الخميس
08 محرم 1440
20 سبتمبر 2018
10:23 ص

التلاعب بالعقول

حسن زايد
بقلم/ حسن زايد الخميس، 14 يونيو 2018 12:30 م


من الأمور العجيبة أن ينساق الإنسان وراء تسريبات إخبارية مكذوبة ومفبركة، ولا يكتفي بمجرد معرفة الخبر دون معرفة مصدره، ولا مدي الثقة فيه، وإنما تمتد يده ليكون مشاركاً في صنع هذا الخبر وشيوعه وانتشاره بين مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي. وينتشر الخبر المفبرك انتشار النار في الهشيم، حيث ينتقل من مرتاد إلى آخر، رغبة في إحراز الأسبقية في الإتيان بالتائهة من مخبأها، وفي كل انتقال للخبر يفجر مجموعة من التعليقات السلبية، والتي لا تقف عند حدود السلبية التي قد يظهرها التناول الموضوع للأمر، وإنما تمتد إلى الشتائم والسباب، بما يعكس تدني المستوي الأخلاقي.

بالقطع هذه الأخبار المكذوبة لم يجري دسها من باب التسلية، وتزجية وقت الفراغ، وبعيداً عن نظرية المؤامرة التي لا يروق للبعض الترويج لوجودها، باعتبارها أكذوبة، وتعليق فشلنا في أعناق الآخرين فقد جري صناعتها بمنتهي الجدية لتحقيق غاية ما، هذه الغاية يجري قراءتها من واقع ما تحدثه مثل هذه الأخبار في المجتمع. وما تحدثه في المجتمع من مشاعر سلبية تجاه السلطة الحاكمة ـ أياً كانت هذه السلطة ولو كانت من الملائكة الأطهار ـ ينعكس بالضرورة على قدرة هذه السلطة على الإمساك بدفة المجتمع، وإدارة شئونه، وحسن وسلامة وكفاءة أداءه، ويفقدها القدرة على الاختيار بين البدائل المتاحة، واتخاذ القرار المناسب في المكان والزمان المناسبين.

وقد استوقفني خبران لا يروق للإنسان بلعهما، ولا استساغتهما، ولا مضغهما، ولا التعامل معهما من الأساس، لأن الخبر في ذاته مفضوح. الأول: أن مجلس النواب المصري قد وافق على قانون فرض رسوم قدرها 150 جنيها على تصريح دفن الموتى. ورئيس مجلس النواب يصرح بأن هذا القانون يصب في مصلحة المواطن. وقد نفي المتحدث الرسمي لمجلس النواب صحة الخبر. ولكن هناك هوة زمنية فادحة ما بين ظهور الخبر وتداوله، وبين نفيه وتكذيبه. هذه الهوة تجعل الخبر يفعل فعلته، ويأتي بثماره العلقمية، مما يفقد النفي، والقول بعدم صحة الخبر أهميته، وأثره في معالجة التشوه العقلي والنفسي الذي جري، فضلاً عن إمكانية تكذيبه أو عدم تصديقه، أو الميل إلي عكس اتجاهه.

الثاني: خبر سفر عدد من أعضاء البرلمان إلى روسيا؛ لتشجيع الفريق المصري لكرة القدم. وذلك على نفقة البرلمان. وأيضا جري نفي الخبر وتكذيبه من قبل المتحدث الرسمي لمجلس النواب. وقد جاء النفي متأخراً كالعادة، بعد أن تم تمرير الخبر بسرعة البرق عرضاً وعمقاً، عرضاً بعدد الناشرين، وعمقاً بعدد المعلقين.

ويزداد تأثير مثل هذه الأخبار على الناس، باعتبارهم مستفزين من الأصل من الارتفاع الجنوني ـ غير المنضبط ـ المنفلت للأسعار، على نحو التهم بالفعل ـ بنهم شديد ـ الدخل المحدود الذي يتحصل عليه المواطن من الطبقة المتوسطة وما دونها. ورفع رواتب الوزراء، وأعضاء مجلس الشعب، ورفع أسعار معظم الخدمات التي تقدمها الحكومة، والإعلانات الاستفزازية، وخاصة اعلانات التبرعات، وأجور الممثلين ولاعبي الكرة. فضلاً عن قضايا الفساد ونهب المال العام والرشا والتهرب الضريبي.

ومثل هذه الأخبار تسقط فوق رأس المواطن، مثلما قطعة اللحم فوق الزيت وهو يغلي، وبمجرد سقوط الخبر المكذوب في الزيت المغلي، ينضج سريعاً، ويستوي، ويطلب الأكال.

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *