الجمعة
04 ذو الحجة 1439
17 أغسطس 2018
11:09 ص
بالمعقول

وآسفاه يا نيل!

جمال عقل
جمال عقل
الجمعة، 20 يوليه 2018 11:44 م

المكان: صالة الوصول رقم 2 بمطار القاهرة الدولى الجديد.
الزمان : العاشرة وخمس دقائق صباح الخميس الماضى.
الحدث : الإذاعة الداخلية بالمطار تعلن عن وصول رحلة الطائرة الإماراتية القادمة فى مطار سيدنى ــ استراليا ــ عبر مطار دبى الدولى ترانزيت.
فى تلك اللحظات كنت فى انتظار صديق لبنانى الجنسية وزوجته الاسترالية فى أول زيارة لها للقاهرة.
استقبلته فور خروجها من الصالة واصطحبتهما إلى سيارتى وفور ركوبهما بادرا بربط حزام المقعد فخجلت فى نفسى وربطت حزامى مثلهما على غير عادتى وعادة الكثير من المصريين غير العابئيين بربط حزام المقعد!
فى الطريق عبر طريق العروبة ظل صديقى يتحدث عن القاهرة وازدحامها فلم تكن المرة الأولى التى يزورها عكس زوجته التى جاءت للمرة الأولى.
على المقعد الخلفى كانت تجلس الزوجة شاردة تلتفت يميناً ويساراً تستكشف الطريق معجبة بالحديقة الوسطى للطريق ونظافة الشارع والبنايات الحديثة والقديمة ولم تخرج من شرودها إلا على مشهد "فهلوى" على الطريق من قادة وسائقى بعض السيارات الملاكى والميكروباص الذين يتخطون السيارات التى أمامهم بطريقة يطلق عليها »الغرز«!
قطعنا طريق العروبة وشارع صلاح سالم وعند مطلع كوبرى 6 أكتوبر فى اتجاه الجيزة توقفت السيارات فى طوابير فتحدثت زوجة الصديق عن حرارة الجو والازدحام والتكدس المرورى.
ازدحام وارتفاع فى درجة الحرارة لم تفلح معها تكييف السيارة، ومن كوبرى أكتوبر انحرافاً إلى محور 26 يوليو كادت تتوقف حركة السير وتوقف معها حديث الزوجين حتى وصولى إلى أعلى النيل بمنطقة الزمالك وحاولت أن أعيدهما للحديث وبطأت السير قليلاً لألفت نظرهما لنهر النيل وأنا أخبر الزوجة بأنه الشطر الأول من النيل لأن منطقة الزمالك من أرقى أحياء القاهرة تقع فى جزيرة بين شطرى النيل.
نظرت الزوجة سريعاً إلى سطح المياه وقالت باللبنانية "هيك ميه" متساءلة هل هذه مياه؟
أخبرتها بأنه نهر النيل العظيم منبع الحضارة ورمز الخلود.. النهر الذى قال عنه رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه من أنهار الجنة فبادرت بالقول.. "شو القذارة اللى فى الميه.. بتشربوا من هيك"".
قلت: نشرب منها بعد معالجتها وتطهيرها ومن يشرب هذه المياه لابد أن يعود إليها ليشربها مرة ومرات.
ونروي بها ارضنا ونسقي منها زرعنا .
لم تعلق وتوقفت عن الكلام واحترمت سكوتها وأنا شارد فى هذا النيل العظيم الذى يعد من أطول أنهار العالم.. ملهم الأدباء والشعراء ووحى الفنانين العظماء.. نهر الخلود والحضارة يستلهم منه المصريون القوة والحكمة والصبر.
>>>
تذكرت بعضا من أبيات كبار الشعراء وعظمائهم من المصريين والسودانيين ومن عاشوا على ضفافه فكتبوا أشعارهم وتغنوا بالنيل.
تذكرت رائعة الراحل محمد عبدالوهاب "مسافر زاده الخيال".. وما كتبه الشاعر السودانى الكبير إدريس جماع.
واد من السحر أم ماء وشطآن
أم جنة زفها للناس رضوان؟
تذكرت ما كتبه شاعرنا الخالد أحمد شوقى وتغنت به سيدة الغناء العربى أم كلثوم ولحنه المبدع الراحل رياض السنباطى.
طاف بذاكرتى نشيد:
النيل العذب هو الكوثر
والجنة شاطئه الأخضر
ربان الصفحة والمنظر
ما أبهى الخلد وما أنضر
ورغم يقينى بخلود النيل إلا أننى حزنت كثيراً بعد أن لوثناه بأيدينا وجعلناه مقبرة للحيوانات النافقة ومرتعا لمخلفات المصانع والعشوائيات.. أسأنا إليه ولم نحترم خلوده.
كلام السائحة زوجة الصديق فجرت فى نفسى بركان الغضب حزنا على نيلنا العظيم..
فهل آن الأوان لنعيد للنيل أمجاده ونقائه وحضارته وخلوده؟


اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *