الإثنين
09 ذو القعدة 1439
23 يوليه 2018
06:13 ص
بعينك

للخلف .. در

منى نشأت
منى نشأت
الجمعة، 13 يوليه 2018 01:24 ص


ركنت عربتي علي جانب الشارع .. ونزلت لأنتقي بيدي الخضار الطازج أعشق هذا المنظر الذي يضاهي عندي رؤية بحر .. وزهور حديقة .. وزرقة سماء انه شكل الفاكهة بألوانها وأحجامها واستدارتها واستطالتها .. تزيد وتفيض وتتدحرج لتملأ رصيفا بأكملة .. بطيخ أخضر الطلة .. وخيالك فيه أحمر .. يتدلي عليه موز أصفر تنتابه نقط سوداء .. تميزه ولا تؤرقه. 
وثمرات برتقال صيفي الطابع وخضروات بكميات يؤثرني شكل "الشوال" البني بثقوبه الدقيقة التي تظهر فقد ما تريد وما يحوي من بامية يسمونها في الإنجليزية Ladies Fingers لو ترجمتها للعربية فهي "أصابع الست" وتلك البطاطا التي ما أن تقع عليها عيني حتي يحضرني فيلم الحرام وفاتن حمامة .. والوقوع في الخطيئة والتبرير الذي يتهم جذر بطاطا وطوال قصة يوسف إدريس والبطلة تهذي بالبطاطا والجاني حر ..طليق حالة اعتدناها لكل المجرمين.

"خلي عنك" 
مجرد رؤية الخضروات والفاكهة يهب الإحساس بأن أولاد بلدنا ستأكل سيستطيع من لايملك أن يقارن أسعار ومن الكثير .. سيختار. 
أقطع مشوارا طويلاً لأصل لهذا البائع تحديدا .. لأ سمع منه تعبير "خلي عنك" وهي تخرج من قلبه وكأنه بالفعل علي استعداد أن يخليها عنك .. وتمر به إمرأة تسأل عن الطماطم التي تعدت تعبير "طرية" لتصل إلي "مفعصة" وبعض ثمرات مختلفات ربما دهستها عجلات السيارة التي نقلتها فيجمعها كلها ويسلمها لها وهي تسأل عن السعر فيجيب بلسان الرضا .. كفاية علينا بركة وجودك.

"علي .. خير" 
وكما يستدعي الشر والشره رفقاءه .. فالخير يستدعي .. خير هذه المرأة فتحت كيسا من البلاستيك أخرجت منه قطعا من لحم دسته في شنطة الست الغلبانة وهذا وضع في يدها بعض جنيهات .. ومن هنا برتقالة ومن ذاك ثمرة مانجة .. ومني توصيلة لباب بيتها أو بالأحري غرفتها الوحيدة أكلت وشبع أولادها والحفيدة ..وكله بسبب عم أحمد .. رجل طيب. 
في زمن لم ترتفع فيه الأسعار وتقل الجودة .. وإنما أيضا ندرت الطيبة وكادت تندثر السماحة وزاد المعروض من جشع وطمع .. ومهما فرشوا لأنفسهم ارضيات من حرير يبقي الشوك في قلوبهم لتدميهم النهايات المفجعة .. وهم يتساءلون لماذا .. وكأنهم لم يجهزوا لها طيلة حياتهم بالجمع واللهث والإستئثار والاستحواذ. 
يستحق عم أحمد بجدارة زوجته التي تجلس أرضا بجواره .. تنظف الخضار وتقطعه وتعبئه وتمد به اليد لإمرأة لاتجد وقتا أو مهارة للفعلة نفسها وترفع زوجة أحمد وجهها للسماء وهي تقبل بفمها كل جنيه تتلقاه شاكرة النعمة وقبل أن تصل عيونها لأعلي تلقي بابتسامة علي الزوج .. فيكمل وتكمل مشوار كله .. خير.

"رمش عينه" 
صغيرتهما تمرح بفستان من قماش كانت الخياطة زمان تسميه "رمش العين" ما أروع أن تسمع الاسم وتتخيل نفسك محاطا برمش عين .. تحتويك وتحافظ عليك .. وتهدهدك داخلها ولاتسمح بلسعة شمس .. ولا تترك علي جلدك قطرة عرق من أجل هذا المشهد أترك عالما غير حقيقي المعالم مترف التطلعات عديم النهايات السعيدة .. وأحاول أن أدير سيارتي المكيف عطلان .. الحديد حولي يخنقني .. والمقعد جلد وفراء .. ما من هواء .. ما أحلي نسمة الهواء التي طارت بثوب ابنة أحمد .. ما أجمل البساطة وكلمة السلام يلقيها من يعرف علي من لايعرف .. وربنا يخليك لنا .. ودعاء يرضيك بالقليلة .. وبوسة للكف "وش وضهر" لا رياء فيها .. وبساطة تريح من التكلف .. وطبيعة وفطرة لايضاهيها تصنع .. ليتنا نعود .. نعم لقد علمونا في فريق الكشافة في المدرسة : للخلف .. در. 

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *