حكم زيارة المقابر في يوم العيد
الجواب: استحبَّ الشرع الشريف زيارة القبور ورغَّب إليها؛ لما في زيارتها من تذكر الآخرة، والزهد في الدنيا الفانية، وترقيق القلوب القاسية، والردع عن المعاصي، وتهوين ما قد يلقاه المرء من المصائب.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «زُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» رواه الإمامان أحمدُ ومسلمٌ، وأصحابُ السُّنن.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنَّهَا تُرِقُّ الْقُلُوبَ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ، فَزُورُوهَا، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا» أخرجه الإمام أحمد في "المسند" واللفظ له، والطبراني في "المعجم الكبير".
فالأمر بزيارة القبور بعد النهي عنها جاء مطلقًا غير مقيدٍ بوقتٍ دون وقت، ولا حال دون حال، بل جاء مبيِّنًا ما في زيارتها من نفع يعود على زائرها، وهو مما ينبغي أن يحرص عليه المسلم دائما؛ فإن في تذكر الآخرة رقةً للقلب وارتداعًا للنفس عن المعاصي والآثام. وعلى استحباب ذلك اتفقت المذاهب الفقهية الأربعة:
وأما القول بالنهي عن زيارتها في الأعياد لأنها أيام فرح وسرور، وزيارة المقابر سببٌ لتجديد الأحزان، فالجواب من أربعة أوجه:
الأول: أنه ليس كل استدعاء للحزن منهيًّا عنه
الثاني: أن النهي عن تجديد الحزن إنما هو فيما يكون مدعاةً للقنوط والاعتراض على قضاء الله تعالى، فأما ما كان مصاحَبًا بالتسليم والصبر والاحتساب، فإن صاحبَه مأجور محمود مثاب
الثالث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زار القبور في بعض أيام النصر؛ وهي أيام فرح وسرور، ولم ير في ذلك غضاضة ولا حرجًا، فورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه زار قبر أمه السيدة آمنة بنت وهب رضي الله عنها مرجعَه من تبوك، ويوم فتح مكة، وهما يوما فرح ونصر.
الرابع: أن الأعياد هي زمان اجتماع الناس وتزاورهم؛ ذلك لأن أكثر ما يُسعد الإنسانَ لقاؤه بمن يحب، فإذا حال دونه الموتُ فإن موضع دفنه ومرقده يكون هو أحب الأماكن إليه، وفيه تأنس روحه باستشعار معنى البر بالمتوفى، والدعاء له، والسلام عليه.
وبناءً على ذلك: فزيارة المقابر مندوب إليها في جميع الأوقات؛ لأن الأمر بها جاء مطلقًا، فشمل ذلك جميع الأوقات، وتزيد أفضلية زيارتها في الأيام المباركة التي يلتمس فيها مزيد العطاء من الله تعالى، ومنها أيام العيدين؛ لما في ذلك من استشعار معاني الصلة والبر، والدعاء بالرحمة والمغفرة لمن توفي من الأهل والأقارب، ولْيُراعَ عدم تعمد إثارة الأحزان، وعدم التلفظ بألفاظ الجاهلية والاعتراض المنهي عنهما.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
لمزيد من التفاصيل يمكن العودة للفتوى رقم 15027 المنشورة على الموقع الرسمي لدار الإفتاء المصرية على الانترنت.