الخميس
08 محرم 1440
20 سبتمبر 2018
06:09 م

القضاء المصرى سبق المشرع بـ 5 سنوات في حسم قضية مرتبات الوزراء

المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائ ب رئيس مجلس الدولة (2)
أشرف حجاج الثلاثاء، 17 أبريل 2018 11:02 ص

أثبت القضاء المصرى الشامخ ببصيرته النافذة قدرته على أن يسبق الفكر الإدارى والتشريعى وتطبيقاته من قوانين تحتاج إلى التعديل لتساير حاجات المجتمع عقب قيام الثورات ففى حكم قضائى استلهم فيه القضاء المصرى بوادر الاحساس بثورة 30 يونيه 2013 قبل انطلاقها يتجاوب فيه مع الاهداف التى سعى إليها الشعب في ثورة 25 يناير 2011 فالأول مرة في تاريخ الدولة المصرية يصدر القضاء حكما يكشف فيه عن مرتبات الوزراء ونائب رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس الوزراء ففى حكم تاريخى سابق  اصدرت محكمة القضاء الإدارى بالاسكندرية برئاسة المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة حكماً في القضية رقم 5909 لسنة 62 ق بجلسة 25 يونيه 2013 الزمت المحكمة وزير الاعلام الاخوانى متولي صلاح عبد المقصود متولي بان يرد لخزينة الدولة مبلغ 269 الف جنيه قيمة الحوافز التى تقاضاها من مجلس الوزراء عن المدة من 2 اغسطس 2012حتى 30 ابريل 2013 وكل ما زاد عن هذا المبلغ صرف من اية جهة تحت اى مسمى بالمخالفة للقانون رقم 100 لسنة 1987بشان تحديد مرتبات نائب رئيس الجمهورية ورئيسى مجلسى الشعب والشورى ورئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء وتعديلاته بالقانون رقم 8 لسنة 1989من تحديد مرتب وبدل تمثيل سنويين وما يترتب على ذلك من اثار اخصها

ووصف مراقبون هذا الحكم بأنه يعتبر مفخرة في تاريخ القضاء المصري وسطر مفاهيم جديدة ترقي به الي المستوي العالمي في ضوء المواثيق الدولية يكشف عن رؤية القضاء المستقبلية في النواحى التشريعية وتمت ترجمة هذا الحكم وتبادله مع العديد من المنظمات القضائية في دول العالم

قالت المحكمة ان مناصب نائب رئيس الجمهورية ورئيسى المجلسين ورئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء هى وظائف ذات طبيعة خاصة مؤقتة تهدف الى رسالة سامية قوامها العطاء والغرم وليس المكاسب والغنم لذا حرص الدستورالسارى وقت صدور الحكم على النص بان يحدد القانون المعاملة المالية لهم وقد حظر عليهم حظرا مطلقا تقاضى اى مرتب او مكافاة اخرى غير تلك التى يحددها القانون والزمهم بتقديم اقرار ذمة مالية عند توليهم المنصب وعند تركهم له وفى نهاية كل عام فضلا عن المحظورات الواردة بهذا الدستورالتى تؤكد هذا المعنى وكان قصد المشرع من ذلك تحقيق مبدأ الشفافية وحماية المال العام من رجال السلطة ووقف نزيف النهب والفساد مما قام به البعض قبل الثورة

واضافت المحكمة حدد القانون رقم 100 لسنة 1987بشان تحديد مرتبات نائب رئيس الجهورية ورئيسى مجلسى الشعب والشورى ورئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء المعدل بالقانون رقم 8 لسنة 1989 مرتب رئيس مجلس الوزراء ومعه رئيسى المجلسين النيابيين بمبلغ ستة الاف جنيه سنويا وبدل التمثيل بمبلغ ستة الاف جنيه سنويا ,ومرتب الوزير بمبلغ اربعة الاف وثمانمائة جنيه وبدل تمثيل بمبلغ اربعة الاف ومائتين جنيه سنويا ,ومن ثم فلا يجوز منح اى من هؤلاء ثمة مبالغ غير تلك الواردة فى القانون وهم الفئة التى يجب ان تلتزم وتخضع لحكم هذا القانون باعتبارهم المثل والقدوة فى المجتمع وان صلاحهم او فسادهم يؤثر وينعكس حتما على الشعب وينقل اليه الصلاح او الفساد حيثما يولوا عليهم فالناس على دين رؤسائهم فى مجال المسؤلية والالتزام بحكم القانون خاصة وان هذا القانون تم خرقه فى ظل نظام مبارك وما كان يجب على نظام الأخوان  ان يسلك ذات النهج الذى انتهجه النظام السابق وثار الشعب للقضاء عليه وعلى كل مظاهر الفساد الاخرى

واوضحت المحكمة ان الثابت بالاوراق على النحو الوارد بكتاب الامانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء رقم 12\7443 المؤرخ 30 ابريل 2013 والمرسل للمحكمة بالبريد المسجل والمودع ضمن اوراق الدعوى ان رئيس مجلس الوزراء قرر منح حوافز للوزراء شهريا بمبلغ تسعة وعشرين الف جنيه ومنهم وزير الاعلام حيث ورد بهذا الكتاب ان السيد متولى صلاح عبد المقصود متولى بصفته وزيرا للاعلام قد تقاضى حوافز بمبلغ مائتين وتسعة وستين الف جنيه عن المدة من 3 اغسطس 2012 حتى 30 ابريل 2013 على خلاف ما قرره القانون فالقاعدة العامة انه لا يجوز للوزراء تقاضى اية مبالغ او مستحقات مالية خلافا لما نص عليه القانون رقم 100 لسنة 1987 معدلا بالقانون رقم 8 لسنة 1989 ولم يفوض المشرع رئيس الجمهورية او رئيس مجلس الوزراء او اية جهة اخرى منح اية حوافز للوزراء غير ما ورد به من مرتب سنوى وبدل تمثيل سنوى على النحو السالف ومن ثم لا يعتد باية قرارات او توجيهات او تعليمات تصدر من اية جهة على خلاف ما قرره المشرع , ولم يشأ القانون ان يعقد لرئيس مجلس الوزراء ثمة اختصاص بشأن منح الوزراء اية حوافز او مبالغ مالية تحت اى مسمى سوى المرتب السنوى وبدل التمثيل السنوى المشار اليهما ,وبهذه المثابة يكون منح رئيس مجلس الوزراء للوزراء ومن بينهم وزير الاعلام الحوافز التى تقاضاها والبالغة 269 الف جنيه قد صدر معيبا بخلل جسيم وافتئاتا على سلطة المشرع فى تحديد مرتب وبدل تمثيل الوزراء السنوى متعارضا مع الشرعية وسيادة القانون ويدمغه بعيب اغتصاب السلطة المعقودة للمشرع ويكون هذا المنح قد صدر من غير مختص قانونا بأعتبار ان رئيس مجلس الوزراء لا ولاية له فى اصداره ولا يعدو ان يكون مجرد فعل مادى معدوم الاثر قانونا لا تلحقه ثمة حصانة تعصمه من ملاذ المواطنين بالقضاء العادل العاصم من القواسم .وترتيبا على ذلك فانه يتعين القضاء بالزام وزير الاعلام بان يرد للخزانة العامة للدولة مبلغ 269 الف جنيه التى تقاضاها دون وجه حق وكل ما زاد عن هذا المبلغ يكون قد صرف له تحت اى مسمى بالمخالفة للقانون المذكور

واشارت المحكمة انها وهى تتصدى لهذه الدعوى الحقوقية هى العليمة بانها تقضى ولا تحل محل الادارة فى تسيير مفاصل الدولة لكنها لا تستطيع ان تغض الطرف فيما تلحظه من تهذيب تصرف الادارة من شوائبه حتى لا يفلت تصرف الادارة من الهداية والصواب الذى عناه المشرع وهدف اليه ,وقد تكشف للمحكمة من الحكمة والمسار التاريخى لاحترام القواعد القانونية ان المخاطر التى تنتج عن مخالفة القواعد القانونية والافلات من احكام القانون المنظم للمعاملة المالية للوزراء وكبار رجال الدولة هو الذى ادى الى فوز البعض فى ظل النظام السابق بالنفوذ والسيطرة والمال وتمكين هذا البعض من سلب المال العام والافلات به الى حيث مستقر سحيق قد يصعب على اجهزة الدولة الوصول اليه بالطرق المشروعة ومن ثم يضيع على الوطن جهد وعرق ابنائه بل ودماء شبابه

وانتهت المحكمة انه ترسيخا لمبدأ سيادة القانون وكاثر مباشر لثورة 25 يناير 2011فقد يتعين على النظام الحاكم نظام الاخوان  ان يختار بين احد طريقين : الاول الا يكرراخطاء النظام السابق فى منح الوزراء وغيرهم من كبار رجال الدولة المذكورين حصرا بالقانونين سالفى الذكر اموالا تحت اية مسميات غير المرتب السنوى وبدل التمثيل السنوى الذى حدده القانون وهى من اموال الشعب صرفت بالمخالفة الجسيمة لاحكام القانون ما كان يجب عليه الاستمرار فى صرفها واما ان يسلك الطريق الثانى بان يصدر قانونا جديدا يحدد فيه فى صراحة ووضوح امام الشعب اية مبالغ يراها تصرف لرئيس الجمهورية ورئيسى المجلسين النيابيين ورئيس مجلس الوزراء والوزراء تحقيقا لمبدأ الشفافية امام الشعب حتى تدرك الثورة اهدافها التى رمى اليها الشعب الا انه لم يسلك هذا او ذاك واثر الاقتفاء باخطاء النظام السابق فى صرف اموال الشعب بالمخالفة للقوانين المنظمة لمخصصاتهم المالية . بحسبان ان الشعوب لا تحتمل الفساد سيما اذا اقترنت به احوال اقتصادية سيئة تكشف عن ان كبار الحاكمين يعيشون حياة ترف واسراف بينما يعيش المحكومون من غالبية الشعب معيشة ضنك وجفاف

هذا ويذكر ان مجلس النواب قد وافق بصفة نهائية على تحديد مرتبات امس الاثنين على تعديل القانون رقم 100 لسنة 1987 بشأن مرتبات نائب رئيس الجمهورية ورئيسى البرلمان ومجلس الوزراء والوزراء , مكافأة أو مرتبا يعادل صافيه الحد الاقصى للاجور لرئيس البرلمان ورئيس الوزراء ومرتبا  يعادل صافيه الحد الاقصى للاجور لنواب رئيس الوزراء وللوزراء والمحافظين وهكذا يثبت القضاء المصرى وعيه واسبقيته في ميدان التطبيق والتنفيذ للقوانين المعبرة عن حاجات المجتمع.

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *