السبت
05 ذو الحجة 1439
18 أغسطس 2018
04:41 ص
آخر الأسبوع

حديث الأحزاب

محمد أبو الحديد
محمد أبو الحديد
الأربعاء، 25 أبريل 2018 11:24 م

أثناء الاستعداد للانتخابات الرئاسية. ثم خلال الانتخابات نفسها. ثم بعدها حتي الان. لم يتوقف الحديث عن الأحزاب السياسية المصرية. أوضاعها الحالية. ودورها المنتظر. في ظل نظرة إلي الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2022. 
وحديث الاحزاب السياسية وأوضاعها الحالية لم يخرج طوال هذه الفترة. ولا ما قبلها. عن اطلاق الاوصاف المعلبة عليها. وهي أوصاف حقيقية أيضا. مثل قولنا بأنها أحزاب هشة.. وكرتونية. وتعاني جميعها بلا استثناء من صراعات وانقسامات داخلية بدرجات متفاوتة. ولا وجود حقيقي لها في الشارع السياسي ولا حتي الشارع الاجتماعي المصري. 
تعرضت للموضوع في هذا المكان اكثر من مرة في أكثر من مناسبة. وأجد من الضروري ان اعود اليه. ليس من باب "دعم" المكلمة حوله. بل لأنه اصبح في حاجة الي ان نخرج من إطار هذه المكلمة الي ساحة الفعل في ظل ما ظهر علي الساحة الان من متغيرات. 
لدينا مائة وثلاثة أحزاب.. هذا العدد في حاجة إلي مراجعة.. ففيه مثلا أحزاب "ذات مرجعية دينية" مما تحظر المادة 74 من الدستور السماح بقيامه. وفيه أحزاب "تحت التأسيس" منذ سنوات ولم تنجح حتي الان في استيفاء كامل شروط تأسيسها. 
المراجعة المطلوبة مراجعة دستورية وقانونية بحتة وليست سياسية ولاعلاقة لها بحرية تشكيل الاحزاب التي تنص عليها نفس المادة من الدستور. فمن يخالف شروط التشكيل ليس من حقه ان يبقي علي الساحة. ومن يعجز عن استيفاء مسوغات التأسيس تجب مخاطبته لاستكمالها أو إعلان حل نفسه. 
من الذي من المفترض أن يقوم بهذا الدور ويتولي هذه المهمة؟! 
توجد لجنة للأحزاب هي التي تتلقي. طبقا لقانون الأحزاب السياسية اخطارات تشكيل الأحزاب وأوراق تأسيسها والتثبت من مطابقتها للدستور والقانون. لكن يبدو ان هذه اللجنة مغلولة اليد بقانون الأحزاب نفسه الذي يطالب الكثيرون بتعديله.. فهي لا تتحرك إلا بناء علي طلب. ولا تملك حل حزب أو شطبه إلا بحكم قضائي يصل إليها دون ان تكون طرفا فيه إلا بالتنفيذ لأنه لا يجوز لها اختصام الأحزاب. 
إذن يبقي الوضع علي ما هو عليه.. هذا هو ما آل إليه الأمر وبالتالي فإن الخطوة الأولي في مسيرة الألف ميل الحزبية وهي استجلاء الوضع القانوني النهائي للأحزاب السياسية علي أرض الواقع مازالت معطلة. 
اقول انه ظهرت علي الساحة خلال الفترة الأخيرة مع زخم الانتخابات الرئاسية. متغيرات.. هذا صحيح.. بل وطرحت مبادرات وان كانت لاتزال في دور الأحاديث المرسلة أو الأمنيات. 
تم. علي سبيل المثال تداول فكرة "الاندماج" بين الأحزاب ذات التوجه الواحد أو المتشابه وهي فكرة جيدة.. والاندماج - عادة - يتم في صورتين.. إما بين أحزاب صغيرة كلها لتشكيل كيان حزبي واحد كبير. أو بين أحزاب صغيرة وحزب كبير قائم تستظل بمظلته. 
كما طرحت فكرة قيام "ائتلافات" أو تحالفات حزبية. وهذه صيغة تختلف عن الاندماج. لأنها صيغة مؤقتة تحدث - عادة - عند تشكيل حكومة في ظل عدم وجود حزب واحد يمتلك الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة منفردا. 
وفوق أنها صيغة مؤقتة. فهي تقوم علي تبادل "المصالح" أكثر مما تستند إلي توافق المباديء بين أطراف الائتلاف أو التحالف أو التكتل الحزبي وبالتالي فهي قابلة للانفراط مع أول شعور لدي أي من أطرافها بأن وجوده فيها لا يخدم مصالحه. 
متغير آخر شهدته الساحة خلال تلك الفترة وهو بروز حزب الوفد العريق مرة أخري بصورة متجددة بعد نجاحه في إجراء انتخابات رئاسية داخلية نزيهة تم خلالها تصعيد قيادة جديدة نشطة للحزب واطلاق وعود بأن الوفد سيصبح رقما سياسيا لا يمكن تخطيه علي الساحة الحزبية المصرية وأنه عائد لقيادة الحياة السياسية المصرية من جديد مثلما كان قبل يوليو 1952 مع الفارق بالطبع. 
ثم كان المتغير الثالث. هو تجدد الحديث عن إمكانية تحول "ائتلاف دعم مصر" الذي يقود البرلمان الحالي إلي حزب سياسي. ولديه كل المقومات الدستورية والقانونية والعملية التي تؤهله لذلك. 
ملاحظتي الرئيسية علي كل ذلك - وفي حدود ما أري وأتابع. أننا جميعا. في قضية الأحزاب السياسية. نتكلم. ونطرح أفكارا ومبادرات للخروج من الوضع الذي لا يرضي أحدا لأحزابنا السياسية الحالية. لكن لا أحد يتقدم لترجمة هذه الأحاديث والأفكار والمبادرات إلي واقع عملي. علي أي من المسارات. سواء الاندماج. أو الائتلاف. أو إنشاء حزب جديد كبير. أو أضعف الإيمان. مراجعة الأحزاب القائمة والبت في أوضاع ما هو منها مخالف للدستور والقانون. أو عاجز عن استكمال مقومات تأسيسه. 
وأحد أسباب هذه الحيرة التي تحول دون الانتقال من مرحلة نقد الأوضاع الحزبية القائمة إلي مرحلة إصلاحها - في رأيي - هو أنه لا توجد آلية يحددها الدستور أو القانون. تقوم بهذا الدور. وهو الدفع في اتجاه الإصلاح السياسي والحزبي. وتشجيع أطراف الحياة الحزبية علي ذلك. 
في الدول عريقة الديمقراطية. لا تحتاج الأحزاب إلي من يدفعها في هذا الطريق أو ذاك. فهي تقوم بذلك بنفسها.. تسعي للاندماج أو الائتلاف أو التكتل وفقا لمصالحها ورؤيتها.. أما عندنا. والتجربة - رغم عراقتها الزمنية - مازالت في أطوار نموها الأولي. فمازلنا نتحدث عن الجرس وعن القط.. وننتظر من يعلق هذا في رقبة ذاك. 
نحتاج إلي إرادة حقيقية للإصلاح السياسي والحزبي توازي إرادتنا في الإصلاح الاقتصادي.. ونحتاج إلي "آلية مجتمعية" تدفع في اتجاه تفعيل هذه الإرادة.. ربما علينا أن ننتظر انتخابات المحليات العام القادم لنري مَن مِن الأحزاب القائمة سيتفاعل معها. وكيف؟ لأنها قد تكون مؤشرا مهما يحدد اتجاه بوصلة الإصلاح. 
وإلي أن تأتي هذه التجربة. ستظل مصر هي بلد الحزبين الرئيسيين الكبيرين اللذين يلتف حولهما تسعون بالمائة من شعب مصر.. الأهلي.. والزمالك. 

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *