السبت
08 صفر 1440
20 أكتوبر 2018
05:52 ص
خارج الصندوق

الحبيب المأمول .. وحديقة الذكريات

صالح إبراهيم
صالح إبراهيم
الإثنين، 13 أغسطس 2018 12:31 ص


دعونا نتفق علي أن الحب. ذلك الكائن الملائكي الذي يتنافس علي وده كل البشر.. لا يوجد وقت محدد ليدق بسهمه قلوبنا.. يعلمنا بقدومه.. يأتي دائماً ــ مرحباً به ــ علي غير موعد.. أو مساحة زمنية للبقاء.. ولكن بيدنا وحدنا استمرار التواصل معه.. حتي بعد رحيل الطرف الآخر.. لأنه يتجسد في استكمال الطرف الباقي لهدف مشترك.. بناء في الأسرة يدعم الحصاد.. ومهما أحاط المرء قلبه وعقله وكيانه بسياج فولاذي.. لا يستطيع أبداً منع حدوث الحب من أول نظرة.. مستطيعاً بقوسه الصغير إسقاط قلعة العصيان.. وفتح مسالكها لنبضات متسارعة.. تفتح شرايين الود.. وتغذي أوردة الأمل.. وتحول كل شخص متجهم الوجه.. عصي اللسان.. إلي جنتلمان.. خطيب مفوه. ينساب من لسانه أعذب الشعر وأجمل الألحان. 
ذلك حتي لو كان الحب من طرف واحد. فإن زلزال النظرة الآسرة.. يفتح المخزن السري لأسلحة المواجهة. وغزو القلعة الحصينة.. ومهما كان الصمت سمة الموقف.. فإن الباحث عن الحب لا يستنكف عن الاستعانة بخبرات الأصدقاء.. حتي دون أن يطلب تفضحه مشاعره. والنيران الملتهبة.. داخل القلب والعقل.. والتحول كامل الدرجات في الرؤية.. حيث يتلخص العالم في شخص الحبيب المجهول.. أو المأمول.. ويعتبرها الشخص المحب تحدياً جديراً بالنضال. والتفرغ لمعركة مفتوحة الأسلحة.. واسعة الميدان.. يجرب كل الأسلحة والرسائل.. ويستعين بخبرات وتقاليد وذكريات الآخرين.. حتي لو أرادها سريعة مغلقة.. فإنها حينئذي تكشف للجميع ما يعاني منه.. ويضطر في النهاية إلي الحكي لطرف ثالث. يظن أنه الوسيط المتعاطف المتفهم.. قد تنجح المحاولة.. يجتمع شمل المحبين.. أو تفشل وتتعقد الأمور.. ولكن يتجلي كرم المحب.. في إبلاغ الحبيب "الموهوم" بأنه لا داعي للانتظار.. ولا نبضات مشتركة للرادار. 
البعض يتعجل النهاية السعيدة لقصة الحب.. برومانسيات لا جذور لها أو سيقان علي أرض الواقع.. إذا ما اتفقنا علي أن بداية الحب الحقيقي هي الزواج.. عندما تحدث إشارات الاستجابة الأولي.. وتنتظم مواعيد الرغبة.. ويبدأ هيكل المنفعة في التكوين.. يكتفي المحبان برسم خارطة أحلام الغد.. والعيش بتبات ونبات.. يتجاهلان الواقع كقاعدة بناء. "خاصة لمن التقيا أثناء الدراسة.. وليس بعد صعود الخطوات الأولي من سلم العمل والحياة" ينشغلان بدرع الحب.. يتصوراه حامي القصة والحلم.. تتعدد جولاتهما في حدائقه.. الحاصل بعضها علي شهرة طيبة في عالم العشاق.. ينحصر همهما علي الانسجام العاطفي.. وتبادل الورود والهدايا والذكريات.. ويبتعدان في الوقت نفسه عن النهاية السعيدة.. بمفهوم المجتمع وبناء الأسرة. وتواصل الأجيال.. حيث يبدأ الوجه الآخر.. بمرحلة مواجهة الأهل. والدخول في تفاصيل عش الزوجية.. وما يتصل بها من أمور تجاوزتها المجتمعات المتقدمة. ولكنها مازالت عندنا.. عُقد متراكمة.. وقنابل موقوتة. قد تؤدي إلي فشل مشروع الزواج.. وتنسف مع الفشل علاقة صداقة وود بين الأهل.. قائمة أو كان من الممكن أن تقوم. 
من هنا يستطيع أصحاب الفهم السليم من مدرسة "الحب مسئولية" فحص كل العقبات وتجاوز كل الخطوات.. يساعدهم دوائر من الأهل والأصدقاء والتقاليد والسلوكيات التي استقرت في أنحاء العالم. تمتزج بخبرة الأجداد الثمينة. وقصص كفاح مجيدة.. أضافت للحصاد زهوراً وثماراً ورياحين.. وهؤلاء أنفسهم أصحاب العون والمشورة للأبناء عند دخولهم لحديقة الحب.. أو مدرسته. يوفرون لهم الدرع المناسبة.. ويتأكدون من خلال جسور المصارحة واستقامة الصدق.. صدق العاطفة وسلامتها وإيجابيتها.. وهم قادرون علي التعامل مع وسائط الحب.. التي تشغل مساحة كبيرة من العالم الافتراضي.. ويجيد الصغار التعامل معها.. سواء كان جهاز كمبيوتر أو تليفونًا محمولاً ذكيًا.. أو غير ذلك.. ولا ننسي الجهد الخارق المطلوب من الآباء والأمهات. والتي أشارت إليه باستحياء بعض الأعمال الدرامية.. ونعني به المواقع والصفحات التي يملكها الشباب ويتبادلون عليها "الشير" والإضافة والتعليقات. 
وبالطبع فإنه من المؤكد أن درع الحب وحديقته.. متاحان عند البحث عن الحبيب المأمول لكل الأعمار.. طالما نبض القلب. ونضج العقل.. وقد يفتح حب العواجيز السؤال للسن المناسبة.. لنجاح التجربة.. خاصة أن الكثير من الفتيات تميل عاطفتهن للكبار إلي ميزان الأبوة.. والحاجة للرعاية.. كما أن خبرات الكبار وفرت لهم المعيار الصادق الذي يفرق بين الحب والنزوة.. ومع مرور الأيام تصفو المشاعر.. ويخلص الحب من سيطرة الرغبة ومخاطر النزوة.. وتفسح الحديقة مقاعدها وخضرتها وظلال أشجارها ليتحول الحب إلي فضيلة.. ويتراجع الفراغ العاطفي واندفاع المراهقة مع فيض الأبوة والحنان. 

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *