الجمعة
09 محرم 1440
21 سبتمبر 2018
07:17 م

العلماء والثقافة العلمية

د. صالح شمس الدين إسماعيل-فيينا
د. صالح شمس الدين إسماعيل-فيينا
الخميس، 16 أغسطس 2018 02:22 م

 
العلماء العرب عليهم مسئوليات جسام، ليس فقط اتجاه أعمالهم ونشاطهم العلمي، ولكن أيضا مسئولياتهم الاجتماعية نحو الجماهير والشباب العربي.  تحديات كبيرة لنشر الثقافة العلمية لتصبح إحدى ركائز الشخصية العربية، فكرا وتطبيقا، ولا يجب أن يترك العلماء العرب هذه المسئولية فقط للإعلام أو الوزارات التي تعتبر نفسها معنية، ولكن عملهم على الأرض في مجموعات صغيرة، بالمدارس والجامعات والمحليات والجمعيات ونقل الخبرة وفتح مناقشات واجب، وهذا النشاط لا يحتاج إلى أموال أو  أمور معقدة تنظيمية، ولكنه يحتاج فقط الشعور بالمسئولية والرغبة بالعمل العام. العمل المنظم من قبل الوزارات شيء جيد ولكن للأسف له قوانينه، ونادرا ما تجد المبادرات الشخصية الجيدة فرصة، وان وجدت فلا توجد استمرارية لها، ولذلك وجب العمل الجماعي  أو الفردي المباشر المستقل. لا يعقل مثلا انه يوجد جامعة على الاقل بكل محافظة مصرية، وقصور الثقافة تحت إشراف الدولة بإمكانيات كبيرة، وأساتذه الجامعات والعلماء والمعلمين لا يقدمون  أي نشاط مجتمعي مؤثر لنشر الوعي العلمي والصحي وبصورة مستمرة أسبوعية. بسطوا العلوم  بكل فروعها، تناقشوا مع الشباب خارج أسوار الجامعات والمدارس، ادفعوهم للابتكار والتطوير والاختراعات، وجزاؤكم عند الله. مصر ستكون مصر، لو علمائها أدوا واجبهم المجتمعي. بلا شك يوجد من يعمل ويجتهد من العلماء، ولكنها نماذج فردية قليلة في الوقت الذي يزيد فيه الفقر وأصبحت الثقافة بمصادرها ترفا لا يقدر عليه الا القادرون. أتذكر أنني بمنتصف السبعينات عندما كنت مسئولا عن الاشراف على النشاط الطلابي استعنت بمخرجي العروض المسرحية بقصر الثقافة لتدريب مجموعة من طلاب كليتي العلوم والتربية بأسوان لإنشاء فرقة مسرحية وفنون شعبية، وأقمنا شهريا حفالات راقية، فكان ذلك تفاعلا راقيا وتعاونًا مثمرًا. الآن لو عاد بي الزمن لفعلت الشيء نفسه، ولكن مع إقامة العروض بالحدائق العامة لأكون وسط الجماهير ويشعر الطلاب بحجم العطاء الحقيقي بالتلاحم المباشر معها. 

أتذكر كلمات أستاذي بروفيسور كامل شريف رحمه الله، هذا الرجل الذي وضع أساس جامعة أسوان وكان أول رئيس لفرع جامعة أسوان، وحفر في صخور الجرانيت بأظافره حتى وضع لبنة هذه الجامعة وأصبحت الان صرح ذات ثمانية عشر كلية، عندما قال يوما لي في منتصف السبعينات، اذهب واسكن بالمدن الجامعية وسط الطلاب، سأعطيك غرفة هناك لتكون مشرفا مقيما بينهم، حتى اذا احتاجوا شيئا في أي وقت تكون بجانبهم، كان يوم عملنا لا يقل عن ثمانية عشر ساعة، هكذا بنينا من لا  شيء جامعات إقليمية بصعيد مصر بهذه الروح، أين هي الان روح البناء من أجل مصر مع وجاهة المناصب وأموال الصناديق الخاصة، بل أين الوفاء لعظماء هذة الأمة بمجال التعليم والتعلم العالي والبحوث، للأسف لم أجد اسم كامل شريف على أحد شوارع المحافظة تخليدا وشكرا، انحنوا امام من بنى، ليكونوا عبرة لشباب اليوم وما أحوجنا لذلك. 
من ناحية أخرى، فإن تواجد العلماء حول الشباب وهم في مقتبل العمر مهم جدا. أتذكر مثلا أنني وبفضل مكتبة قصر الثقافة بأسوان والتي قرأت معظم كتبها حتى وصلت الثانوية العامة، وكان ذلك أحد الدعائم الثقافية والعلمية الرئيسية لي حتى الان،  لو كنت وجدت من أناقشه حينها فيما قرأته لكنت سرت في طريق مختلف تماما عما عليه الأن، فقد استهوتني العلوم الفلسفية والنفسية وقرأت أمهات الكتب العلمية المترجمة الخاصة بها، وكانت تحتاج إلى مناقشة مع من لديهم خبرة أكثر وعلم لأستوعب أبعادها، ولم أجد حولي من يرشدني. والحق يقال، معلمة علم المجتمع بالمرحلة الثانوية طلبت مني التخصص بالجامعة بالعلوم الإنسانية والأدبية وليست العلمية، بينما مدرس علوم الأحياء وعدني بما أريد من كتب جامعية على حسابه الخاص اذا تخصصت بعلوم البيولوجي، ولكني بالنهاية تخصصت بعلوم الكيمياء نتيجة لقراءتي كتاب بواتق وانابيب المترجم، فكان له أكبر الأثر، وفي منتصف العمر اكتشفت أن الطريق المثالي لي ربما كان التخصص بالطب النفسي وجمعت معه علوم المجتمع والبيولوجي والطب والكيمياء تحت عباءة واحدة.  الشركات والهيئات والمتخصصون في أوروبا ينظمون فعاليات للشباب وهم بالمدارس لتوضيح الأمور وارشادهم على اختياراتهم للدراسة بالجامعات طبقا لامكانياتهم الذهنية ورغبتهم ومستقبلهم، وليس كومبيوتر التنسيق، هذه هي كارثة نظام التعليم المصري، ليست المناهج والكتب التي يصرف عليها مليارات، بل هيكل التعليم والمعلم. أحيانا نفقد بصيرة إدارة الأمر من أجل تنمية حقيقية، ونتقن فن إدارة تصريف الأمور لحلول وقتية . للأسف فلسفة التعليم خاطئة تماما، وقد استمعت لوزير التعليم بمؤتمر القاهرة في يوليو وهو يعرض خطة الوزارة والتقدم في اعداد الكتب الدراسية، كلام جميل ولكنه لا يحل مشكلة التعليم طالما أساس العملية التعليمية وهو المعلم مازال يشعر بعدم تقديره المعنوي والمالي، فحسابات الأرقام وأعباء الميزانية لا دخل لها بفلسفة نظام التعليم، هكذا أعتقد.


 
علماء الخارج مسؤوليتهم عظيمة لما أعطاهم الله من علم وخبرة دولية، ونماذج رائعة لتفاعل المؤسسات مع الأطفال والشباب. لا تبحثوا عن أشياء منظمة، العمل المجتمعي في مصر لا يحتاج إلى وزارة الهجرة أو غيرها من وزارات وأمور غريبة تتحكم في أعمالها وطرق اختيار من يشارك معهم، وتلقبهم بالعلماء، وإعلام يبحث عن أباطرة النصب الدولي من مصريي الخارج لزوم التلميع وردّ الجميل أو السيطرة، شيء مضحك، ولكن تواصلوا بأنفسكم مباشرة. 
علماء مصر بالداخل والخارج بخير والتعاون بينهم مطلوب ليس فقط داخل أسوار الجامعات ومراكز البحوث، ولكن على قارعة الطريق بالمدن ومراكز الشباب بالقرى أيها السادة الافاضل أكرمكم الله. كل ما أطلبه من الاعلام وأهل الخير هو إلقاء الضوء على المجهودات المجتمعية الفردية وليست الوزارية للباحثين والخبراء لتكون مثلا وقدوة، وتخصيص بعض الجوائز أو التقدير المعنوي، على الأقل لتقليل مساحات الطبل والزمر  بشيء مفيد على صفحاتكم لإحياء الثقافة الجماهرية العلمية. الفيسبوك يجب ألا يكون له السيطرة فلن تنهض أمم ثقافتها دردشة الكترونية، فنبض العروض الموسيقية  والمسرحية والشعرية ليس يوتيوب، ولا تستطيع قراءة كتاب أدبي أو علمي على صفحات الفيس، أما  روافد الثقافة الحقيقية  فليست ولن تكون إلكترونية فالثقافة الإلكترونية مثل فن اليوم ممثلين وممثلات ومغنيين اختفت وجوههم الحقيقية وراء أقنعة جراحات  التجميل فأصبحت أعمالهم  نصوص بدون تعبير وروح ليس له قيمة فنية. 
وعجبي

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *