الإمام محمد عبده .. رائد التجديد الفكري والديني في العالم الإسلامي
نجوم في سماء الدعوة
"الإمام محمد عبده" واحد من أبرز المجددين في الفقه الإسلامي في العصر الحديث. وأحد دعاة الإصلاح وأعلام النهضة العربية الإسلامية الحديثة. فقد أسهم بعلمه ووعيه واجتهاده في تحرير العقل العربي من الجمود الذي أصابه لعدة قرون.
كما شارك في إيقاظ وعي الأمة نحو التحرر. وبعث الوطنية. وإحياء الاجتهاد الفقهي لمواكبة التطورات السريعة في العلم. ومسايرة حركة المجتمع وتطوره في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية.. وُلد الإمام "محمد عبده" في عام "1266هـ/ 1849م" لأب تركماني الأصل. وأم مصرية تنتمي إلي قبيلة "بني عدي" العربية. ونشأ في قرية "محلة نصر" بمحافظة البحيرة. أرسله أبوه إلي الكُتّاب. حيث تلقي دروسه الأولي علي يد شيخ القرية. وعندما شبَّ الابن أرسله أبوه إلي جامع السيد البدوي بطنطا. ليجوّد القرآن بعد أن حفظه. ويدرس شيئًا من علوم الفقه واللغة العربية.
في البداية لم يستطع الإمام أن يتجاوب مع المقررات الدراسية العقيمة حتي التقي بالشيخ الصوفي "درويش خضر"- خال أبيه- الذي كان له أكبر الأثر في تغيير مجري حياته واستطاع أن يشرح له ما استعصي عليه من المتون المغلقة.. فصار الإمام محمد عبده شيخًا ومعلمًا لزملائه.. ثم انتقل إلي الجامع الأزهر عام 1282هـ /1865م. فدرس الفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والبلاغة. وغيرها من العلوم الشرعية واللغوية.. حتي نال شهادة العالمية سنة 1294هـ / 1877م.
اتصل "محمد عبده" بالشيخ "حسن الطويل" الذي كانت له معرفة بالرياضيات والفلسفة. وكان له اتصال بالسياسة.. واتصل بعدد من الجرائد. فكان يكتب في "الأهرام" مقالات في الإصلاح الخلقي والاجتماعي. وأنشأ في جريدة "الوقائع المصرية" قسمًا غير رسمي إلي جانب الأخبار الرسمية واستطاع أن يجعلها منبرًا للدعوة إلي الإصلاح.
وعندما اشتعلت الثورة العرابية انضم إلي المؤيدين للثورة. فتم القبض عليه. وأودع السجن ثلاثة أشهر. ثم حُكم عليه بالنفي لمدة ثلاث سنوات فانتقل إلي "بيروت" وأقام بها نحو عام. ثم سافر إلي باريس وشارك في إصدار مجلة "العروة الوثقي" حتي احتجبت وعاد إلي بيروت مرة إخري وشغل وقته بالتأليف والتعليم. وظل في منفاه نحو ست سنين. وبعد محاولات كثيرة لعدد من الساسة والزعماء.
صدر العفو عنه وعاد إلي مصر وتم تعيينه قاضيًا أهليًا في محكمة بنها. ثم الزقازيق. ثم عابدين. ثم عين مستشارًا في محكمة الاستئناف.. وصدر قرار بتشكيل مجلس إدارة الأزهر برئاسة الشيخ "حسونة النواوي". وكان الشيخ محمد عبده عضوا فيه.. وفي عام 1317هـ/ 1899م تم تعيينه مفتيًا للبلاد. حتي بدأت المؤامرات تُحاك ضده فاضطر إلي الاستقالة من الأزهر وإثر ذلك أحس الإمام بالمرض. الذي تبيّن أنه السرطان. وما لبث أن تُوفي بالإسكندرية في 1323هـ / 1905م عن عمر بلغ ستة وخمسين عامًا.