الأحد
09 صفر 1440
21 أكتوبر 2018
01:22 ص
محاولة للفهم

أكتوبر .. وذكري رئيس تحرير محترم

رياض سيف النصر
رياض سيف النصر
الخميس، 11 أكتوبر 2018 12:36 ص

لا يمر عليّ يوم 6 أكتوبر من كل عام. دون أن أتذكر أبطال القوات المسلحة الذين أنقذوني من حالة اليأس التي أصابت المصريين عقب هزيمة يونيو وكادت تفقدهم الأمل في أن الانتصار علي العدو يمكن أن يتحقق وسط حرب نفسية شرسة شنتها إسرائيل لتزرع اليأس في نفوس المصريين. 
تغيرت الصورة بعد انضمامي لصفوف القوات المسلحة عقب القرار الرائع للفريق فوزي بتجنيد أصحاب المؤهلات العليا وتوزيعهم علي الهيئات وفق تخصصاتهم. 
وتم توزيعي علي إدارة التوجيه المعنوي لأحصل علي فرقة مراسل حربي وأساهم مع زملائي في إصدار صحف الإدارة ومجلاتها. 
وكان علي رأس "الجمهورية" ضابط وطني مثقف هو مصطفي بهجت بدوي الذي كان حريصا كلما حضرت إلي الجريدة في احدي اجازاتي ان يستفسر عن أحوال المقاتلين ومعنوياتهم وكان يشعر بسعادة غامرة عندما أحدثه عن الكفاءة القتالية والمعنويات المرتفعة للمقاتلين. 
ويحسب له انه وجهني بالاهتمام بالكشف عن الجوانب الانسانية للذين لم يغادروا مدن المواجهة.. لأنها تدخل إلي قلوب الناس ولا ينسوها. 
قدمت له مجموعة من الصور كانت احداها عن مواطن سويسي اسمه سيد شراب كان يعمل عربجي حنطور.. سقطت دانة من قذائف العدو وقتلت حصانه.. وقدمت صورة قلمية لهذه الواقعة.. كتب عنها رئيس التحرير: 
كانت أول حلقة من حلقات ناس من مدن المواجهة هي بالذات التي لفتتني وحضرتني وما كدت أتابع قراءتها وانتهي منها حتي وجدتني مبهوراً كأن وقع عليّ كنز ثمين!! 
ولم أكتف بأن تخصص له الصفحة التحريرية الأولي إنما حرصت إلي أن أوجه نظر القارئ باشارة عريضة في الصفحة الأولي وحتي هذا لم أقتنع به انما حبا في كل كلمة خالصة لمصر وذات رسالة كنت لم أدع زميلا التقي به إلا وأدعوه ان يقرأ ناس المواجهة. 
وتلك بعض الصور من ناس من مدن المواجهة. 
* في يوم الأربعاء 30 يناير.. اليوم التالي لانسحاب القوات الإسرائيلية. أحس الدكتور محمد أيوب مدير الشئون الصحية بالسويس بدوار مفاجئ نتيجة ارهاقه طوال أكثر من ثلاثة أشهر.. وعندما قام أطباء المستشفي بمحاولة اسعافه.. قال لهم مبتسما: 
- الحمد لله.. أنا راضي عن نفسي. 
ثم سكت إلي الأبد.. شهيد الواجب. 
عين الدكتور أيوب مديرا للصحة في السويس في شهر نوفمبر عام 71 ومنذ هذا اليوم وضع في خطته توفير الظروف التي تناسب مدينة مقاتلة. 
وفي شهر يوليو.. قبل ثلاثة أشهر من نشوب القتال.. قام الدكتور محمود محفوظ بزيارة السويس.. وأبدي اعجابه بالمستشفي وإدارتها ولكنه فوجئ بالدكتور أيوب.. يعلن عدم رضائه الكامل. 
لماذا؟ 
- المستشفي- يا سيادة الوزير- في ميدان قتال ولا ينبغي ان تغيب هذه الحقيقة عن أذهاننا. 
واستجاب الوزير وأصدر قرارا باستكمال كل معدات المستشفي لتتناسب مع وجودها في ميدان القتال. 
كان لأيوب الفضل الأول في توفير الغذاء للمستشفي طوال الأيام المائة.. وأروع ما في هذا الرجل انه كان مؤمنا بأن المعركة آتية لا ريب فيها. 
وقصة أيوب تحتاج إلي كتاب وليس مجرد مقال. 
