الاحتياطى الفيدرالى يرفع سعر الفائدة.. الأهداف والتداعيات
قرر الفيدرالى الأمريكى رفع سعر الفائدة 50 نقطة أساس للمرة الأولى منذ عام 2000 وسط موجة تضخمية لم نشهدها منذ أكثر من 40 عاما، وأوضاع اقتصادية تتسم بحالة من عدم اليقين واضطرابات الشحن وارتفاع أسعار الخامات والغذاء تزامناً مع تصاعد تداعيات الحرب الروسية بأوكرانيا وعودة شبح إغلاقات انتشار فيروس كورونا بالصين.
وامتثالاً لقرارات الفيدرالى نظرا لربط عملاتها المحلية بعملة الدولار الأمريكى رفعت 5 بنوك مركزية خليجية أسعار الفائدة بنسب متباينة حيث رفعت السعودية والإمارات وقطر والبحرين أسعار الفائدة بنحو 50 نقطة أساس، وأما الكويت فقد رفعتها بنحو 25 نقطة أساس فقط
أمريكا تعزز قيمة الدولار لمواجهة التضخم.. وتضع الاستثمار العالمى فى خطر
بنك إنجلترا "المركزي البريطاني" كذلك، أعلن رفع سعر الفائدة الأساسية بمقدار ربع نقطة مئوية من 0.75 في المئة إلى 1 في المئة لتصل إلى أعلى مستوى لها في 13 عاماً. وتلك المرة الرابعة التى يرفع فيها البنك سعر الفائدة منذ نهاية العام الماضى، بعد أن ظلت عند الصفر منذ بداية أزمة وباء كورونا فى 2020.
وتستخدم البنوك المركزية سعر الفائدة بالأساس لضبط معدلات التضخم عن نسبة مستهدفة، أو بمعنى آخر، للحفاظ على توازن العرض والطلب في الاقتصاد، لكن هناك عوامل أخرى تلعب دورا، مثل معدلات البطالة ومستوى الأجور، وغيرها، لكن أغلبها مرتبط أيضا بنسبة التضخم.
وتعني زيادة نسبة الفائدة ارتفاع تكلفة الاقتراض وزيادة العائد على الادخار، إضافة إلى زيادة أسعار أغلب السلع والخدمات بسبب زيادة الفائدة على قروض الاستثمار في الإنتاج. وتقليديا، يؤدي رفع نسبة الفائدة إلى ارتفاع سعر صرف العملة الوطنية وتراجع أسعار الأسهم وارتفاع العائد على السندات.
لكن بعض تلك النتائج التقليدية لم تعد تسير حسب نماذج التوقع المعروفة منذ أزمة وباء كورونا قبل أكثر من عامين. مع ذلك، فهناك حقائق لا تتغير تمس حياة الناس مباشرة، مع تغيير سعر الفائدة، أولها وأهمها زيادة تكلفة خدمة الديون، سواء الدين العام للحكومات أو ديون الأفراد والأسر، بدءاً من قروض الرهن العقارى إلى قروض شراء السيارات إلى حتى ما يتراكم على بطاقات الائتمان من تكلفة الاستهلاك اليومى. ونستعرض فى السطور التالية، التداعيات المحتملة لقرار الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى رفع سعر الفائدة، على الولايات المتحدة ومختلف دول العالم.
الولايات المتحدة.. تحذيرات من الركود الاقتصادى وتراجع الانفاق الاستهلاكى
حذر المحللون الاقتصاديون، أن رفع سعر الفائدة يمكن أن يؤدى إلى إبطاء النشاط الاقتصادى بالنسبة للولايات المتحدة، التي لديها أكبر اقتصاد بالعالم، وتقليل شهية المستهلكين للسلع الأجنبية، ما يعني تراجع الإنفاق الاستهلاكي الذى يمثل أكثر من ثلثى الناتج المحلى الإجمالى فى أمريكا.
أما بالنسبة للمواطن والأمريكي فالتأثير الفوري والمباشر فيظهر فيما يدفعه شهريا من أقساط قروض الرهن العقاري وغيرها من القروض الشخصية، وأيضا في تراجع قدرته على الاقتراض لتمويل أي عجز في ميزانيات الأسر. كما أن زيادة احتمال تباطؤ النمو الاقتصادي، الهش أصلا، يزيد من احتمالات الركود، بالتالي ارتفاع معدلات البطالة وانهيار قيمة الدخل.
وبمجرد إعلان الاحتياطي الفيدرالى رفع سعر الفائدة نصف نقطة مئوية، ارتفعت نسبة الفائدة على قروض الرهن العقاري فوق حاجز 5 في المئة، لتصل إلى ما بين 5.37 في المئة و5.55 في المئة. وتوقع محللون تحدثوا إلى شبكة "سي أن بي سي" الأمريكية أن سعر الفائدة على القروض العقارية سيتجاوز نسبة 6 في المئة بنهاية العام.
كذلك، ترتفع نسبة الفائدة على القروض الشخصية قصيرة الأجل، وتحديداً ما يتراكم على بطاقات الائتمان. وإذا كانت نسبة الفائدة حالياً ما بين 14 و16 في المئة فإنها مع الزيادة الأخيرة ستزيد على نسبة 18 في المئة.
ينطبق الأمر نفسه على القروض الشخصية وقروض شراء السيارات وغيرها من السلع المعمرة. وغالباً ما ترتفع أسعار الفائدة على تلك القروض بقدر يوازي ضعف أو أكثر الزيادة في نسبة الفائدة الأساسية التي يعلنها البنك المركزي، لأنها تحسب أيضاً استمرار رفع سعر الفائدة الأساسية لمدة عام أو عامين على الأقل.
وحذر نائب الرئيس التنفيذي لقسم الأعمال والاقتصاد في "كينجز كوليدج" البروفيسور بريان برينبيرج، من أن أسعار المستهلكين المرتفعة منذ 40 عامًا ستستمر على الأرجح فى الارتفاع.
وحسب قناة "فوكس نيوز" الأمريكية، قال برينبيرج، إن أسعار المواد الغذائية سجلت ارتفاعات قياسية، الذرة وفول الصويا والقمح ومنتجات المدخلات الرئيسية الأخرى لا تزال عند مستويات قياسية. ولا يزال الوقود معلقًا عند مستوى مرتفع للغاية. هذان الأمران سيؤديان إلى التضخم”.
وأضاف برينبيرج: "لا أرى نهاية قريبة تلوح في الأفق لذلك". وحذر البروفيسور من أن انخفاض الإنفاق الاستهلاكي بدافع زيادة المعدلات سيدخل الاقتصاد في حالة ركود.
وأشار برينبيرج إلى أن التضخم مشكلة سيئة، والركود مشكلة سيئة أيضًا. الإدارة الأمريكية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي وضعوا أنفسهم في زاوية حيث يواجه أحدهما أو الآخر في الوقت الحالي”.
وأشار برينبيرج كذلك إلى أن التباطؤ في الاقتصاد يعني أموال أقل في جيوب الأمريكيين. وقال إن الشركات توقفت عن الاستثمار، لقد توقفوا عن التوظيف، مما يعني أنك تتحدث الآن عن مشكلة في الوظائف. كانت الوظائف قصة إخبارية جيدة إلى حد ما في هذا الاقتصاد، ويمكن أن تنعكس مع الركود. وهذا يعني أن الأجور تبدأ في الانخفاض أيضا.
وحتى لو أدى رفع سعر الفائدة الأول من بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى انخفاض معدل التضخم الحالي بشكل طفيف، أوضح برينبيرج أنه لا ينبغي للمستهلكين توقع أسعار منخفضة في مضخة الغاز أو المتاجر.
وأشار إلى أن التضخم بدأ في الظهور بشكل كبير في أبريل الماضي. والآن لديك تضخم فوق مستوى التضخم. حتى لو انخفض هذا المعدل قليلا، فهو مبني على التضخم السابق، مما يعني أن الناس ما زالوا يشعرون بارتفاع كبير في الأسعار.
وعلى الرغم من أن الأسواق ردت على زيادة نسبة الفائدة الأمريكية بنصف نقطة مئوية بارتفاع مؤشراتها، فإن ذلك قد لا يكون وضعاً مستداما. فمع التغيرات في أسواق السندات يتوقع أن تشهد الأسواق اضطرابات وتذبذبا شديدا، بخاصة عندما يبدأ تأثير رفع سعر الفائدة ينعكس على الاقتصاد بالسلب.
الدول النامية الأكثر تضررا.. تراجع الاستثمارات وانخفاض قيمة العملات المحلية
مع ارتباط كثير من العملات بالدولار، وبعد قرار الاحتياطى الفيدرالى رفع سعر الفائدة، فلن يقف تأثيره عند الداخل الأمريكى فحسب، بل تشمل آثاره العديد من الدول، وفى مقدمتها النامية.
ذكرت وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية فى تقرير لها، إن تداعيات قرار الاحتياطى الفيدرالى رفع سعر الفائدة تتجاوز حدود أمريكا وتؤثر على المتسوقين في سريلانكا والمزارعين بموزمبيق والعائلات بالدول الأكثر فقرا حول العالم، ويتراوح التأثير في الخارج ما بين تكاليف إقراض أعلى إلى خفض قيمة عملات.
يقول تقرير "أسوشيتد برس"، إن زيادة نسبة الفائدة الأمريكية تؤثر على الاستثمار العالمى، إذ تصبح السندات الأمريكية أكثر جذبا للمستثمرين العالميين، الذين يسحبون أموالهم من الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل لصالح الاستثمار في الولايات المتحدة، مما يؤدى إلى رفع قيمة الدولار وخفض قيمة العملات في العالم النامى.
