العالم يدفع ثمن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا
زيادة أسعار الطاقة والسلع.. ارتفاع الركود والتضخم.. انخفاض النمو
الأزمة الاقتصادية العالمية تشتد.. أمريكا وحلفاؤها في مواجهة روسيا والصين
لاشك أن الحرب الروسية على أوكرانيا، وما تبعها من عقوبات غربية على موسكو، تضع الاقتصاد العالمي على المحك، خصوصا بعد تحرك الولايات المتحدة وبريطانيا لحظر واردات النفط الروسية، مما أثار مخاوف من حدوث تضخم عالمي.
وقد كشف تقرير بريطاني حديث أن الحرب في أوكرانيا قد تضيف 3% إلي التضخم العالمي هذا العام، وتمحو تريليونات من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2023، وذكر التقرير الذي أعده المعهد الوطني البريطاني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية "NIESR" أن الحرب قد تمحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يعادل تريليون دولار بحلول العام المقبل.
يأتي ذلك في وقت تستعد الأسواق لمزيد من الفوضي في سلسلة التوريد بسبب الدور الرئيسي لروسيا وأوكرانيا في تجارة الطاقة والسلع الأساسية، من النفط والغاز إلي القمح والذرة والبلاديوم.
.jpg)
قال مدير المعهد الوطني البريطاني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، البروفيسور جاجيت شادا: "قد تتأجج دورة التضخم أكثر إذا اختارت البنوك المركزية، وهو أمر مرجح، أن تتفادي ويلات الحرب عبر سياساتها النقدية".
وجادل مركز الأبحاث بأن هذا من شأنه أن يغذي التضخم العالمي ويشكل خطراً على النمو الاقتصادي.
أضاف أنه في حين أن ارتفاع أسعار النفط والغاز من شأنه أن يخفف جزئياً من تأثير العقوبات على روسيا، فإن الناتج المحلي الإجمالي في البلاد سيظل ينكمش بنسبة 1.5% هذا العام وأكثر من 2.5% بنهاية عام 2023.
.jpg)
أوروبا الأكثر تضرراً
ومن المتوقع أن تكون أوروبا المنطقة الأكثر تضرراً بسبب روابطها التجارية واعتمادها على إمدادات الطاقة والغذاء الروسية، مع تأثر الأسواق الناشئة بدرجة أقل من الاقتصادات المتقدمة.
أضاف تشادا أن مركز الأبحاث يتوقع زيادة الإنفاق العام لدعم التدفق الهائل لطالبي اللجوء من أوكرانيا وتعزيز الإنفاق العسكري، مما سيحد من الآثار السلبية على الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي.
فيما يري الخبراء أن ارتفاع أسعار الطاقة أدي إلي تصعيد المخاوف من "الركود التضخمي" حيث ارتفعت أسعار النفط لأعلي مستوي منذ الأزمة المالية العالمية في 2008.

وقد فرض الرئيس الأمريكي جو بايدن مؤخرا، حظراً على استيراد الولايات المتحدة للنفط والغاز والطاقة من روسيا، في تصعيد كبير للجهود الغربية الرامية إلي تكبيل اقتصاد روسيا، وهو ما يزيد من التوتر في الأسواق العالمية للنفط.
ويتوقع الخبراء الآن أنه في أسوأ السيناريوهات..حيث يتم فرض المزيد من القيود على أسواق الطاقة الروسية وعزلها عن الأسواق العالمية، يمكن أن ترتفع أسعار النفط إلي أكثر من 150 دولارًا للبرميل، حتي أنها قد تصل إلي 200 دولار للبرميل لفترة طويلة من الزمن.
.jpg)
صراع اقتصادي طويل الأمد
وحذر الخبراء أن قرار الرئيس الأمريكي بوقف واردات الخام من الكرملين، سيؤدي إلي ارتداد حاد في الآلام المالية، لكن ما يثير قلق الخبراء أن العقوبات الأمريكية لن تفعل الكثير لكسر عزم روسيا الفوري، الأمر الذي قد يؤدي إلي صراع اقتصادي طويل الأمد.
وبالإضافة إلي كونها المورد الرئيسي للغاز في أوروبا، تعتبر روسيا مهيمنة أيضاً في أسواق عدد من السلع المهمة الأخري، مثل النفط. والقمح، والألمنيوم، والبلاديوم.
وتعتمد بعض البلدان في الشرق الأوسط وآسيا الوسطي وأفريقيا وأوروبا اعتماداً كبيراً على روسيا وأوكرانيا في الغذاء، إذ يشكل البلدان معاً أكثر من 20 في المائة من صادرات القمح العالمية، ويري الخبراء أن ارتفاع أسعار النفط والقمح يرسم صورة قاتمة للتضخم، حيث يقلب الصراع سوق السلع العالمية ويدفع أسعار الطاقة والسلع الزراعية إلي أعلي مستوياتها منذ سنوات.
.jpg)
وقد حذر تقرير حديث لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، أن الحرب الروسية في أوكرانيا قد تؤدي إلي خطر انهيار أسواق السلع، وأوضح التقرير أن ارتفاع القمح وصل لنسبة 51%، وأسعار جملة الغاز في أوروبا ارتفعت بنسبة 600% خلال الـ12 شهراً الماضية.
كانت استجابة الشركات والحكومات لحرب أوكرانيا استجابة قصيرة المدي عن طريق زيادة مخزونات المواد الخام المهمة، وعلى المدي الطويل، قد تجبر الصناعات بإمداد سلاسل توريد بديلة يمكنها تجاوز الصراع الاقتصادي والمالي المحتمل الذي يتصاعد بين روسيا والغرب.
وتشير التقديرات الصادرة عن نشرة للبنك الدولي، إلي أن زيادة في أسعار النفط 10 في المائة تستمر سنوات عدة يمكن أن تخفض النمو في الاقتصادات النامية المستوردة للسلع الأساسية بمقدار عُشر نقطة مئوية.
.jpg)
تراجع النمو في الدول المستوردة للنفط
تضاعفت أسعار النفط خلال الأشهر الستة الماضية، وفي حال استمر هذا الارتفاع، فقد يتراجع النمو في الدول المستوردة للنفط مثل الصين وإندونيسيا وجنوب أفريقيا وتركيا، بواقع نقطة مئوية كاملة، وفق التقديرات.
وتوقع تحليل أجرته "وحدة المعلومات الاقتصادية" في مجلة "الإيكونوميست" البيرطانية، أن يؤدي ما أفضت إليه الحرب الأوكرانية من ارتفاع أسعار النفط والعقوبات ضد روسيا إلي ضربة مالية كبيرة للاقتصاد العالمي، بحيث يتكبد ما لا يقل عن 400 مليار دولار هذا العام.
كما من المتوقع أن تتعرض لهزات شديدة دول أوروبا الشرقية الأكثر اعتمادا على التجارة الروسية، مثل ليتوانيا ولاتفيا، وهذا ما دفع بالإيكونوميست إلي تخفيض توقعاتها للنمو في أوروبا سنة 2022 من 3.9% إلي 2%.
ومن المنتظر أن تصمد منطقة اليورو التي تستثني معظم دول أوروبا الشرقية الكبيرة، على نحو أفضل بنمو نسبته 3.7% نزولا من 4%، فيما خُفّضت توقعات النمو العالمي من 3.9% إلي 3.4%.
كما من المرتقب أن تستمر أسعار السلع الأساسية في الارتفاع مع استمرار الصراع في أوكرانيا، لدرجة أن "الوحدة" رأت أن زيادة التكاليف والأسعار ستدفع التضخم فوق التوقعات السابقة بنحو 6%، وأوضحت الإيكونوميست أن ارتفاع الأسعار سيكون مدفوعا بثلاثة عوامل هي القلق بشأن الإمدادات وتدمير البنية التحتية المادية، إضافة إلي العقوبات التي تُفرض تباعا على روسيا.
وبحسب ما يشرح الخبراء الاقتصاديون في تقرير نشرته وكالة "بلومبرج" الاقتصادية الأمريكية، عن تأثير حرب أوكرانيا على تعافي الاقتصاد العالمي، فقد تركت جائحة كورونا الاقتصاد العالمي مع نقطتين رئيسيتين للضعف، التضخم المرتفع والأسواق المالية المتوترة، والصراع في أوكرانيا سيزيد من كلتيهما.
وسيعتمد حجم الضربة التي سينتهي بها الصراع على الاقتصاد العالمي على طوله ونطاقه، وشدة العقوبات الغربية، واحتمال انتقام روسيا، كما أن هناك احتماليّة لحدوث تقلبات أخري، من الهجرة الجماعية للاجئين الأوكرانيين إلي موجة من الهجمات الإلكترونية الروسيّة.
.jpg)
3 سيناريوهات متوقعة
پووسط هذا المشهد القاتم، وضع خبراء الاقتصاد في "بلومبرج" هذه التداعيات في ثلاثة سيناريوهات متوقّعة.،تدرس كيف يمكن للحرب أن تؤثّر على النمو والتضخم والسياسة النقدية، وبالتالي المسارات الممكنة للاقتصادات الروسية والأوروبية والأمريكية.
السيناريو الأول يتمثل في استمرار تدفق النفط والغاز، وهذا يعني استقرار الأسعار عند مستوياتها المرتفعة الحالية، لكن الخطر حاد بشكل خاص في أوروبا، لأن روسيا هي المورد الرئيسي للنفط والغاز، وهذا قد يجعل التضخّم في منطقة اليورو يلامس 3% في نهاية العام، أما في الولايات المتحدة، فسيؤدي ارتفاع تكلفة البنزين والتشديد المالي المعتدل إلي إعاقة النمو.
السيناريو الثاني يتمثل في تعطيل إمدادات الطاقة، يمكن أن يؤدي إلي تفاقم الصدمة التي تتعرض لها أسعار الطاقة، وهو ما يمكن أن يترك التضخم في منطقة اليورو قريباً من 4 في المائة بحلول نهاية العام، ممّا سيزيد من ضغط الدخل الحقيقي.
ومن المرجح أن تكون أوروبا قادرة على إبقاء الأضواء مضاءة، لكن سيكون هناك ضرر مادّي للناتج المحلّي الإجماليّ، مما سيدفع أي رفع لسعر الفائدة من البنك المركزي الأوروبي حتي عام 2023.
محافظو البنوك المركزيّة في أوروبا يرسلون بالفعل إشارات تشاؤمية، وفي الولايات المتّحدة، قد يدفع هذا السيناريو التضخّم العام إلي 9 في المائة في مارس، ويبقيه قريباً من 6 في المائة بحلول نهاية العام، في الوقت نفسه، من شأن المزيد من الاضطرابات الماليّة وضعف الاقتصاد، ويرجع ذلك جزئيا إلي الانكماش الأوروبي، أن يترك بنك الاحتياطي الفيدرالي في حالة تضارب.
أما السيناريو الثالث هو قطع الغاز في مواجهة العقوبات القصوي من الولايات المتّحدة وأوروبا - مثل توقيف النظام السريع للمدفوعات الدوليّة - قد ترد روسيا بإيقاف تدفق الغاز إلي أوروبا، يتوقع الخبراء أن تلك الصدمة قد تخفض الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو بنسبة 7% .
والملاحظ هنا أن القاسم المشترك بين السيناريوهات الثلاثة هو أزمة اقتصادية عالمية تضرب الجميع، مسبباتها ارتفاع أسعار السلع وارتفاع معدلات التضخم وتراجع معدلات النمو.
.jpg)
كما أن الأزمة الأوكرانية أماطت اللثام عن حرب اقتصادية عالمية من المستبعد أن تهدأ وتيرتها حتي أن وضعت الحرب الروسية في أوكرانيا أوزارها، فالولايات المتحدة تنتظر من حزمة العقوبات التي فرضتها ومعها أوروبا على روسيا، توسيع الخلاف الأوروبي الروسي بشكل أكبر، لتستطيع التفرد بمساعدة لندن في التحكم بالقرارات الأوربية وتوجيه سياساتها اكثر نحو ضفة الأطلسي الغربية والحد أو إلغاء اعتماد اوروبا على الغاز الروسي كوسيلة رخيصة للطاقة، وتهدف واشنطن إلي إنهاء طموحات موسكو الجيوسياسية في بناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، وإضعاف إقتصادها من خلال إخراجها من نظام "سويفت" وعزلها عن العالم.

وقد بحث الرئيس الأمريكي جو بايدن، مع نظرائه رؤساء الدول السبع الكبري، وهو تحالف سياسي دولي مكون من 7 دول يضم الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، اليابان، وإيطاليا وكندا، كيفية الضغط على روسيا وتوقيع عقوبات أكثر قوة، خاصة بعد غزوها لأوكرانيا.

التحالف الروسي الصيني
وفي المقابل، يتوقع خبراء اقتصاديون أن تدعم الصين الاقتصاد الروسي لتفادي تلك العقوبات الاقتصادية، خاصة من خلال البنوك المملوكة للحكومة الصينية من دون الإضرار بمصالحها الاقتصادية والمالية.
وتشترك كل من الصين وروسيا في مصلحة إضعاف سيطرة الدولار على النظام المالي الدولي، وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، في تقرير لها أن تداول البلدين أسهم في منح روسيا منفذًا مهمًا لبيع النفط والغاز والمنتجات الأخري دون المساس بالنظام المالي الأمريكي..حيث تظهر أحدث البيانات المتاحة، وفقًا لـ"وول ستريت جورنال" انخفاضًا بنحو 96% عن عام 2013 في استخدام الدولار في صادرات روسيا، وتسوية أكثر من نصف صادرات الصين بذات الطريقة، بانخفاض نحو 90% عن عام 2013.
.jpg)
وقد نشرت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية تقريراً رصدت فيه الخطوات المتوقعة للصين مع بدء الحرب الروسية الأوكرانية.. حيث أوضحت الصحيفة أن الصين على استعداد لدعم الاقتصاد الروسي في مواجهة العقوبات الاقتصادية التي وقعتها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي على موسكو.
وبحسب "فينانشال تايمز"، ظهرت بكين كشريك إقتصادي لموسكو خلال مواجهات بوتين مع الغرب، ليس فقط مع بدء الفترة الراهنة، بل أن الدعم الصيني يمتد من سيطرة روسيا على جزيرة القرم في مطلع العام 2014.
.jpg)
وتعد روسيا إلي حد بعيد أكبر متلقي لقروض بكين من مؤسسات القطاع الرسمي..حيث بلغ مجموعها 151 مليار دولار بين عامي 2000 و 2017، وفقًا لـ AidData، وهو مختبر أبحاث دولي في كلية ويليام وماري في فيرجينيا، وشملت تلك الديون 86 مليار دولار من الديون غير الميسرة وشبه الميسرة من البنوك الصينية المملوكة للدولة والبنوك التجارية، معظمها قروض مضمونة مقابل الإيرادات المستقبلية من صادرات النفط.
ومنذ ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، تعززت قدرة بكين على تخفيف الآثار الناجمة عن العقوبات..حيث قلل البلدان، روسيا والصين، بشكل مطرد من استخدام الدولار في تجارتهما الثنائية.