* الممرضة الشابة حسنة محمود.. كانت من أجمل بنات الإسماعيلية.. وأكثرهن طيبة وصفاء.. وكان وجودها بالمستشفي يخفف الكثير من الآلام عن المصابين من أهلها واخوتها أبناء المدينة وكانت تعمل كل يوم في المستشفي حتي ساعة متأخرة من الليل.. ترعي المصابين وتعيد إليهم الأمل في الشفاء بابتسامتها المتفائلة. 
وفي احدي الليالي كان القصف شديدا علي المدينة.. تأخرت البنت وشعر الأب بالقلق. اتجه رغم القصف إلي المستشفي ليصطحبها إلي المنزل.. استبقته حتي تمر علي المرضي وقد اعتادت ان تسألهم عن احتياجاتهم.. وتحضرها لهم كل صباح. 
وفي طريق العودة اشتدت الغارات.. وأخذ الأب ابنته في أحضانه محتميا بحائط قريب.. ولكن قذائف العدو لا تعرف الرحمة.. استشهد الاثنان معا بقذيفة واحدة وقد خلدهما ابن الإسماعيلية جلال هاشم في تمثال صنعه من الشظايا القاتلة.. وكل شظية من التمثال تروي قصة شهيد أو أكثر من شهداء الإسماعيلية. 
ويحسب لـ"الجمهورية" انها رحبت بفكرة التمثال عندما وصلتنا رسالة جلال ونشرت في باب "رأي القاعدة الشعبية".. وتحمس لها أبناء المدينة.. ونجح جلال في اقامة التمثال الذي يسجل أسماء الشهداء.. ويروي قصتهم. 
* فهيمة عمران.. لا يوجد أحد في المدينة لا يعرفها. فقد كانت تجوب شوارعها في كل الأوقات.. لا تفرق بين الليل والنهار لا تتحدث مع أحد.. ترفض الصداقات.. نسجت حولها الأساطير. 
أحد المعمرين يقول انها كانت ثرية وقعت في حب موظف تنازلت له عن ممتلكاتها ليديرها.. سرقها وهرب مع خادمتها وفقدت المرأة صوابها. 
وخلال معارك يونيو أنقذها القدر أكثر من مرة كانت الدانات تتساقط بالقرب منها دون أن تصيبها.. زادت هذه الحوادث من نسج خيوط الأسطورة. 
وعندما بدأت عمليات التهجير فشلت كل المحاولات في اقناعها بمغادرة السويس.. جلست وسط الشارع وظلت تصرخ بصوت أفزع الرجال الذين كانوا يحاولون حملها للقطار اشفاقا عليها.. فاضطروا ان يتركوها لحالها. 
وفي يوم 6 أكتوبر.. لم تدخل فهيمة ملجأ.. كانت تجوب المدينة كعادتها.. اصابتها احدي الشظايا.. ففصلت ساقيها.. وسقطت وسط الشارع مغشيا عليها.. وكانت أول مصابة في المدينة تدخل مستشفي السويس يوم 6 أكتوبر.. وذهب بدوي الخولي محافظ السويس لزيارتها في المستشفي.. سألها.. عايزة حاجة يا فهيمة؟ 
- ردت .. سيجارة. 
قدم لها المحافظ سيجارة.. أخذت منها نفساً عميقاً وسكتت إلي الأبد. 
وكانت فهيمة عمران أول شهيدة في السويس يوم 6 أكتوبر. 
* لوقا متي ملاحظ بلوك قطارات الأربعين بالسويس. رفض أن يغادر المدينة بعد قرار التهجير. وقال: لن أغادرها حتي يعود القطار. 
لم تتغير عاداته رغم مرور الشهور والسنين. يستيقظ مبكرا ليحتل موقعه عند بلوك الأربعين حاملا الراية الحمراء حتي يقبل المساء فيعود إلي منزله ولكنه سرعان ما يستعيد الأمل مع كل اشراقة شمس ليحتل موقعه عند البلوك في انتظار القطار. 
وفي ليلة 22 أكتوبر 73 حذر ميكرفون المسجد من أن دبابات العدو علي مشارف المدينة ولم تتوقف الطائرات عن القصف لم يعبأ الرجل بالتحذيرات واتجه إلي البلوك كالعادة. 
وفي دفتر أحوال السويس.. سجل انه في اليوم الثالث والعشرين من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين استشهد لوقا متي ملاحظ بلوك الأربعين. 

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *