ما المراد بقول"النبي":"إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ..لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ"؟
تناول الدكتور على جمعة_المفتي الأسبق_ الحديث عما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» -يعني: مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين-؛ منوهاً إلى أنه ليس في الحديث دليل على عدم مشروعية تعلم العلوم غير الشرعية كاستخدام الحساب الفلكي في إثبات الأهلة وغيرها؛ فالحديث ليس فيه نهيٌ عن الكتابة أو الحساب أو غيرهما أو ذمّهما أو تنقيصهما ولا إشارة إلى إبطال علم الفلك، أو غيره من العلوم، إنما هو يصف مَنْ كانوا في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم من المسلمين؛ حيث كانت هذه هي صفتهم الغالبة، وليس معناه أنّ صفة الأمية صفة متعلقة بالأمة في جميع الأعصار والأمصار.
ولا يرد على ذلك أنَّه كان فيهم مَن يكتب ويحسب؛ لأنَّ الكتابة كانت فيهم قليلةً نادرةً، والمراد بالحساب هنا: حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية؛ لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم مَن يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا] اهـ.
ويلزم من هذا أنَّه لو كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقومه العرب إذ ذاك من أهل العلم بالكتاب والحساب؛ بحيث يستطيعون أن يرصدوا الأجرام الفلكية، ويضبطوا بالكتاب والحساب دوراتها المنتظمة التي نظمتها قدرة الله العليم القدير بصورة لا تختل ولا تختلف -لأمكنهم اعتماد الحساب الفلكي، وكذا كل من يصل لديهم هذا العلم من الدقة والانضباط إلى الدرجة التي يُوثَق بها ويطمئن إلى صحتها؛ لأنَّ الأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء معللًا بعلة منصوصة، وهي أنَّ الأمة أمية لا تكتب ولا تحسب، و"العلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا".