السبت
05 ذو الحجة 1439
18 أغسطس 2018
08:25 ص

شهيد التل الكبير

علاء طه
علاء طه
الجمعة، 10 أغسطس 2018 11:51 م

"يعلمنا الزهر أن لا شيء يدوم: لا جماله. ولا حتي واقع أنه سيذبُل حتماً. لأنه سيظل يعطي بذاراً جديدة.. تذكري ذلك عندما تشعري بالفرح أو الألم أو بالأسي.. كل شيء يمر. فيهرُم. ثم يموت. فيولد من جديد".. هكذا كتب الروائي العالمي باولو كويلهو في عمله الأخير "الجاسوسة". 
وتعلمنا ضحكة المُسعف الشهيد أحمد جمال رشيد. ابن مدينة التل الكبير. الذي فارق دنيانا صباح الخميس الماضي. أنها ستولد من ورائها ألف ضحكة وضحكة. وأن الإرهاب الذي ابتُلينا به سيمر ويهرُم ويموت. وسندفن رماده في الصحراء. 
قبل 20 يوماً أصيب مجند بأحد أكمنة العريش. فتحرك البطل أحمد جمال رشيد بسيارة الإسعاف ليقوم بواجبه الإنساني في إسعاف مصاب. وأثناء إسعافه الجندي. انتهز الإرهابيون الفرصة ليجددوا إطلاق النيران بكل وحشية. علي المسعف. الذي لم تهتز له شعرة وواصل مهمته. لكنه بالنهاية تلقي طلقة رصاص غادرة في الرأس. 
في مصر الآن لوحة رائعة يلونها بالدم شهيد يليه شهيد.. ملحمة تسطرها بسالة وقوة وتفاني جندي. وشجاعة ووطنية مسعف من أجل أرض وشعب وهوية وعرض وشرف.. أبطال يدفعون حياتهم ثمناً من أجل مواجهة مجرمين وإرهابيين ومرتزقة يريدون نهش روح مصر. وإرباكها. وإسقاطنا في بئر الخوف. 
وتعلمنا الحرب علي الإرهاب أن المواجهة التي يخوضها أبطالنا في سيناء من جنود وأطباء ومسعفين. ينبغي أن تمتد إلي مواجهة فكرية بالداخل تخوضها النخبة والمثقفون والفنانون والمعلمون لاستئصال الإرهاب والتشدُّد وكل هذا الانحطاط والتخلُّف والجهل من العقول.. المواجهة الأمنية ستبطش ولا شك بالمجرمين. لكنها وحدها فقط لا تكفي. لا يهم قتل إرهابي وإرساله إلي جهنم. فسيأتي وراءه آخر جديد.. ومفرخة تصنيع الإرهابيين تعمل بلا كلل وتستقدم مرتزقة من كل الدول. ولن تتوقف هذه الآلة الجهنمية عن إنتاج إرهابيين سوي بتدمير فكرتها في العقول. وتجفيف منابعها. 
يعيش الفكر الإرهابي في العقول. ويعشش في المناهج التعليمية. ويسترح في دفوف الكتب بالمكتبات وعلي الأرصفة أمام المساجد. ويتسرب في الدروس الدعوية بالمنازل والفيللات الفاخرة. ويتغذي علي المظالم الاجتماعية وغلاء الأسعار وتدهور النظام الصحي. 
الدرس الذي يجب أن نتعلمه أمام وباء الإرهاب أن العلاج والمقاومة ستطول لسنوات. وحتي لا يتحور ونقضي عليه تماماً نحتاج لحرب شاملة فكرية وثقافية وفنية وتعليمية. 
والواجب الذي يجب أن نقوم به فوراً أن نتذكر شهداءنا وضحكتهم وبراءتهم. وأن نسجل بطولاتهم.. فصلوا من أجل شهيد التل الكبير المسعف "رشيد". واكتبوا اسمه في مداخل المستشفيات وعلي سيارات الإسعاف. وحولوا قصته لفيلم. فسيرته وبطولته أكبر وأطول وأعمق من عمر الكثيرين. 
[email protected]

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *