الأحد
11 محرم 1440
23 سبتمبر 2018
09:38 م

امة لا تنافر بين الفكر الثقافي والفكر الديني

37932902_2122451978033137_2803131747426893824_n_002
بقلم / محمد اسماعيل الأحد، 16 سبتمبر 2018 03:00 م

يثير حفيظتي جدا هذا التنافر العجيب والمصطنع وربما متعمد بمنهجية بين الفكر الديني والفكر الثقافي. فينظر رجل الدين الي المثقف علي انه ذكي مفتون بما يقرأه من كتابات غير المسلمين التي تحوي السموم العقدية والشبه الباطلة التي يأتي بدوره لينشرها ويتكلم عن جهل في دين الله دون تحقيق بعدما خدعته عقليته ....

وينظر المثقف لرجل الدين علي أنه مسخ لأناس قد ماتوا من مئات السنين جاء بما من المفترض أنه قد مات معهم من القضايا والأفكار والآراء بل وطريقة التفكير... وأنه مجرد ناقل ببغاء جامد العقل متخلف رجعي يريد أن يعيدنا لعصر السيوف والجمال والبيع بالمقايضة وسوق النخاسة!! في الوقت الذي يروجون فيه بأن باب الاجتهاد قد أغلق وما علينا وسط هذا التقدم الهائل والحياة التي تغيرت كلية عن السابق في عهد الأئمة والتطورات التي طرأت علي الناس وكل هذا ليس علينا الا ان نطبق فقه من ماتوا والذين لو كانوا أحياء في هذا الزمان لغيروا من آرائهم كثيرا جدا... من خلال التعمق في عقول اولئك الأئمة ستجد فيهم عقلا يسع فلاسفة يونان ولم يكن أبدا فكرهم حائلا دون حياة مجتمعية أفضل بالعكس لقد قدموا مااستطاعوه وما لو عدت لوجدت المسلمين أفضل حالا مما هم عليه في زمن التقدم وقرون التكنولوجيا والشبكة العنكبوتية...

لكن العيب فيمن يترك استخدام العقل علي نهجهم ليفكر ويجتهد معتبرا بالواقع الذي يعيشه هو لا مايعيشوه هم!!! وتري البعض ينادي بتطبيق نفس ماطبقوه علي أساس أنه الضامن الاوحدلحياة أفضل والدليل هو أن تقارن بين الأجيال وتلك حججهم!!! وهنا سقط البعض في فهوة عظيمة تشبه فوهة بركان وهي :

أولا.. بدلا من أن تستغل العقل لتطويع النص للواقع أردت أن تطوع الواقع للنص وهذا قمة التخلف العقلي واللامنطقية .

ثانيا... لأنك لم تفكر كيف كانوا يفكرون ويجتهدون فتجتهد علي دربهم بالأخذ في الاعتبار اختلاف العصرين وما طرأ علي الناس ورحت تنقل قصا ولصقا والحجة أن باب الاجتهاد مغلق وأن ضمان الحياة السوية في ظل الاسلام هو أن نفعل مثلما فعلوا ونعيش مثلهم... وحتي يتبين لك دليل ذلك انظر الي الثياب والزي الذي يرتديه كل هؤلاء وكأنها فرقة سقطت من القرون الأولي تثير غرابة من يعيشون الواقع .

رغم أنني لست أدري ما السر وراء تمسكهم العجيب بهذا الزي حتي راحوا يحتقرون من يرتدي ثيابا خلافه حتي وان أعطي علم الأولين والآخرين ؟! رغم انه ليس للاسلام زيا محددا!!!!

ثالثا... صدرت صورة سيئة لهذا الدين العظيم وأكرر رغم أنوف الحاقدين بأنه دين عظيم معصوم حتي وان شوه المسلمون دينهم وصدروا الصور السيئة مثل التطرف والارهاب والجمود والدعوي الي التخلف واقصاء العلوم التي تختلف في بعض مضامينها مع الاسلام خاصة الفلسفة واقصاء كل ماهو مختلف حتي اللفظة المختلفة دون النظر في المعني... فلا عجب ان ينظر المثقف إليك تلك النظرة وعنده حق!! وأنت بدورك ستنظر إليه انه زائغ العقيدة لمجرد مظهره أو أسلوبه حتي وان لم يظهر ما يدل علي ما ظننته فيه... ستدعي أنك تعلم الغيب وستنتظر سقطاته التي ولابد!!! هذه وجهة نظرك وتلك وجهة نظره ويضيع المجتمع والأجيال معها بسبب وجهات نظر مصطنعة فيها ادعاءات كثيرة زائفة ....

فالمنافرة بين الفكرين مدمر للمجتمع ومفسد للقلب والعقل... ستجد رجل دين مثقف يحترمه الجميع لأنه أصاب الهدف الصحيح فقرأ الدين والعلوم الأخري لكن هل سيسلم من رجل دين آخر لا يري الا الآية والحديث وأقوال مأثورة كما لو كانت أقوال أنبياء ربما أصحابها أصحاب زهد وورع في زمن يصلح فيه الورع وهنا سؤال جانبي : هل زماننا يصلح الورع فيه ؟!!!!! فكر جيدا. الفكر الديني يلقي بروحانياته وأخلاقياته ويحسم قضايا مهمة لا خلاف فيها مقطوع بها فلا مجال للفلسفة في كنهها أعترف بذلك....

الفكر الثقافي يضفي عليك اتساعا في مدارك العقل وسعة في الفهم وقوة في الإدراك ولباقة في العرض ويهيئك للحديث المنطلق من الفكر الي الفكر ومن العقل الي العقل.. فكتابات العقاد وخالد محمد خالد ومصطفي صادق الرافعي وبنت الشاطيء ومصطفي محمود وطبعا مع حفظ الألقاب وغيرهم الكثير لا شك قد انتصرت لقضايا وشخصيات اسلامية!!!!! حتي لو لم تكن من علي منبر في مسجد او محاضرة من صاحب لحية وجلباب مع الاحترام لكل شعيرة اسلامية حتي وان كانت من فعل النبي كعادة قومه او كإنسان او كابن لبيئة لها عاداتها وتقاليدها.... طالما فعلها خير البشر لكن لا ينظر اليها علي أنها أصل من أصول الدين بها يتميز المسلم عن المؤمن!!! نريد عقلا واعيا.... نريد مسلما يعيش حاضره لا حاضر غيره... يعيش واقعه لا واقع غيره..... فالدين ارتضاه الله لأن يكون صالحا مصلحا لكل عصر ومكان الي يوم القيامة...

فكيف لو كان الدين جامدا أن يصلح لواقع متغير ؟! وكيف لو كانت الشريعة كلها قولا واحدا بلا خلاف واجتهاد أن تنفع وتصلح لكل الخلق مع اختلافهم جزريا في كثير من شئون حياتهم ؟!! فالداعي الي ان نطوع المتحرك للثابت هو لا شك متخلف جامد اذ يريد للمتحرك أن يثبت للنص.....رغم حكمة المشرع اقتضت ان تكون الشريعة غالبيتها بأدلة ظنية الدلالة تختلف فيه الرؤي والأجتهادات ولكن الحق هو ان تبحث عن جديد في دينك المتجدد دائما ليواكب العصر... ربما رأيا شاذا في عصر هو الوحيد الذي يصلح لعصر وزمن اخر او لجماعة اخرين وهنا لا منافرة بل صلح دينهم لحياتهم دون صدام مع مصالحهم وهذا موجود بالفعل... فآراء ابن تيمية في الطلاق كانت شاذة وحورب عليها وسجن في عصرة لأنها كانت شاذة ثم جميع الحكومات العربية تعمل بها في قوانينها الآن...غير ان شذوذ الرأي شيء نسبي لا مطلق! فما كان يراه المجتمع المالكي بنقض الدم للوضوء وعليه فالصلاة باطلة هو عكس ماكان يدين به المجتمع الشافعي بان الدم لا ينقض الوضوء مثلا والأمثلة كثيرة جدا. فكل ذلك نسبي ليس مطلقا ولو أراد الله بان تكون الشريعة قولا واحدا لا تحتمل ادلتها أي اجتهاد مثل العقيدة المبنية علي أدلة قطعية الدلالة لفعل ولرفع الخلاف... ولكن الحكمة ان يقع الرأي علي حال السائل في مجتمع أو عصر فيكون صالحا له


فيكون صالحا له في الوقت ربما لا يكون صالحا لغيره ومن هنا فلا يصطدم الدين مع المصلحة العامة ولا يصطدم النص الصحيح مع الواقع الصريح. وأيضا دعوة الدين للمواطنة وتقبل الاخر وعدم اقصائه علي خلفية عقدية من ممارسة حقوقه التي يكفلها له الحق الطبيعي... والأدلة كثيرة تحتاج لعاقل منصف ومايعقلها الا العالمون هذا بالنسبة للفكر الديني .

اما بالنسبة للفكر الثقافي فالثقافة هي الطاقة المحركة لتاريخ اي مجتمع في اطار جغرافية وجوده لانها تحوي المخطوط والمحفور والمكتوب والمرسوم والمقول ليشكل هوية المجتمع وتاريخه الدال علي خصوصيته وتحديد رؤيته للعالم كله...

ويقدم الفكر الثقافي تلك الفنون التي ترسم نظم قيم المجتمع وانتماءاته ونظام وجوده ولذا فالفكر الثقافي لا يهمل جانب الفن والعمل علي انتاج تراث مميز لهذا المجتمع ودوافع وسلوكيات أبنائه وانتاجاتهم المكونة لحضارة لها نسق خاص بين الحضارات. فلكم ان تتخيلوا امة لا تنافر بين الفكر الثقافي والفكر الديني بل توحدهما للنهوض بعمل سديد ؟! لا شك ستكون امة مميزة وتصدر صورة مشرفة لدينها بدلا من تلك الصورة القاتمة. اصلح الله العرب والمسلمين ورزقنا جميعا الوعي الدقيق والفهم العميق والسلام.

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *