توسع الناتو في أوروبا.. يوفر الأمن أم يضاعف المخاطر؟؟
ردًا علي طلب السويد وفنلندا الانضمام لعضوية الناتو. أعلن وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو يوم الجمعة الماضي. أن موسكو ستنشئ 12 قاعدة عسكرية جديدة في غرب البلاد. وقال إن القواعد الجديدة ستكون جاهزة "بحلول نهاية العام". مشيرًا إلي "تنامي التهديدات العسكرية علي حدود روسيا". وألقي باللوم علي الناتو والولايات المتحدة.
تشترك فنلندا في حدود برية بطول 1300 كيلومتر مع روسيا. في حين أن جزيرة جوتلاند السويدية لها أهمية استراتيجية في بحر البلطيق. وتبعد 300 كيلومتر فقط عن المعسكر الروسي العسكري في كاليننجراد.
في تقرير لموقع جلوبال ريسيرش يقول الكاتب بيتر كونيج. إن "انضمام كل من فنلندا والسويد يتعارض تمامًا مع وعد الولايات المتحدة / الناتو عام 1991 للرئيس الروسي آنذاك ميخائيل جورباتشوف. بأن "الناتو لن يتحرك شبرًا واحدًا باتجاه الشرق من برلين"". في ذلك الوقت كان مجموع أعضاء الناتو 14 دولة. منها اثنتان في الأمريكتين - الولايات المتحدة وكندا - و12 في أوروبا. وبحلول أواخر التسعينيات. بدأ الناتو يتوسع سريعًا واليوم يضم 30 عضوًا. 28 في أوروبا ونفس الدولتين في الأمريكتين. ومعظم تلك الدول الجديدة تقع شرق برلين.
أيضًا. خلال الحرب العالمية الثانية. تحالفت فنلندا مع ألمانيا النازية في قتال الاتحاد السوفيتي. عندما فقد الاتحاد السوفيتي حوالي 27 مليون شخص وجندي ومدني. أي أنه ليس لفنلندا سجل نظيف إزاء روسيا.
ويتساءل كونيج: هل يمكن أن تكون. أم أنه من المحتمل جدًا أن تكون كل من فنلندا والسويد قد تعرضت للإكراه من قبل واشنطن. أو من جانب أوروبا/الناتو لاتخاذ قرار طلب عضوية فورية في الحلف؟
الآن يوجد في القارة عدد من الجنود والأسلحة في حالة تأهب قصوي أكثر مما كان عليه الوضع منذ عقود ولكن بدون اتفاقيات الحرب الباردة التي كانت توفر الطمأنينة. أما الآن. فإن الأوضاع تنذر بالانفجار!!
دبابات تشالنجر 2 البريطانية تجوب الريف البولندي. النخبة من القوات الخاصة الفرنسية تراقب ساحل البحر الأسود في رومانيا. بطاريات الصواريخ الأمريكية تقوم بمسح سماء سلوفاكيا. طائرة نرويجية من طراز F-35 تسارع لاعتراض طائرة روسية تظهر قرب سواحل فنلندا.
أصبحت أوروبا الشرقية أكثر عسكرة من أي وقت مضي منذ ذروة الحرب الباردة. مرة أخري. تتواجه القوي العظمي المسلحة نوويًا عبر الامتداد الواسع بين بحر البلطيق والبحر الأسود.
وصارت القارة العجوز أقل أمانًا اليوم مما كانت عليه في أي وقت منذ عام 1945. وأدي ذلك إلي طرح سؤال حول ما إذا كان الحشد العسكري لحلف الناتو قد جعل أوروبا محمية بشكل أفضل. أو أدي ببساطة إلي تفاقم وضع مشحون بالفعل.
يري الرئيس الروسي أنها مجرد خطوة أحدث في موقف أكثر خطورة من الموقف الذي برر هجومه علي كييف. في الأيام الأخيرة. صعد من لهجته فيما يتعلق بضربة محتملة علي أعضاء الناتو. وهي خطوة من شأنها أن تؤدي إلي تفعيل المادة 5. في اتفاقية الدفاع المشترك للحلف. وعلي الأرجح قد تؤدي إلي نشوب حرب عالمية. وربما حرب نووية.
ويقول الناتو إنه ليس أمامه خيار سوي توسيع وجوده في أوروبا الشرقية. في تقرير كتبه هنري فوي ونشره موقع الفينانشيال تايمز. يتساءل الأدميرال روب باور. رئيس لجنة الناتو العسكرية. أعلي سلطة عسكرية في الحلف: "إذا لم يكن التوسع أكثر أمانًا. فإن عدم التوسع لن يجعلنا أكثر أمانًا.". ويضيف "عامل الردع مهم جدا."
هناك 40 ألف جندي في أوروبا الشرقية تحت القيادة المباشرة للناتو أو 10 أمثال العدد في اليوم السابق لغزو أوكرانيا. تستضيف ثماني دول الآن من مجموعات الناتو القتالية ضعف العدد السابق. وتم تفعيل قوة رد سريع قوامها 10 آلاف جندي باسم الدفاع الجماعي لأول مرة في تاريخ الحلف. لقد انقلب الأمر بعد أن هاجم الروس أوكرانيا.
في الأول من مارس. قالت أورسولا فون دير لاين. رئيسة المفوضية الأوروبية: "لقد تطور الأمن والدفاع الأوروبي في الأيام الستة الماضية أكثر مما حدث في العقدين الماضيين". بعد سقوط جدار برلين. كان لدي الولايات المتحدة 200000 جندي في ألمانيا الغربية.
اليوم. أصبحت دول الجناح الشرقي لحلف الناتو. من دول البلطيق في الشمال. وصولاً إلي بلغاريا علي البحر الأسود. تتباهي بوجود حوالي 330.000 جندي: جيوش وطنية مدعومة بتعزيزات من أوروبا الغربية والولايات المتحدة وكندا. بالإضافة إلي القوات البرية. هناك ما يصل إلي 130 طائرة للناتو في حالة تأهب قصوي. وحوالي 150 سفينة حربية تقوم بدوريات في البحار. وصف البعض التغيير في وجود الناتو في أوروبا الشرقية بأنه "لم يكن من الممكن تصوره سابقًا".
كان بوتين قد ألقي خطابًا بمؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007. يُنظر إلي ذلك الخطاب الآن علي أنه لحظة تاريخية في علاقاته مع الغرب. وأنه كان بمثابة جنازة تشييع للشراكة بين موسكو والناتو قال بوتين: "لقد وضع الناتو قواته في الخطوط الأمامية علي حدودنا". "من حقنا أن نسأل: ضد من هذا التوسع؟"
كان حنق بوتين ضد ما يراه توسع حلف شمال الأطلسي شرقًا بمثابة قرع طبول مستمر للحرب طوال أكثر من 22 عامًا من حكمه لروسيا. منذ إعادة توحيد ألمانيا وانهيار الاتحاد السوفيتي. انضمت 12 دولة إلي الحلف. ثلاث منها -دول البلطيق -كانت جمهوريات سوفيتية سابقة. وكانت سبع أخريات في السابق أعضاء في التحالف العسكري لحلف وارسو الذي كانت تقوده موسكو.
أصبح الجناح الشرقي للناتو علي مسافة من للكرملين تقل بمقدار 1100 كيلومتر عما كانت عليه حدود ألمانيا الغربية عام 1989. وعند غزو أوكرانيا في فبراير. عاد بوتين إلي موضوع توسع الناتو كمبرر. لكن ما حدث بعد الغزو هو توسع الناتو بالفعل بعد أن تقدمت كل من السويد وفنلندا بطلب الانضمام إليه!
ويشير تقرير الفينانشيال تايمز إلي أن المنطقة العسكرية الغربية لروسيا. والتي تغطي المناطق المتاخمة لفنلندا ودول البلطيق وبيلاروسيا وأوكرانيا. بالإضافة إلي معقل كالينينجراد. تضم أكبر عدد من القوات المسلحة وأفضلها تجهيزًا في روسيا. هناك أكثر من 300000 جندي يمثلون طيفًا كاملًا للحرب. من فرق الدبابات والقوات الخاصة وقاذفات الصواريخ الأرضية. إلي جانب القواعد البحرية والجوية.
نتيجة لتحركات الكرملين في السنوات الأخيرة لتعميق سيطرته علي حليفه بيلاروسيا -حيث نشرت القوات المسلحة الروسية عشرات الآلاف من القوات هذا الشتاء -أصبح الوجود العسكري المعزز للناتو وروسيا الآن علي مقربة من بعضهما البعض. بغض النظر عن النتيجة النهائية لغزو بوتين لأوكرانيا.
ستضيف عضوية فنلندا أكثر من 1300 كيلومتر إلي حدود الناتو وروسيا. أي أكثر من ضعف طولها الحالي. ولو أضفنا بيلاروسيا كوكيل روسي. فإن جبهة المواجهة بين القوتين العسكريتين ستمتد بطول حوالي 3750 كيلومترًا.
كذلك كشفت الحرب عن أن الاتحاد الأوروبي يعاني من انعدام أمن الطاقة. وقد تعثرت جهود الاتحاد الأوروبي لفرض حزمة جديدة من العقوبات علي روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا. حيث استمرت مجموعة من الدول في معارضة فرض حظر علي واردات النفط الروسية.
منذ غزو روسيا لأوكرانيا في 24 فبراير. نفذت الكتلة المكونة من 27 دولة خمس حزم من العقوبات علي موسكو. يقول لورني كوك في تقرير للأسوشيتدبرس. إن ما كان يستغرق سنوات في الماضي تم تحقيقه في أقل من ثلاثة أشهر. لكن الحد من دخل روسيا من الطاقة عن طريق تخلص الاتحاد الأوروبي من الاعتماد علي النفط الروسي -ناهيك عن إمدادات الغاز الروسية -يثبت أنه من الصعب تنفيذه.
اقترحت المفوضية الأوروبية. في 4 مايو حزمة سادسة من العقوبات تشمل حظر واردات النفط من روسيا. وأقرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأن ضمان اتفاق الجميع "لن يكون سهلاً".
المجر إحدي دول الاتحاد الأوروبي غير الساحلية وتعتمد بشدة علي النفط الروسي. إلي جانب جمهورية التشيك وسلوفاكيا. كما أن بلغاريا لديها تحفظات. تحصل المجر علي أكثر من 60% من نفطها من روسيا و85% من غازها الطبيعي.
وتثير أزمة النفط تساؤلات حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قد وصل إلي أقصي حدود وحدته بشأن العقوبات. هذا يوضح مدي صعوبة الاستغناء عن الجانب الروسي في السعي لتحقيق أمن الطاقة في أوروبا.
يري جودي ديمبسي. في مقال علي موقع كارنيجي يوروب. أنه إذا انتهت هذه الحرب وعندما تنتهي. فإن هذه الاختلافات ستجعل الأمر أكثر صعوبة علي الاتحاد الأوروبي لإرساء سياسة خارجية وأمنية ودفاعية قوية.
ربما كان مصدر الإزعاج الأكبر في العلاقات بين روسيا والغرب بعد الحرب الباردة هو وضع. أو موقف. دول "الجوار القريب" لروسيا. حسبما يري زاكاري بايكين في مقال علي موقع مركز الدراسات السياسية الأوروبية.
وهناك قضايا نتجت عن انهيار الاتحاد السوفيتي. ولكن لم يتم حلها: ما هي حدود "العالم الروسي". وما هي الامتيازات التي تنبع من مطالبة روسيا بوضعها كقوة عظمي. ومن الذي يمكنه كتابة القواعد التي تحكم نظام الأمن الأوروبي.
ويبدو أن هناك مخاطر من حدوث تصعيد غير مقصود بين الناتو وروسيا. الآن. بعد أن راهن بوتين علي الحرب. فإنه لا يستطيع القبول بأقل من تأمين حياد كييف.