ويضيف التقرير إن هبوط سعر صرف العملات يسبب مشاكل، حيث يجعل التكاليف أكبر للأغذية والمنتجات المستوردة، ويزداد القلق في ظل ارتفاع الأسعار في جميع أنحاء العالم بسبب اختناقات سلاسل التوريد وتداعيات الحرب في أوكرانيا، وما أسفرت عنه من تعطيل شحنات الحبوب والأسمدة.
ولفت المحللون الاقتصاديون إلى أن قرار الاحتياطى الفيدرالى رفع سعر الفائدة، سوف يؤدى إلى رفع تكاليف الحصول على الأموال من أجل الإنتاج والتشغيل والاستثمار، مما يتسبب فى رفع أسعار السلع والخدمات فى بعض الدول.
وأشار المحللون إلى أن تداعيات القرار الأمريكى سوف تشمل "المقدمين على الاقتراض" نتيجة ارتفاع سعر الفائدة. كما أن ارتفاع سعر الفائدة سوف يؤثر على المشاريع العملاقة والضخمة وبعض المصانع الناشئة، لكن القرار لن يؤثر على المشاريع الصغيرة. وأشار المحللون إلى إمكانية إقدام بعض المصانع الناشئة الجديدة على وقف إنتاجها بشكل مؤقت، لتخطي الآثار المحتملة لرفع الفائدة.
وأوضح المحللون أن القرار الأمريكى برفع سعر الفائدة سيؤثر أيضا على الدول الصناعية ومنها تركيا، بسبب اعتمادها على الصناعة التي تحتاج دائماً إلى قروض بنكية. وتوقع المحللون انخفاض الوتيرة الصناعية في تركيا، لكن في المقابل اعتبر أن أسعار الخدمات ستشهد تحسنا ملحوظا.
ويرى المحللون أن الحكومات قد تتمكن من تقليل التداعيات السلبية المحتملة، من خلال توفير تمويل منخفض التكاليف للمشروعات الحيوية، والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر. وأشاروا إلى إمكانية مساهمة الحكومات فى توفير بعضا من عناصر الإنتاج بأسعار جيدة، فضلا عن اتخاذ إجراءات اقتصادية تضمن عدم حدوث فوضى فى الأسواق. ولفت المحللون إلى أن بعض الدول سوف تتجه إلى إعطاء المزيد من الحوافز، واتخاذ إجراءات صعبة لمنع خروج "الأموال الساخنة" منها.
المشكلة الأكبر.. الفشل فى كبح جماح التضخم
يرى المحللون الاقتصاديون أن المشكلة الأكبر بعد القرار الأمريكى برفع سعر الفائدة، أن تواصل البنوك المركزية رفع أسعار الفائدة دون أن يؤدى ذلك إلى خفض معلات التضخم في الوقت الذي تدخل فيه الاقتصادات الرئيسية في ركود، وذلك السيناريو الأسوأ الذى يعرف بوصف "الركود التضخمى"، وفى السطور التالية، نستعرض موجات التضخم التى تضرب الاقتصادات الرئيسية فى العالم.
أمريكا تعانى من أسرع معدل تضخم منذ 1981
ذكرت وكالة "أسوشيتدبرس" الأمريكية فى تقرير لها، إنه مع ارتفاع تكاليف الغذاء والبنزين والإسكان وغيرها من الضروريات بشكل مستمر، وهو الأمر الذى يضغط على المستهلكين ويهدد الاقتصاد، فمن المحتمل أن يكون التضخم فى الولايات المتحدة قد سجل أعلى مستوى منذ أربع عقود فى مارس.
وأظهر مؤشر أسعار المستهلك الحكومى، أن الأسعار ارتفعت بنسبة 8.5% عن 12 شهر قبل ذلك. ومن شأن ذلك أن يمثل أسرع معدل تضخم على أساس سنوى منذ ديسمبر 1981، كما أنه سيتجاوز معدل الزيادة البالغ 7.9% لمدة 12 شهرا فى فبراير، والذى سجل بدوره أعلى مستوى له فى 40 عاما.
وقفزت أسعار المستهلكين فى الولايات المتحدة فى مارس إلى معدل 8.5% كأعلى مستوى منذ أواخر 1981. ومع ارتفاع أسعار المستهلك فى الولايات المتحدة حاليا بأسرع معدل لها منذ 40 عاما، تبدو احتمالات الهبوط الناعم للأسعار دون إلحاق ضرر كبير بالنمو بعيدة على نحو متزايد.
وعلى حسب توقعات معظم الاقتصاديين الأسعار لا تزال مرشحة لمزيد من القفزات خلال الفترة المقبلة، مدفوعا بارتفاع تكاليف المواد الغذائية وارتفاع الإيجارات وأسعار الطاقة الجامحة.
وبناءا على التفاصيل المذكورة أعلاه، فاقتصاد الولايات المتحدة وعلى حسب البيانات الرسمية الصادرة فى البلاد، فقد دخل بالفعل فى ركود تضخمي. ومما لا شك فيه أن الركود التضخمي يعقد الأمور تماما بالنسبة لمجلس الاحتياطي الاتحادي، والذي يستعد بالفعل لرفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بمقدار 50 نقطة أساس.