الإثنين
09 ذو القعدة 1439
23 يوليه 2018
06:16 ص

على صفحات ”المصري اليوم“ خطأ فريد بيد الأستاذ عبد المنعم سعيد

د. يس العيوطي
د. يس العيوطي
الثلاثاء، 19 يونيو 2018 04:15 م

 أخطأ إذ دعا في ”المصري اليوم“ إلى عدم ”تديين“ موضوع القدس هذه دعوة لا تقلل من حرصه على الحقوق المشروعة للفلسطينيين في عاصمتهم الشرعية في القدس الشرقية. ولكنها دعوة تقلل من صلابة الأعمدة التي ترتكز عليها هذه العاصمة العربية التاريخية، حيث أنها تهدم أحد أعمدتها وهو العمود الديني.
         الشرعية لا تفنى ولا تزول بالفبركة الصهيونية التي تحاول تصوير تلك المدينة التاريخية بأنها العاصمة الأزلية غير المقسمة لدولة إسرائيل. وهي شرعية لن تتلاشى بنقل النظام الفاشستي، القابع في البيت الأبيض الأمريكي تحت زعامة كاذبة لدونالد ترامب، للسفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. ولن تزول هذه الشرعية بإعلان ترامب، مؤيد اليمين المتشدد الإسرائيلي بزعامة بنيامين نتنياهو، أن القدس، كل القدس، عاصمة إسرائيل.
         خلود شرعية القدس كعاصمة ذات شقين، شرقها لدولة فلسطين وغربها لدولة إسرائيل ترتكز على حقوق مشروعة تدعمها الشرعية الدولية منذ عام 1947، عام تقسيم الجمعية العامة للأمم المتحدة لفلسطين. وكما جاء في الوثيقة القضائية لعمر بن الخطاب ”إن الحق قديم لا يبطله شيء“.
         وهنا نتناول الخطأ القائل بوجوب عدم تديين القدس من عدة أوجه.
         أول هذه الأوجه هو البيان التاريخي الذي أطلقه الإمام الأكبر، فضيلة الدكتور أحمد الطيب، شيخ الجامع الأزهر في 18 يناير من هذا العام. جعل هذا البيان الذي كنت شاهدا عليه بحضوري كضيف على الأزهر الشريف وأحد المتكلمين في مؤتمره العالمي ”لنصرة القدس“، جعل هذا العام ”عام القدس“.
         أهمية ذلك المؤتمر العالمي في القاهرة أن الحضور فيه جمع 86 دولة، وألفا من المستمعين، وخمسين من المتكلمين من بينهم رئيس دولة فلسطين، محمود عباس. دعا الرئيس الفلسطيني الجميع للحج إلى القدس، حجيجا دينيا وسياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا كانت ذروته أن قال من منبر ذلك المؤتمر بمدينة نصر: ”لا تنسونا ولا تنسوا القدس“.
         كما أن الشرعية الدولية للقدس، كعاصمتين لدولتين متجاورتين، وهو هدف علينا ألا نصرف النظر عنه مهما طال الأمد ومهما بلغ التشقق داخل الأمتين العربية والإسلامية، قد أيدتها الحقائق القانونية الآتية والتي تبلورت منذ عام 1947:
         قرار التقسيم لفلسطين، رغما عن العوار القانوني الذي يعتريه بسبب أنه ليس للجمعية العامة للأمم المتحدة بحسب الميثاق حق تقسيم بلد كان لابد من وضعه تحت نظام أو وصاية الأمم المتحدة بحسب الفصلين الثاني عشر والثالث عشر من الميثاق، قد أصبح في خبر كان. جاء هذا نتيجة للمعاهدتين مع إسرائيل من جانب مصر والأردن من جانب آخر. وكذلك نتيجة لاتفاقيات أوسلو بين عرفات ورابين لعام 1993، وللمبادرة العربية لعام 2002 التي أطلقها الراحل المرحوم الملك عبد الله، ملك السعودية. هذه المبادرة ما تزال نقطة ارتكاز قانوني لتسوية النزاع العربي الإسرائيلي القائم على أساس ”الأرض مقابل السلام“.
         كل هذا عدا عن سلسلة طويلة من قرارات مجلس الأمن الدولي (وآراء محكمة العدل الدولية، وهي الذراع القانوني للمنظمة العالمية) وأهمها القرار 242 لعام 1967. حيوية هذا القرار تقبع في المبدأ القانوني الأصيل الذي أرسى قاعدة عدم مشروعية احتلال الأراضي بالقوة.
         وعلينا أن ندرك أن حدود كل دولة عضو بالأمم المتحدة تستند في الاعتراف الدولي بها لحظة قبول تلك الدولة في عضوية المنظمة العالمية على شريطة أنها دولة ”محبة للسلام“.
         إذًا حدود إسرائيل، بما في ذلك عدم تمدد تلك الحدود إلى القدس الشرقية أو إلى خارج ”الخط الأخضر“ قد رسمتها عضوية تلك الدولة منذ عام 1949. والاستثناء هنا هو ما يمكن التفاوض عليه بين الطرفين، إسرائيل وفلسطين، بصدد تعديلات الحدود. ولا يغير من هذا الوضع أية مستوطنات إسرائيلية خارج تلك الحدود، إذ تتنافى شرعية تلك المستوطنات ومواثيق الشرعية الدولية.
         كل هذه الاعتبارات القانونية يدخل فيها العامل الديني الأصيل الناجم من كون المسجد الأقصى ثالث القبلتين، ومن تلاحم الدين والفكر المسيحيين في كون القدس الشرقية عاصمة علمانية ودينية في الوقت ذاته للبلايين من المسلمين والمسيحيين.
         لا أعتقد أن عبد المنعم سعيد يود أن يجعل الحرم الشريف للأقصى مجردا من العامل الديني الذي لا يتعارض مع الجانبين القانوني والسياسي. ولا أعتقد أنه لا يرى في الهجمات اليومية من جانب المتشددين الإسرائيليين وجحافل التبشيريين الذين تغنوا في افتتاح السفارة الأمريكية على أرض عربية محتلة تغنوا بنقل السفارة هو كما يعتقدون، أولى بشارات عودة السيد المسيح. لولا العامل الديني، لما زادت الهجمة الإسرائيلية على القدس شدة وفجورا. يا أستاذ سعيد، الدين قوام العقيدة، والعقيدة هي قوام الكفاح من أجل نصرة القدس، لا حرمنا الله منها.

------------------------

المستشار القانوني وأستاذ القانون بمدينة نيويورك
وعضو مجلس حكماء المسلمين التابع للأزهر الشريف

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *