رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

رقة القلوب البيضاء

بوابة الجمهورية

من أعمال الراحل: محمد عبد المنعم زهران


تراخت أقدامه فجأة ، فاستند إلى حائط قريب .

كان قد قاوم الشعور بالتعب طوال سيره ، مؤمنا بقدرته الدائمة على السير إلى الأبد ، بقدرته على الضحك والحياة إلى الأبد . مفعماً بالابتسام تذكر أنه الآن عجوز ، وأن أطرافه ترتعش ، حتى يكاد لا يستطيع السيطرة عليها ، فاستراح على الحائط بظهره .

تأمل السماء ورأى نجومها ، فكر فى أن كل هذه النجوم محض قلوب تنبض بالضوء ، قلوب متناهية الصغر ، رقيقة . أنصت إلى تراتيل الفجر ، تنساب من المآذن البعيدة ، بدت له شجية ، مغمورة بالوحدة ، كأنما لا ينصت إليها أحد ، شعر بأسى ، وبألفة غامضة معها ، فأنصت بكليته .

عاودته الرغبة فى المشى ، فمشى ملتصقا بفتارين المحلات ، فكر فى أن الشوارع خالية من البشر على نحو مريح ، وأن الأولاد جميعا فى مخادعهم الدافئة ، رفع رأسه وتأمل البيوت الساكنة غشيه هدوء ، فابتسم ... وتهيأ له أن الأولاد سينهضون فجأة من كل البيوت ، ويهبطون فى ثياب نومهم ، يجرون نحوه بعيون تقاوم النعاس ، ويتجمعون حوله هاتفين باسمه ، ثم يزحفون فى حشد هائل إلى حيث يقيم لهم أروع وأعظم عروضه ، كل عروض حياته دفعة واحدة ...

انتبه حين لاحظ أنه يقف أمام مرآة فى واجهة محل فاستدار إليها نظر إلى وجهه وتحسس ببطء كل تجاعيده ، صفت عيناه ورقت حين نظر إليها فى المرآة ، رآها ما تزال سوداء لامعة وباسمة فى نفس الوقت . نظر إلى يده ، تأملها طويلاً ثم رفعها ببطء أمام وجهه ، ارتجف فجأة وانسكب ماء غزير من عينيه حين تهيأ له أن دمية الأراجوز فوق ذراعه ، جفف عينيه ، وعاد يتأمل ذراعه الذى انتصب أمام وجهه ، بدأ فى تحريكه ...

آآه يا أراجوز . أنت كبرت أيضاً !

أنا . طبعا لا .

وهذا الشعر ... هذا الشعر الأبيض فى رأسك .

أنت الذى كبرت . انظروا إلى هذا العجوز أليس مضحكا ! ضحك الأراجوز ، ضحك بتلك الطريقة التى لا يمكن أن تخطئها أذن ...

... أنت تهزأ بى !

أنا دائما أهزأ بك . أنا أهزأ بأى أحد . انظروا إليه إنه مضحك !!

ابتسم العجوز فى رقة .

............ أوحشتنى

آه . شكرا ، ولكنك ما تزال مضحكا .

ضحك الأراجوز مرة أخرى فابتسمت عين العجوز فى أعماقها .

وأنا أحبك . هيا ... أريد أن أقبلك .

لا . لا تفعل !

بل سأقبلك ... لم أقبلك من زمن ...

لا ... أبعدوه ... أبعدوه ... رائحة فمه كريهة ...

ضحك العجوز طويلا ، ضحك فى بكاء طويل ، وأعاد يده إلى مكانها ، تساءل عما جعله يتذكر كل شئ .. كل شئ على نحو مفاجئ ، استأنف مشيه البطىء مرة أخرى ، كانت ما تزال تراتيل الفجر مستمرة ، فأخذ يؤرجح رأسه على إيقاع اللحن .

* * * * *

ونام

حدث ذلك عندما شعر بأنه يدخل جوف أراجوز كبير ... كبير ، يدخل إلى ذلك العمق الدافئ الذى كان دائما ما يضع ذراعه فيه ، وحين استراح جسده داخل الأراجوز غمره الدفء ، فانتظمت أنفاسه ، ونام عندما قال له الأراجوز بصوت هادئ وحميم ... : أنت متعب ... نم .

ولكنه استيقظ ..

حين شعر بالضجيج والخطو يدب من حوله ، أخرج رأسه من الأراجوز أخرجها بصعوبة ، لأنه كان لا يريد أن يخرجها أبدا ، فتح عينيه ورأى الشمس تتلألأ فى عينيه ببقع ذهبية قوية . نهض متلفتا ودهش لأنه نام فى مكانه . استطاع بعد قليل أن يميز أطفالا يمرون بجواره ، أطفال بوجوه نظيفة ، يحملون حقائبهم المدرسية ، وبنات بشعر مصفف ولامع ، لبث واقفا مأخوذا عيناه لا تتحولان ، عينان عجوزان تنظران نظرة فى نعومة القطن ، إلى الأولاد وهم يعبرون من أمامه ، رآهم كما كان يراهم من قبل ، منذ سنين طويلة ، وعاوده ذلك الشعور القديم : فرط الفرح وحمرة الوجه من الخجل .

راقب طريقة مشيهم وحركاتهم ، أنصت إلى ضحكهم وأحاديثهم ، تسلل ضحكهم إلى داخله ، إلى أعماقه واستكان فى عمق القلب ، ومن حيث لا يمكن لأحد أن يرى ، توهج قلبه ، توهج هكذا فجأة كنجم ، وشيئا فشيئا تحولت نظرة عينيه إلى ذهول ، وابتسم وجهه ابتسام طفل رأى روعة ما أحبه دائما ، ما تمنى أن يراه دائما . كان يغيب بعينيه قليلا ، ويشرد ثم يعود متلمع العينين ويتأملهم بهيئة من يرى ملائكة هبطت من علياء السماء ، واصطفت فى استعراض وزحمة رائعة .

من دون إرادة اندفع معهم ، ومشى كأنما يحمله الهواء ، متلفتا إليهم أمامه وخلفه وبجواره ، تتلاحق على وجهه رعشات ابتسامات خاطفة ، تظهر قليلا ثم تختفى ، حتى تبدى فى النهاية كمن يجمع ابتسامات حياة كاملة ويحشدها حشداً .

انتبه فجأة ، كان ذلك حين رآهم يتباطئون أمام فاترينة زجاجية ، رآهم ينجذبون ويتطلعون إليها مشدوهين ، لم يفهم ، اقترب من الفاترينة ورأى كل أشيائها متراصة على الأرفف .. طائرات وسيارات ، دبابات ، أرانب ودببة بلون الثلج بفيونكات ملونة ، عرائس بعيون بنفسجية ، وفساتين بيضاء ، استدار ونظر فى أعينهم المأخوذة ، العيون التى يحبها دائما حين تنظر إليه ، رفع يده قباله وجهه ، هز رأسه فى مرح محركا يده ، خرج من فمه صوت الأراجوز منغما صافيا كما لم يكن من قبل ، ازداد طربه فأخذ يميل بجسده ، ظل هكذا قليلا حتى فتر حماسه ، رآهم ينظرون ويضحكون بطريقة عابرة ، مستأنفين سيرهم ، التفت إلى الفاترينة ، رأى أشياءها تتألق فى بريق ساحر ، اقترب حتى ألصق وجهه بالزجاج ، شعر بأنها جميلة ومبهرة على نحو ما ، إلا أنها وفى ذات الوقت ، بدت له وكأنما خلقت من حجارة ، تجهم وجهه ، وقف قليلا ثم مضى .

فى الطريق مشى صامتا ... تساءل : ماذا يحدث ، ومن أيقظ الأراجوز ؟! يمشى قليلا ثم يتوقف فى بكاء : من ... ؟!

عاد إلى البيت ، وجد المرأة مستيقظة ، نظر إلى وجهها ، ورأى سلامه الدائم ، ذلك السلام الذى يبعث فى روحه الدفء ، اقتربت منه فى هدوء ، فكر فى أن يحادثها ، ولكنه تردد ثم تراجع فى نهاية الأمر ..

- أين كنت ؟

شعر بأسى غامض

- ......... لا شيء .

رأى كومة الأقمشة مرصوصة فى لفات منتظمة ، ملقاة بجوار الحائط وتذكر أنه أعدها لجولة اليوم ..

- ألن تخرج اليوم .. هناك زبائن ينتظرون ..

تحرك مباشرة إلى الغرفة الداخلية ، وقف على مقعد والتصق بالدولاب القديم ، أزاح أشياء فتصاعد غبار ، كانت تراقبه عند الباب ، استمر يقلب الأشياء حتى وجده فهبط . نظر إليه كان مهترئا ومغطى بطبقة من الأتربة ، نفض عنه التراب ، ووضعه فى الفراش ، انتابه سعال ، اقتربت المرأة ، وضعت يدها على كتفه ورسم وجهها ابتسامة ...

يااه ... تذكرته الآن ... رفع رأسه فى ابتسامة أراجوز .

نعم .. وعاد ينظر إلى الأراجوز .

وماذا ستفعل به الآن ... ؟!

... نظرت إليه فى توجس .

ماذا ستفعل به ؟!

رفع رأسه إليها وبكى فجأة ، اقتربت منه فأراح وجهه على كتفها وتشبث بها ، بكى كطفل ...

- ... لا أعرف !

بالليل حين نامت المرأة ، أيقظه الأراجوز ، ففتح عينيه ، نهض وتسلل إلى خارج الغرفة وأغلق الباب ، جلس على الأرض وفتح لفات الأقمشة وبدأ يقطع قطعا صغيرة ، كان الأراجوز نائما على فخذه ...

* * * * *

خرج إلى الشارع وأغلق الباب فى حذر ، أخرج الأراجوز من جيبه وتأمله بإشراق ، كان الأراجوز زاهيا ومبهرا بأثوابه الجديدة وطرطوره الرائع ، وضعه فى يده ونظر إليه ...

والآن . أين سنذهب ؟ خمن يا صديقى ..

يا صديقى !

ضحك الأراجوز بصوت مرتفع

هشش .. هش . اخفض صوتك ...

همس الأراجوز

لماذا ؟!

أشار العجوز صامتا إلى الباب ، هز الأراجوز رأسه ضاحكا بخفوت ..

هه ، أين سنذهب ؟ خمن ؟!

وضع الأراجوز يده على رأسه وبدأ يفكر ...

تركه يفكر .

* * * * *

مشى فى ابتهاج ورأى نفسه من جديد ، شابا يحمل أراجوز ، يضحك الناس فيحبونه ، أصابه ضيق حين رأى بعض المارة ما يزالون فى الشارع فواصل تجوله ، نظر إلى البيوت ، نوافذها مغلقة ، فكر أن الأولاد لابد نائمون أيضا ، وآلمه أنهم لن يعرفوه أبدا ... تطلع إلى النجوم فى السماء ، رآها مرة أخرى قلوبا بيضاء صغيرة تومض ، وفكر فى أن النجوم تشبه الأطفال على نحو غريب .

هدأ الشارع الآن ، فاقترب من الفاترينة الزجاجية ، كانت الأشياء موزعة على الأرفف فى ضوء هادئ فتأملها بابتسام ، حاول فتح الفاترينة ولكنها لم تستجب ، حاول زحزحتها فلم تتحرك ، داس على مقبض الباب وفشل فى فتحة ، وفجأة دفع الزجاج بكلتا يديه فلم يتحرك ، عندها مال على الأرض والتقط حجرا وحطم به زجاج الفاترينة فأحدث فجوة ، شعر براحة فأخذ يوسع الفجوة.

أخرج الأراجوز من جيبه ، أفسح له مكانا على الأرفف ، وضعه وثبت قدميه ، تراجع خطوة وتأمله ببهجة ، لبث قليلا ثم شهق كمن يتذكر شيئا ، أخرج من جيبه عصاه صغيرة وملونة ، مد يده عبر الفجوة إلى الأراجوز مرة أخرى ، ووضع العصاه فى يديه بهيئة الراقص ، نظر إليه ورآه بديعا فأخذ يتقافز راقصاً ...

فاجأه الصوت ...

لا تتحرك .. ؟

... !

استدار بعفوية ، كان ما يزال مبتسما وبدا أنه لا توجد قوة تمنع ابتسامته الآن ...

ماذا تفعل فى دكانى ؟؟

كان الرجل مرتديا بيجاما ، حافيا ويحمل مسدسا فى يده ...

... أنت صاحب الدكان !

نعم .

أنا أيضا ... صاحب دكان .

ضحك العجوز ضحكة أراجوز ، فارتجف الرجل وصرخ مناديا الناس ، رأى العجوز المسدس فى يد الرجل فاتسعت ابتسامته ، التفت إلى الفاترينة ورأى مسدسا فالتقطه وصوبه باتجاه الرجل ضاحكا ...

خذ .. بوم .. بوم .. بوم ..

الرجل الذى بوغت ، أطلق رصاصة أولى سمع العجوز صوتها كان يشبه صوت رعد وشعر بها فى جسده ساخنة كاللهب ، إلا أنه استمر يضحك مطلقا النار من مسدسه الصغير ... امتلأ وجه الرجل بالرعب والشحوب فأطلق رصاصة أخرى قبل أن يحتمى بالداخل ...

خمدت ضحكة الأراجوز فى فم العجوز ، حاول أن يستعيدها مرة أخرى ، حاول مرارا ولكن الأراجوز لم يستجب ، فاستمر مبتسما .. ابتسامة ثقيلة .. لا صوت لها ملوحا بمسدسه الذى يرتعش فى يده ...

- بوم ... بو .. م .

----------------------

القصة من مجموعة حيرة الكائن، الفائزة بجائزة الشارقة ٢٠٠٢





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة