وزير الأوقاف: الفقيه الحق هو من يلم بأحوال ومستجدات عصره
أكد د.محمد مختار جمعة وزير الأوقاف في الحلقة الحادية عشر من برنامج "رؤية" بعنوان : "العقل والنص" أن رمضان هو شهر العلم ، وهو شهر الفهم ، وهو شهر الوعي ، وفرصة للتعلم ، والاستفادة ، والاستنارة ، مبيناة أن كثيرًا من المشكلات ، والأفهام الخاطئة جاءت نتيجة وقوف بعض الجماعات عند ظواهر النصوص دون فهم لمقاصدها ، ومراميها ، وإلى غلبة مناهج الحفظ والتلقين على مناهج الفهم والتحليل ، داعيا إلى ضرورة إعمال العقول اد في فهم صحيح النص ،
فمثلًا عندما تحدث نبينا صلى الله عليه وسلم عن السواك ، فما المقصد؟ وما الغاية؟ الفقهاء يقولون : طُهرة للفم ومرضاة للرب ، والهدف هو : نظافة وطهارة الفم ، والسؤال يقول : هل العبرة بعين السواك حتى لو كان من يستخدمه لا ينظفه جيدًا ، والعبرة بمجرد حمل السواك؟ ، أم أن العبرة بنظافة وطهارة الفم التي قد تتحقق بآلة السواك بشرط العناية بها ، ونظافتها ، وحفظها في مكان نظيف ، وقد تتحقق بالغسول أو الفرشاة أو المعجون ، لا شك أن الهدف هو نظافة الفم ، وهو ما صرح به الفقهاء في تعليلهم لقضية السواك ، فأي غاية طبية صحية تتحقق بها نظافة الفم ونظافة الأسنان وطهارة الفم هي غاية مشروعة تحقق الهدف من السواك ، موضحا أنه عندما جاء أحد الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعه ناقته فقال : "أعقلها وأتوكل ، أم أتركها وأتوكل؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : اعقلها وتوكل".
مشيرا أن هذا التوازن بين الأخذ بالأسباب ، والتسليم بقضاء الله عز وجل لا يقف عند حدود عقد الناقة فقط ، وإنما نستفيد منه في كل جوانب حياتنا ، فحسن التوكل على الله لا يعني عدم الأخذ بالأسباب إنما يعني أن نأخذ بغاية الأسباب يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "لوْ توَّكلتْمْ عَلىَ اللَّهِ حَقَّ التوكل لرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيرْ، تغَدُوا خِمَاصاً وَتَرُوْحُ بِطَاناً" ، أي تذهب وهي جائعة ، وتعود شبعة ، قال أهل العلم : الطيور لا تقف في أماكنها ، وتبقى في أماكنها ، وإنما تأخذ بالأسباب تذهب وتجئ وتسعى على رزقها ، حتى أن أحد الصالحين خرج إلى بستان في سفر وتجارة، فبينما هو في ذلك البستان وجد طائرًا كسيرًا جريحًا ، فقال : كيف يطُعم ويسُقى هذا الطائر الكسير الجريح ، وبينما هو يفكر في هذه الحال ، إذا بطائر آخر يحمل لهذا الطائر طعامه، فقال يا سبحان الله ! رزق الإنسان سيأتيه ، ثم حكى ذلك لأحد أصدقائه وأصحابه فقال له : يا هذا كيف ترضى لنفسك أن تكون كالطائر الكسير الجريح الذي ألجأته الحاجة والضرورة إلى آخر من بني جنسه ، ولم تسع لأن تكون أنت الطائر القوي الشجاع الذي يسعى على نفسه وعلى الضعفاء من بني جنسه ، ألم تسمع نبينا صلى الله عليه وسلم ، يقول : "اليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلىَ ، وَابدْأ بِمَنْ تعُولُ" ، وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ، ويقول: اللهم ارزقني ، وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة" ، فعلى الطالب أن يجدَّ وأن يجتهد وأن يأخذ بالأسباب ، وأن يجتهد في مذاكرته وفي تحصيله ، وفي انضباطه بالقواعد التعليمية ، ثم أمره يفوضه بعد ذلك إلى الله عز وجل يرضى بما يقسمه الله له ، ما دام قد قام بالجهد الذي عليه ، أما أن الطالب لا يذاكر ولا يهتم ويأتي ليلة الامتحان يطلب من أمه أو عمته أو خالته أو أهله الدعاء له ، هذا الدعاء يأتيك بعد أن تأخذ بالأسباب لأن الله أمرنا أن نأخذ بالأسباب ، وكالفلاح الذي راعى حقله وزرعه ثم يفوض أمر البركة الى الله (عز وجل) لا أن يتقاعس عن رعاية الزرع سقيًا أو تنظيفًا من الحشائش أو عناية ، ثم يقول: أمري إلى الله.
مؤكدًا أن التوكل الحقيقي هو: أن نأخذ بالأسباب ، ثم نفوض النتائج لله عز وجل لذا ؛ عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي :"اعقلها وتوكل"، أي: خذ بالأسباب ثم فوض النتائج لله عز وجل هذا ما نتعلمه في سائر شئوننا ، الطالب في مذاكرته ، والعامل في مصنعه ، والفلاح في حقله ، وكل إنسان يأخذ بالأسباب ، ثم يفوض أمر النتائج إلى الله عز وجل ، ولذلك عندما مر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قوم لا يعملون قال من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون على الله ، قال بل أنتم المتكلون ، ولستم بالمتوكلين لو توكلتم على الله حق التوكل لأخذتم بالأسباب ثم فوضتم أمر النتائج إلى الله عز وجل.
وفي قوله تعالى : "وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا" ، فالغاية النهي عن الخيلاء ، والاختيال بالنفس ، والتجبر في المشية ، لكن هل المنهي عنه هو الاختيال في المشي فقط أو مطلق الاختيال في أي مشي من كان يختال بدراجته أو من كان يختال بسيارته ، وما أكثر الحوادث التي قد تقع نتيجة الاختيال والتباهي والإسراع بالسيارة فوق السرعة المقررة كلون من الاختيال بسيارة فارهة أو قوية أو نحوها ، فالاختيال والعلو قد يكون مشيًا على القدم ، وقد يكون بالسيارة استعلاء على خلق الله ، بل إن الاستعلاء بالسيارة أعلى من الاستعلاء بالمشي ، فالمقصود بالقصد في المشي هنا عدم الاختيال مطلقًا سواء كان الإنسان ماشيًا على قدميه أم مستقلًا دراجته أم راكبًا سيارته ، بل إن الاختيال بالسيارة أشد من الاختيال بالمشي على القدمين لما في الثاني من كسر نفوس الفقراء ، وأسوء ما في ذلك أن يصل الاستعلاء بالنفس إلى تجاوز القوانين المنظمة للمرور والسير ، مع أن الالتزام بقواعد المرور العامة ، إنما هو للحفاظ على حياتك وحياة الآخرين ، مما يتطلب أن تلتزم بالسرعات المقررة وإشارات المرور وتعليماته وآدابه وأحكامه دون أن يستعلي أحد على الآخرين لا بمشيته ولا بسيارته الفارهة ولا بدراجته الأغلى أو الأحدث.