الأربعاء
10 شعبان 1439
25 أبريل 2018
01:12 ص

مـصـــر فــي ذاكـــــرة الــعـــــالـم

بقلم: حسن زايد الإثنين، 13 نوفمبر 2017 12:21 ص


من البديهات المسلم بها في مجال التاريخ ، أن الحضارة المصرية هي من أقدم الحضارات ، التي شهدتها البشرية ، بل هي أقدمها علي الإطلاق . ولا يعد دارساً للتاريخ في العصر الحديث ، منذ أن أصبح للأمم تاريخاً ، وأصبح التاريخ مادة علمية يجري تدريسها في المدارس ، من لم ينطلق من التاريخ المصري القديم دارساً. وقد أشارت إلي ذلك إحدي المتحدثات في منتدي شباب العالم ، الذي عُقد مؤخراً في شرم الشيخ ، في مصر، وإن كانت دراستها لم تتعد بضعة سطور قليلة من هذا التاريخ . والحضارة المصرية التي نذكرها ليست مجرد تواجد تاريخي عابر ، بحكم الزمان والمكان ، وإنما حضارة لها كل مقومات الحضارة ، كما جاءت في معاجم اللغة ، أو معاجم المصطلحات الحديثة ، فهي حضارة بالمعني الإصطلاحي الحديث لكلمة حضارة .
حضارة بكل مقومات الحضارة ، فقد علمت الإدارة والحكم ، والفلسفة والإجتماع ، والسياسة والإقتصاد ، والفنون والعمارة والعلوم ، وخبرت العلوم العسكرية ، والزراعة والري . والتوحيد ، والبعث بعد الموت ، والقضاء والعدل ، وعلوم الفلك . من أجل ذلك بقت آثارها الدالة عليها . وبالنظر في تلك الأثار ، ومدلولاتها ، ورموزها ، وطلاسمها ، يتبين أن مصر هي فجر الضمير البشري ، ومنبع العلوم ، ومصدر الحكمة والمعرفة ، علي المستوي القيمي المعرفي ، وحضارة لا تباري في مجال الفنون والعمارة .
وإذا كانت البشرية كلها مدينة ببنوتها لآدم عليه السلام ، وأن كل فرد يحمل في موروثاته شيئاً منه ، فكذلك نحن أحفاد الفراعنة . لاريب أننا نحمل في جيناتنا الوراثية ما ينتمي إلي هؤلاء الفراعين الأوائل . وذلك هو سر عظمة الإنسان المصري المختلف ، الذي يتفاجأ به العالم ، بين الحين والآخر ، إذ أنه دائماً مختلف ، لأنه يمثل وعاءًا واسعاً ، لمخزون حضاري ضخم ، يتفجر متدفقاً عند الضرورة ، وعند الحاجة .
ونحن لا نقول بذلك بحكم مصريتنا التي نتغني بها اليوم . وحق لنا أن نقول ، وأن نتغني . وإنما نقوله جرياً علي ما يقول به العالم عنا ، وما يتردد علي ألسنة زعماءه . فقد كانت الحضارة المصرية القديمة ، محوراً لحديث بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، والرئيس الصيني شي جين بينغ ، خلال زيارة ترامب للصين . ففي خلال جولة تفقدية ، بالمدينة المحرمة ، والقصرالإمبراطوري ، في الصين ، دار حوار بين الرئيسين :
قال ترامب :
ـ سمعت أن التاريخ الصيني يعود إلي خمسة آلاف عام .
رد شي جين بينغ قائلاً :
ـ نعم ، لدينا ثلاثة آلاف عام من التاريخ المكتوب باللغة الصينية .
فرد ترامب مستطرداً:
ـ أعتقد أن الحضارة المصرية هي الأقدم ، فهي تمتد إلي ثمانية آلاف سنة .
فرد جين بينغ قائلاً :
ـ نعم ، هي أقدم قليلاً ، ولكن الحضارة الصينية ، هي الوحيدة المتواصلة ، كل هذه السنوات ، فنحن نطلق علي أنفسنا أحفاد التنين .
فرد ترامب منهياً الحوار :
ـ هذا شيء عظيم .
ونخلص من هذا الحوار إلي الحضور المصري الحضاري في ذاكرة العالم . غير أنه قد لفت نظري في الحوار ما قاله الرئيس الصيني ، استدراكاً علي ما ذهب إليه الرئيس الأمريكي ، من أن الحضارة المصرية هي الأقدم : " نعم ،هي أقدم قليلاً ، ولكن الحضارة الصينية ، هي الوحيدة المتواصلة " . وهي لفتة ذكية ، أراد بها الإشارة إلي ما شهدته الحضارة المصرية ، من تقطع ، بسبب دخول حضارات أخري عليها ، غزواً واحتلالاً . ولكنه قد فاته ، أن ما حدث معهم من تواصل ، هو بسبب عزلة حضارتهم ، عن العالم ، وانكفاءها علي نفسها . وما حدث مع الحضارة المصرية من تقطع ، مرده كونها حضارة منفتحة علي العالم ، محتكة به ، ومتفاعلة معه ، بحكم موقعها الجغرافي ، الذي يتوسط العالم قديمه وحديثه ، فغزتها حضارات أخري .
ومع أن هذا الغزو الحضاري الخارجي مظهره يعد مؤشراً علي التقطع ، إلا أنه في حقيقة الأمر تواصل علي نحو أعمق ، فقد كانت الحضارات الغازية تذوب في الحضارة المصرية ، وتتلاشي هويتها ، وتنتهي ، ولم يبق من هذه الحضارات سوي أشباح ، بعضها اندثر بمضي الزمن ، وبعضها الآخر أصبحت دولاً لم يبق لها من حضارتها سوي الإسم فقط . أما الحضارة المصرية فظلت كما هي ، بحدودها ، وجغرافيتها ، وثقافتها ، وجيناتها الوراثية .
وإن كان للحضارة المصرية القديمة حضورها الطاغي في ذاكرة العالم ، وما ينطوي عليه ذلك من غبطة أو حسد ، فإن لمصر الحديثة حضوراً أكثر طغياناً ، بحكم حضارتها القديمة ، بكافة مقوماتها ، وقيمها ، وبحكم ما تكشف للعالم الحديث من مكانة استراتيجية لها ، بحكم موقعها الذي يتوسط العالم ، ويمثل نقطة إلتقاء القارات ، ومفصل طرق المواصلات ، وصمام الأمان للمنطقة . ولذا فإن وجودها في ذاكرةالعالم ، يمثل سلاحاً ذوحدين ، لنا أوعلينا ، فهل نحن مدركون ؟ .

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *