مريضًا.
لم تترك لي فرصة للاندهاش الذي توقعته واستدركت في تردد:
- لم يكن مريضًا بالقدر الذي يمنعه من الخروج.
أعتقد أنني سمعت صوت الأفيال في هذه اللحظة، وبدا لي أنها تتحرك الآن، انقبض جسدي وشعرت بارتعاش وقلت بارتباك:
- يبدو أنه لم يكن مفترضًا أن أعرف.
وغالبت رغبتي في أن أقول لها إنني رأيت.
تحدثت ليلى معى نحو ساعة كاملة تخللتها نصف ساعة تقريبًا من الصمت؛ لأنها كانت تريد أن تفهمه أكثر. أنا أيضًا كنت أريد أن أفهمه أكثر. وحدث لأول مرة أنني لم أدافع عنه بشراسة! لأنه لم يعد صديقي المقرب. عندما انتهى الاتصال مع ليلى، كان عليّ أن أهتم بذعري من الأفيال، وكنت أريد أن أقول لها أيضًا "احترسي من الأفيال.. إنها قادمة!".
متوترًا مذعورًا ظللت أتحرك بين النافذة والأريكة، أجلس وأنهض وأمشي مرة أخرى وأتطلع إلى الساعة التي تقارب الرابعة صباحًا الآن. في الرابعة والنصف بدأت أسمع، أسمع أصوات الفيلة من بعيد، وبدأ البيت يهتز فعلاً، قليلاً في البداية، ولكنه تزايد مع وقع أقدام الفيلة المقتربة، صوتها مخيف! بدا أن آلافًا من الفيلة وربما مئات الآلاف تطحن المدينة وتحيلها إلى خراب، وفي اللحظة التي بدأت أسمع فيها أصوات انهيارات قريبة وصراخ استغاثات مرعبة كان جسدي كله ينتفض، قلت لنفسي إنه لم يكن خيالاً، لم يكن إحساسًا غامضًا، ولكنه حقيقة الآن. وأنبت نفسي لأنني لم أحذر الجميع. تلك تهمتي الثابتة. جريمتي في حق هؤلاء الناس الذين سينتهون الآن، وسأنتهي معهم. باستسلام وبكاء فكرت في الاختباء في أي مكان، كنت متأكدًا أن الأفيال تجري الآن باتجاه منطقتنا، صوتها مرتفع كما لو كانت وراء حائط البيت، توشك على اقتحامه، أستلقيت بسرعة على الأرض وقلبت الأريكة علىّ، وكمنت منكمشًا.
بعد مرور وقت طويل رأيت الضوء يتخلل حواف أريكتي، فكرت في أنني كنت سعيد الحظ! بهدوء رفعت الأريكة ونهضت. كل شيء هادئ في شقتي، كانت النافذة مفتوحة فنظرت إلى الخارج، كل شيء يسير بصورة عادية، البيوت والعمائر والشوارع والمحال والسيارات والباصات، كل شيء مألوف وطبيعي، شيء وحيد أذهلني، كان الناس في الشوارع تتبعهم أفيال، أمسكت رأسي بيدي لأحاول استيعاب كل شيء، لأول وهلة اعتقدت أن الأفيال تتبع الناس، ولكنها في الواقع من كانت تدفعهم ليمضوا أمامها قدمًا، وما إن يتوقف شخص محاولا إيقاف فيله، حتى يجد رأس فيله في ظهره يدفعه دفعًا. رن هاتفي، كانت ليلي..
- بالأمس كنت أريد أن أحذرك.
- وأنا أيضًا..
- تقصدين الأفيال؟
- نعم.
- كيف عرفتِ؟
- كنت أشعر بها، ولكنني كنت جبانة، أو خائفة، كنتَ ستعتقد أنني مجنونة، ولكنني أحسست بأنك تعرف.
اتفقنا على اللقاء في الموعد المعتاد ككل يوم في مقهانا المشترك، ارتديت ملابسي بسرعة وخرجت. عبرت الشوارع واجتزت عشرات المارة بأفيالهم، وكنت أخفي ضحكي.
قابلت ليلى في منتصف الشارع، أصابني ذعر عندما رأيت خلفها فيلاً أيضًا! كان فيلًا صغيرًا أبيض بللوريًّا، بدا أنها اكتشفت ذعري فضحكت..
- أنت أيضًا خلفك فيل، انظر..
التفت ورأيته، كان صغيرًا أبيض، يتحرك كسحابة، أصابتني نوبة ضحك هائل. تأملت الناس حولنا، في الواقع كان هناك أفيال بيضاء وحمراء وسوداء وأخرى وردية، تتفاوت أحجامها، تبدأ من حجم قطة ويصل بعضها إلى ضخامة جبل، وبدأت أرى أناسًا أعرفهم ويعرفونني، أسلم عليهم وأربت على أفيالهم فيشكرونني بامتنان.
فجأة سمعنا صوت منصور، كان ينادي علينا، التفتنا ورأيناه، لم نرد عليه وقررنا معًا أن نتجاوز هذا المقهى ونستمر في سيرنا. منصور كان يصرخ وبدأ يشتمنا وحاول أن يطاردنا، ولكنه بدا مكبلًا ثقيلًا؛ لأن خلفه فيلًا أسود كبيرًا، جعل خطواته ثقيلة بطيئة جدًا، لذا لم يكن بإمكانه اللحاق بنا وخلفنا فيلان صغيران يدفعاننا للمضي قدمًا بسرعة حمامة.

-----------------------------------

من أعمال الراحل: محمد عبد المنعم زهران





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة