السبت
05 ذو الحجة 1439
18 أغسطس 2018
07:59 م
مقعد بين شاشتين

حرب الفيديو

ماجدة موريس
ماجدة موريس
الخميس، 19 يوليه 2018 01:46 ص

السينما ليس فقط التي تذهب لرؤيتها في دارالعرض. وانما تلك التي تجدها أحيانا علي إحدي الشاشات في بيتك وأنت تبحث عن شيء مختلف عما تدور القنوات التليفزيونية حوله عادة. ومن حسن حظ الباحثين انهم يجدون بعضاً مما يستحق الاهتمام والمشاهدة. خاصة حين يكون فيلما وثائقيا عما يحدث الآن من صراع في فلسطين. الفيلم انجليزي أنتجته هيئة الـ بي بي سي. وقام بالاعداد والاخراج توم روبرتس. وأعد النسخة العربية طارق كيال. وصور الفيلم عدي كيال. وقام بعمل المونتاج جون موريتال. وهذه هي الأسماء التي لحقتها في نهاية الفيلم الذي يطرح صُنَّاعة سؤالين في البداية.. هل يمكن للشعبين الفلسطيني والاسرائيلي العيش معا في سلام؟. وهل يمكن للكاميرا ان تحل محل السلاح؟. ليأخذنا الي موقع الأحداث. مدينة الخليل التاريخية العريقة إحدي المدن الفلسطينية التي تسرَّب اليها المستوطنون. ثمانيمائة اسرائيلي متعصب من كل الإعمار هبطوا المدينة بعد ممارسة ضغوط جبارة علي أهلها بعروض سخية لبيع بيوتهم. أو بتطفيشهم بالتعاون مع جيش "الدفاع" الاسرائيلي الذي يدور أفراده في طرقات المدينة لايقاف الناس وفرض النفوذ والقوة عليهم تحت تهديد السلاح.. وليضعنا الفيلم في قلب الخليل وشوارعها وطرقها وناسها وهم يفاجأون ـ وهم يخرجون من بيوتهم ـ بالجنود يستوقفونهم ويطلبون منهم بطاقات الهوية. أو يطالبونهم بالعودة للبيوت. أو بالذهاب معهم الي النقطة حيث الضباط ذات الرتبة الأعلي وويل لمن يرفض الأوامر. وويل لمن ينظر شذرا من الرجال أو النساء الي أحد الجنود وهو يتعامل معه بفتونة وخشونة قاصدا فرض قانون القوة وليس قوة القانون. ففي أحد المشاهد يخرج أحد أبطال الفيلم من بيته "وهو هنا بطل حقيقي من أبطال الحياة في المدينة كما سيأتي ذكره لاحقا". وعلي باب المنزل يجد الرجل فريقاً من الجنود بانتظاره ويطالبه أحدهم ببطاقة الهوية بينما يتكاثر آخرون. رجالا وشبابا من المستوطنون يحاولون التحرش به وحين يطالب أحدهم بالابتعاد عنه وعن بيته يجيبه. هذا بيتي. وحين يشير الي الجانب الآخر من الطريق قائلا: بل بيتك هناك. تكون الاجابة هي "من حقي أن أقف هنا" في تحد واضح. ويأخذ الجنود الرجل الي القائد في نقطة التفتيش ومعهم المستعمرون. ولأنها ليست المرة الأولي. فهم يعرفون ان شقيقه "مفيد" سوف يحضر سريعا ليسانده. وحينها سوف يقف في الشارع مجبرا في انتظار شقيقه. ولأنه مريض ولا يحتمل ضربة شمس سيقع. وتأتي الاسعاف لحمله للمستشفي. ويعلق مفيد: هم يعرفون انني مريض. الا انهم يحرصون علي ابقائي في هذا الوضع كلما أخذوا أخي للنقطة. وكل هذا من أجل تهجير الفلسطينيين. حتي نترك لهم الخليل. 
عماد أبو شمسية 
يبدأ الفيلم واسمه "الخليل" علي اسم المدينة بذكر بعض المعلومات مثل ان الجيش الاسرائيلي يسيطر علي المدينة لحماية المستوطنين. وهو ما يعطي احتمالا مبدئيا هو الخوف من عدوان أصحاب المدينة الفلسطينيين والذين وأصبحت حياتهم جحيم من خلال ما يفعله الجنود والمستوطنون معا لأجل تطفيشهم واحتلال الخليل بكاملها. وهنا يقدم الفيلم نقطة التحول المهمة في موقف أصحاب المدينة. وهي تبني سكانها استراتيجية جديدة للدفاع عن أنفسهم. وملخصها هو تصوير وتسجيل كل ما يفعله الجنود والمستوطنون بهم وتوصيلها للرأي العام العالمي. كان أول من قام بهذا "عماد أبو شمسية". المعلم وعضو جماعة من المدافعين عن حقوق الانسان في فلسطين ضد سلطات الاحتلال. وفي الفصل بدأ يعلم فتيات المدرسة كيف يستخدمن هواتفهن الشخصية في تصوير ممارسات جنود الاحتلال الدائمة تجاهن "ما أراه من جنود اسرائيل يؤكد ان عملية الانتهاكات لا تنتهي. وانما تزداد". وتأخذنا الكاميرا الي الشارع وفريق من الأطفال والبنات يستخدمون هواتفهم في تدريب عملي سريع قبل ان ينتبه الجنود. ثلاثون طفلا وطفلة يتعلمون من خلال عماد. أصغرهم في سن الثانية عشرة. وجوه مليئة بالتحدي وأستاذهم يعلق بأن سلاح الكاميرا هو نفسه سلاح الحياة ويروي لنا بداية الفكرة منذ ثلاث سنوات حين رأي عماد وزيدان صديقه من أعلي المنزل فلسطينيا ملقي علي الأرض برصاصة من مستوطن فقاما بتصويره. وتصوير ما حدث بعدها حيث وضع جندي من الجيش سكيناً بجانب الجثة وأدعي ان القتيل طعن المستوطن. وقتها أرسل الفيديو الي العالم ليعرف الحقيقة. واستدعاه الأمن طالبا منه الصور واقتحم منزله وحطم محتوياته. وأطلق سراح المستوطن القاتل.. وبعدها أصبح واضحا لعماد وأصدقائه وتلاميذه ان الطريق الأكثر ملائمة وفاعلية بالنسبة اليهم هو المقاومة بالصورة وتسجيل ما يفعله جنود الاحتلال والمستوطنون معهم وفتح خط سريع مع العالم يرد علي كل الأكاذيب الاسرائيلية المستمرة ضدهم. 
رسالة من مجهول 
هل تكفي الرغبة في فضح العدوان والاهانة المستمرة لتحقيق نتائج مهمة علي مستوي المقاومة المطلوبة؟ الاجابة يقدمها الأستاذ لطالباته "أهم شيء لحماية الحقيقة سلامتك وانت تصورها لأنهم لو قضوا عليك لقضوا علي ما يفضحهم" ويأخذنا الفيلم لقصة الجندي أزاريو الذي اتهم بالقتل ـ غير المتعمد ـ لفلسطيني. وخفض الحكم عليه من 18 الي 14 شهرا والذي استطاع عماد تصوير جريمته وبعدها تلقي رسالة من مجهول وتهديد بحرق بيته وعائلته كما حدث مع عائلة فلسطينية أخري. ولكن التهديد أصبح مستمرا. بل ان زوجته "فايزة" نراها وقد أحاط بها الجنود. فوق سطح البيت. لمنعها من التصوير وهي تواجههم قائلة: هذا بيتي. وتحادثنا عبر الكاميرا "حين انزل الشارع اتعرض للاعتداء" بينما يستعرض هو ما يتلقاه علي موبايله من فيديوهات قذرة وشتائم بشعة. انه نموذج لرجل لديه قضية يريد ايصالها لأهله حتي لا يضطرون الي ترك أرضهم وأرض أجدادهم بسبب عنف الغرباء المحتلون. ولهذا لا يكف عن تعليم وتدريب الصغار والكبار كيف يدافعون عن أنفسهم وحقوقهم "في اللحظة التي تفتح فيها كاميرتك تصبح المسئولية عليك. فليس هناك مجال للخداع أو الكذب. وانما رواية الحقيقة". ولم يتركوه. وانما ألقوا علي بيته الأحجار. وقنابل المولوتوف. وحين أحاط البيت بسلك لحمايته. أحاطوه من الخارج بأسلاك شائكة ودفعوا ابنه الأكبر "عوني" للانهيار. فترك المنزل. وذهب الي مدينة أخري ليعمل ميكانيكي. ينتقل الفيلم الي مواقع وشخصيا متعددة. منها شخصية صديق الجاني القاتل آزاريا الذي جاء ليخبر عماد انه لن يتركه. ويفتح حوارهما ماضي أحداث دامية قديمة. منها قتل مستوطن تسعة فلسطينيين أثناء أدائهم الصلاة عام 1994 ويتتبع المخرج قصص العديد من الأطفال المطاردين من جنود الاحتلال مثل محمود "12 عاما" والذي بدأ يصور منذ فترة قصيرة مدعوما من والدته سوزان التي كانت تعمل مصورة لحفلات الزفاف قبل ان تتوقف بعد حادثة قذف بعض الأطفال الفلسطينيين للمستوطنات بالحجارة وكان الرد هو الهجوم علي سيارات الفلسطينيين. وهو ما صورته واستخدمته المحكمة كدليل. وبعدها بدأ الجنود يقتحمون البيوت بحجة رؤيتهم للأطفال ـ بالكاميرا. يلقون الحجارة علي المستوطنين في محاولات لترويعهم ومنعهم من أية حركة دفاع عن النفس ضد عنف المستوطنين. 

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *