الإثنين
10 صفر 1440
22 أكتوبر 2018
09:36 ص

فــعل الــثقافــة

محمود عثمان
محمود عثمان
بقلم - محمود عثمان الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018 11:03 ص

يعد العالم الامريكى Peter Drucker المرشد والمؤسس لدراسة الادارة إنعكاسا لحياتة ومهنتة. فقد ولد فى فيينا لأب دارس للقانون وأم طبيبة فى بيت يلتقى فيه العلماء والمهنيين لمناقشة الافكار الجديدة ومنهم الاقتصادى الالمانى joseph Schumpeter  وقد حصل على الكتوراة فى القانون من جامعة فرانكفورت وعمل كأقتصادى فى البنوك ومحرر أقتصادى فى لندن .

وفى عام 1937 هاجر الى الولايات المتحدة وهناك عمل بشركة جنرال موتورز ثم انتقل الى العمل الاكاديمى والاستشارات وقدم العديد من الاسهامات والافكار العلمية . 

ومن ارائه culture eats strategy for breakfast. ببساطه الاستراتيجية  تعنى رسم وإدارة المستقبل وهى تحدد أتجاه المجتمع سواء كان شركة أو دوله وتوظف وتنسق ادواته لتحقيق اهدافه. أما الثقافة فهى تعنى ما يعتقدة الناس وكـيف يفكرون وكيف يتصرفون .وتكاد تجزم تلك العبارة بأن الثقافة الموجودة وهى نتاج الماضى وتشكل الحاضر – سوف تشكل خطرا على أية توجهات مستقبلية وتشل فاعليتها مهما كانت منفعتها اذا كانت لا تتفق معها وتلقى تأييدها.



يعد مجال الاقتصاد التحدى الاول للمجتمع المصرى والأمر يتطلب التشخيص قبل القفز الى الحلول. فى العصر الحديث عاصر المجتمع المصرى ثلاث تجارب اقتصادية بدأت بمشروع طلعت حرب لإقامة مشروعات صناعية وخدمية لمنافسة الاجنبى  تلاها تجربة التأميم وملكية وادارة الدوله للنشاط الاقتصادى واخيرا الانتقال الى الخصخصة وبيع شركات القطاع العام وبالطبع المربح منها ويجدر الأشارة الى أن الانتقال من تجربة الى اخرى يتضمن بدايات جديدة تخالف سابقتها وهو ما يهدر ثروة المجتمع ومعرفتة الفنية والادارية وذلك مقارنة بالشركات فى الدول المتقدمة والناشئة والتى نشأت واستمرت على نمط واحد مما أتاح لها إستقرار الادارة واستمرار التطوير والتواجد والمعرفة بالسوق .

وكانت النتيجة ان موازنة 2017/2018 تضمنت تكلفة الأجور الحكومية 240 مليار جنيه والدعم 332 مليار جنيه فاتورة بقاء الأغلبية على قيد الحياة الهامشية.

أما المخزون الأقتصادى الشعبى فأنه يوجد تناقض بين الأولويات التى تعالجها الدولة والسلوك الانفاقى للأفراد فعلى سبيل المثال دعم السلع التمونية 41 مليار جنيه يقابله أنفاق سنوى على المحمول 35 مليار جنيه ، وإنفاق الرياضة على الأندية والمنخبات (1) مليار جنيه وهناك حاجة لأن تصل الى (2) مليار يقابلة إنفاق 128 مليار جنيه على التدخين والمخدرات.

إن لجوء الدولة إلى الدين لسد العجز بين الأنتاج والإستهلاك والذى وصل الى إلتهام 40% من الموازنة الجديدة .. وإنما هو تشجيع متجذر للأتكاليه وترسيخ لثقافة الاستهلاك بدلا من ثقافة الأنتاج .


وكنتيجة لاداء الأقتصاد والسلوك لم يتبقى القدر الكافى من الاموال لتمويل مشروعات البنية التحتية أو الاأستثمار فى عملية الاحلال لشراء أجيال جديدة من التكنولوجيا والالات لما تبقى فى ايدى الدولة من مصانع وشركات القطاع العام .. تلك التى كانت قد تحملت فاتورة إعادة بناء وتسليح القوات المسلحة وخوض حرب 6 اكتوبر 1973.

ومن ناحية الثقافة فإن كل تجربة اقتصادية سبق الاشارة اليها تصنع بيئة مختلفة بالاعبين جدد أدركوا الفرصة وقاموا بإقتناصها ، وهم عادة القلة على حساب الاكثرية فى كل عصر. وفى ذلك يرى د. مصطفى الفقى أن الناس فى عصرنا الحالى يتعاملون من منطق المصلحة وليس الأخلاق وأقتناص الفرص وإنتهاز اللحظة على حساب القيم والمبادئ بل والتقاليد.

كنت قد أتممت دراسة مقارنة على الثقافات ووجدت أن القيمة المهيمنة على الثقافة الغربية هى (الفردية) وفى اليابان (الجماعية) وفى منطقتنا العربية ( الأبوية) . ولعقود تولت الدولة السلطة الابوية بالتوظيف دون الربط بالحاجة أو الكفاءة أو العائد منه . بل وسمحت بتوريث الوظائف والمهن.


ومن ذلك التشخيص الموجز يمكن أن نستخلص أن المشكلة الإقتصادية ليست فى نقص المال إنما هى فقر فى الثقافة، وهى ثقافة تختفى فيها الرؤية والاولويات ،وتعايش الناس مع التناقض بين الواقع والمفروض ، واللجوء الى منطقة مريحة تؤجل فيها المشكلات وأيضا الطموحات.
ويبقى ماذا بعد؟ ومن أين نبدأ؟

يعلمنا التاريخ أن حضارات قديمة وحديثة إمتلكت التقدم والهيمنة .. ولكن على الأمم أن تدرك أن الحضارة ما هى إلا الانتاج المادى للثقافة.. أى أن الحضارة هى فعل الثقافة.

فى التغيير قدمت الادارة ثلاث نظريات تبدأ بالتطوير التنظيمى O.D. وهو يركز على تطوير السلوك لمقابلة تغيير أو مشكلة معينة ، والإنتقال Transition وهو المضى فى التغيير المادى مع بقاء الثقافة الموجودة، والتحول Transformation وفيه يتم التغيير المادى وتغيير الثقافة أيضا وهو ما ينطبق على دولة مثل مصر حيث يكون تغيير الثقافة شرط للإنتقال من وضع حالى إلى الوضع المرغوب.

وتغيير الثقافة يكون بقبول التجديد والبحث فى التراث واستدعاء تجارب ناجحة ووضع اليات مادية ومعنوية للتخلص من المماراسات السلبية.

أشارت منظمة التعاون والتطوير الأقتصادى OECD (34) دولة فى تقريرها عام 2008 الى تغيير الثقافة من جانب الحكومات يتم وفق عدة عوامل هى التمكين والحوار والتركيز على الاداء والتداول والثقة فى القيادة.

الثقافة التى تقوم على التمكين هى المضاد للثقافة التى تقوم على التهميش، وتعريف التمكن Empowerment " هو جعل شخص ما أقوى وأكثر ثقة خاصة فى التحكم فى حياته والمطالبة بحقوقه" ، ويمكن أن يتحقق التمكين بالمساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات و الأهم المساواة فى الفرص. والنقطة الثانىة هو إستفادة الفرد والمجتمع من تلك الفرصة من خلال التعليم حيث يشترط نجاح التمكين أن يكون المستوى العلمى للفرد يتساوى مع المهمة المكلف بها وليس أقل منها وإن يكن يفوقها . والثقافة الاسلامية تنشد العلم النافع وطلب العلم من المهد الى اللحد وما أصطلحته الادارة بالتعلم التنظيمى  Organizational Learning  . إن التمكين يعزز دولة المساوة ويمنع التوريث والواسطة والمحسوبية وهى أمراض أصابت ثقافة المجتمع من قاعدته.

النقطة الثانية هى الحوار وهى تضمن مشاركة الفرد فى التعبير عن رٍأيه فى أمور تخص حياته ومجتمعه، ويعد الإستماع أحد مهارات القيادة والذى يحقق الايجابية فى الحوار هو إحترام وتنفيذ الحكومة لنتائجه، وبالحوار أيضا يمكن الشعب من معرفة الظروف الحالية والمستقبلية . وهو ما يمكنه من معرفة حقائق معها يتقبل صعوبات معيشية يومية.

ونفذت مصر عدد من التطبيقات مثل جلسات حوار للسيد الرئيس مع الشباب والإلتقاء مع المفكرين Think Tanks بما يحقق مزج بين المعرفة والحقائق من مصادرها، وهو نجح ايضا فى التوزيع الجغرافى .. ولكن ينقصه مشاركة شرائح أخرى من الشباب من حيث المهن والظروف.

النقطة الثالثة هى التركيز على الأداء فى الثقافة الحالية ، قياس الاداء بداية من وضع معايير الاداء وقياسه وتقييمه والمحاسبة على أساسه يكون صوريا . ولا يوجد مشاركة من متلقى الخدمات الحكومية .. وإذا كانت الدولة تقر بوجود بطالة مقنعة .. فإنها لو استخدمت قياس الاداء لتعرفت على وجود هيئات وشركات قطاع العام يتحمل المجتمع فاتورتها ولا يوجد دور أو عمل حقيقي لها. ويتطلب الأمر رصد البطالة المقنعة ليس من القاعدة بل من قمة الهرم يلزم أن يكون لكل هيئة أو شركة مهمة Mission تعبر عن دور حقيقى فى المجتمع وسبب وجودها.
النقطة الرابعة هى تداول السلطة ..فى الثقافة الحالية يكون الإهتمام بالأشخاص وليس الأفكار والتوجهات .. أرى أن تداول السلطة يرتبط فى الأساس لوجود أحزاب قوية فى المقابل يوجد عدد كبير من الأحزاب لا يوجد لها حضور فى الشارع ومعظمها غيرمعروف اسمها أو أفكارها للمواطن العادى. والأمر ربما يتطلب الرجوع الى المنابر التى تكونت منها ثلاثة احزاب فقط متباينة أيام الرئيس الراحل السادات.

النقطة الخامسة هى الثقة فى القيادة وتتحقق بإدراك المواطن لرؤية وكفاءة ونزاهة القيادة. والمتابع لوسائل التواصل الاجتماعى سوف يجد متشددين مع وآخرين ضد القيادة السياسية وكل له اسبابه وحجته، ولكن يبقى تمويل المصريين شراء اسهم قناة السويس الجديدة بقيمة 68 مليار جنيه فى ثمانة أيام هى المعيار الحاسم حتى الإنتخابات القادمة.


                                     
                                        
                                                           




اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *