في ولايته الجديدة .. ما هي التحديات أمام ماكرون؟
يمكن القول إن فوز إيمانويل ماكرون بانتخابات الرئاسة الفرنسية مصدر ارتياح لجميع أولئك الذين يخشون من الفوضي السياسية في داخل فرنسا وخارجها في حال ما إذا كانت منافسته اليمينية المتطرفة مارين لوبان حصلت علي مفاتيح الإليزيه، وحقيقة بقاء الرئيس الوسطي الموالي لأوروبا في السلطة لا ينذر بمسيرة سلسة إلي الأمام، لا تزال فرنسا دولة منقسمة، وعلي الرغم من فوزه، لا يزال ماكرون شخصية لا تحظي بشعبية كبيرة بين نسبة كبيرة من السكان.
وسيطرت علي فترة ولاية الرئيس الأولي احتجاجات "السترات الصفراء"، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وكورونا، وأخيراً حرب أوكرانيا، قد تكون فترة ولاية ماكرون الثانية شاقة إلي حد كبير.. تلقي وكالة الأنباء الأوروبية "يورونيوز" نظرة علي بعض التحديات المقبلة في هذا التحليل.
يحتاج الرئيس إلي حكومة أغلبية جديدة، التحديات كبيرة للغاية في الوقت الراهن، ليس أقلها من حركة "La France Insoumise" اليسارية المتشددة "France Unbowed" التي يقودها جان لوك ميلينشون، الذي احتل المركز الثالث في الجولة الافتتاحية للتصويت الرئاسي، لقد بدأ ميلينشون بالفعل في التحضير للمعركة التشريعية المقبلة، ومع ذلك، يمكن أن يستفيد ماكرون من العملية الانتخابية، وما حدث بها بشكل عام، هناك عامل آخر في صالحه، وهو بوادر انقسام في اليمين المتشدد، ومن أجل بناء أغلبية في البرلمان، سيحتاج علي الأرجح إلي الحصول علي دعم من بعض الأحزاب السياسية الأخري، وقد يجد نواباً يدعمونه من بين التيار الرئيسي لليمين، وعناصر من اليسار الأكثر اعتدالاً، وبقايا الحزب الاشتراكي.
فاز ماكرون بالرئاسة بفضل الأصوات الإضافية التي لم تكن تريد لوبان، وأكدت الجولة الأولي من الانتخابات الرئاسية وجود ثلاث كتل راسخة حالياً في المشهد السياسي الجديد لفرنسا: الوسطيون المؤيدون لأوروبا بقيادة ماكرون، وتمرد لوبان القومي، واليسار المتشدد لميلينشون، وقال الرئيس بالفعل إنه يعتزم البدء في إصلاح نظام التقاعد اعتباراً من الخريف، بهدف رفع سن التقاعد القانوني إلي 65 عاماً، وهذا الملف موضع جدل كبير، وقد يفتح الأبواب للاعتراض علي سياسات ماكرون، حتي لو كان لديه أغلبية في البرلمان للمشاريع الكبري مثل إصلاح نظام التقاعد، فمن المحتمل أن يواجه معارضة قوية خارج البرلمان في شكل حركات احتجاجية، مثل تلك التي كانت ضد الاحتجاجات الإصلاحية أيضاً خلال السنوات الخمس الماضية، وقد يري الجميع انتعاشاً لحركة السترات الصفراء إذا استمرت كلفة المعيشة مرتفعة بهذا الشكل.
تجديد كامل
في محاولة خفية لجذب الناخبين خلال حملته الانتخابية، وعد إيمانويل ماكرون بإصلاح سياسة المناخ أمام حشد من المؤيدين في مرسيليا، وقال إن رئيس الوزراء المقبل سيكون مسئولاً بشكل مباشر عن التخطيط البيئي، مدعوماً بوزيران للإشراف علي الانتقال للاقتصاد الأخضر، ناقش ماكرون العناصر الرئيسية الأخري في بيانه: الحفاظ علي الطاقة النووية "6 مفاعلات من الجيل الجديد مع إطلاق دراسات لثمانية أخري"، استثمار كبير في الطاقة المتجددة مع 50 مزرعة رياح في البحر بحلول عام 2050، والمزيد من الشحن بالسكك الحديدية والنهر، معالجة تلوث الهواء. غرس الأشجار، ويريد الرئيس أيضاً تطوير قطاع سيارات كهربائية فرنسي حصرياً.
كان التكامل الأوروبي الحقيقي الأكثر عمقاً هدفاً رئيسياً لإيمانويل ماكرون منذ انتخابه في عام 2017، عندما تردد صدي انتصاره مع نشيد الاتحاد الأوروبي، وهذه المرة، وصف الرئيس برنامجه بأنه برنامج "السيادة الوطنية والأوروبية"، وتشمل طموحاته الأوروبية الاستقلال الذاتي للطاقة، وإصلاح حرية حركة شنغن مع حماية أفضل للحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وسياسات لجوء مشتركة، تتضمن اتفاقاً بين جميع الدول الأوروبية في كيفية التعامل مع ملف اللاجئين، ويريد ماكرون أيضاً أن تطور الدول الأوروبية قدرة دفاعية أقوي، واندفاعاً ملموساً لتعزيز صناعة التكنولوجيا الأوروبية، فضلاً عن توجيه بشأن الحد الأدني للأجور والمساواة بين الجنسين.
التوازن في الأزمة الأوكرانية
يؤيد ماكرون عقوبات الاتحاد الأوروبي علي روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا، وقالت حكومته إنها ستدرس فرض حظر علي واردات النفط الروسية، ووصف الرئيس ما حدث في بوتشا بأنه "جرائم حرب" ودعا الجناة إلي العدالة دولياً، ومع ذلك فقد دافع عن الحوار مع موسكو، ولكن حوار ممزوج بـ "الحزم"، بعد 3 أسابيع فقط من فوز ماكرون في الانتخابات عام 2017، وصل فلاديمير بوتين إلي فرساي، علي الرغم من التوترات بشأن سوريا وأوكرانيا، كما زار المقر الصيفي للرئيس الفرنسي في جنوب فرنسا قبيل قمة مجموعة السبع، فشلت مثل هذه الاجتماعات في تخفيف التوترات علي المدي الطويل، كما أن المكالمات الهاتفية المتعددة التي أجراها ماكرون مع نظيره الروسي الشتاء الماضي، مع حشد قوات موسكو علي حدود أوكرانيا، لم تمنع روسيا من خوض الحرب، يوم الجمعة، قال الرئيس الفرنسي للإذاعة الفرنسية إنه "لا يستبعد" التحدث إلي بوتين مرة أخري، مع الاعتراف بأن الهدف قد يكون متواضعا نسبيا، مثل وصول المساعدات الإنسانية لماريوبول، وحذر من قطيعة دائمة في العلاقات، مستشهداً بضرورة التأثير في حال وقف إطلاق النار، يجب أن تكون أوروبا علي الطاولة، يجب علينا جميعاً أن نكون يقظين جداً، يجب ألا نجد أنفسنا في موقف المقاطعة مع بوتين، ومن يتحدث إليه هو الرئيس التركي أو الصيني، أو غيرهما، ويؤكد ماكرون أنه يجب علي فرنسا وأوروبا الحرص علي تجنب المشاركة العسكرية المباشرة في أوكرانيا، والتي يري أنها ستؤدي إلي تصعيد الصراع أو حتي بدء حرب عالمية جديدة.