الخميس
08 محرم 1440
20 سبتمبر 2018
10:21 م

‎مصر والسعودية .. مواقف مضيئة وعلاقات مميزة

عبير فتحي
عبير فتحي
الخميس، 12 أبريل 2018 02:25 م

لماذا السيسي ، وسلمان الآن ؟  

‎بأحرف من نور سوف يسجل التاريخ لجلالة الملك سلمان بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين، مواقفه المضيئة تجاه مصر، فقد كان الفضل في إعادة العلاقات بين الشقيقتين بعد قطيعة استمرت عدة سنوات على خلفية المقاطعة العربية لمصر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، ولعب مشهودا في العام 1986 -وكان حينها أميرا لمنطقة الرياض- بالعمل على تقريب وجهات النظر، وقد تمّ ذلك بباريس سنة 1986م في لقاء صريح موسع بين قيادات البلدين، بعيداً عن أضواء الكاميرات، مما دفع بالعلاقات إلى سالف عهدها.
‎وإلى اليوم، وعلى نفس النهج جاءت سياسة جلالته الحكيمة تجاه مصر والمصريين، إذ ينطلق في تعاطيه مع العلاقات الثنائية بين القاهرة والرياض من عقيدة صلبة وإيمان راسخ عبر عنها بكلمات قليلة المبنى عميقة المعني، قال فيها: «موقف المملكة تجاه مصر واستقرارها وأمنها ثابت لا يتغير، وأن علاقة المملكة ومصر أكبر من أي محاولة لتعكير العلاقات المميزة والراسخة بين البلدين الشقيقين».
‎وعقب توليه سدة الحكم في المملكة كانت وجهته الخارجية الأولى هي مصر   في 28 مارس 2015 م، وترأس خلالها وفد المملكة إلى القمة العربية السادسة والعشرين التي عُقدت في مدينة شرم الشيخ، ليتلقى العالم من أدناه إلى أدناه رسالة شديده الوضوح تؤكد في مجملها أن مصر والسعودية هما جناحا الأمة العربية والإسلامية ومحور الارتكاز ورمانة الميزان، وأنهما بما لهما من رصيد لدى الجميع قادرتان على قيادة السفينة العربية إلى بر الأمان في عالم يموج بالاضطرابات والصراعات، وتنهش التنظيمات الإرهابية المتوحشة دولا بأكملها، وتتسلط على شعوب في محاولة للسيطرة على مقدراتها وإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط من جديد.
  
‎يتشعب الحديث عن علاقة القاهرة والرياض ليشمل كافة مناحى الحياة، وتتنوع بين سياسية واقتصادية وثقافية وعسكرية، وروابط وأواصر اجتماعية تربط الشعبين الكريمين، ومصير مشترك، وتحديات تكاد تتطابق، وطموحات يجمع بينها الرغبة في حياة أفضل للشعوب وبسط دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة العربية، وخلق بيئة أعمال آمنة تنعش اقتصادنا العربي، وتحقق نوعا من التكامل المنشود، لمنطقة تمتد من المحيط الأطلسي وحتى الخليج العربي تزخر بالخيرات وتنعم بهبات  آلهيه قدلا تجد لها مثيلا في منطقة أخرى بالعالم.
‎وفي الدعم المتبادل بين الشقيقتين نجد أن التنسيق على أعلى مستوى، ولعل عبارة الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز، إبان حرب الاستنزاف برهان ساطع على ذلك حيث قال للرئيس الراحل جمال عبد الناصر ذات مرة في مؤتمر عُقد بالخرطوم بعد حرب 1967 بعدة أيام "يا جمال مصر لا تطلب وإنما تأمر" .
‎وهو ما تم ترجمته بعدها بنحو 6 سنوات وتحديد خلال حرب السادس من أكتوبر 1973 حيث استدعى الملك فيصل السفير الأمريكي في السعودية وأبلغه رسالة للرئيس نيكسون تحتوى على ثلاث نقاط؛ هي: إذا استمرت الولايات المتحدة في مساندة إسرائيل، فإن مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية سوف تتعرض لإعادة النظر، وأن السعودية سوف تخفض إنتاجها بنسبة 10% وليس فقط 5% كما قرر وزراء البترول العرب، وألمح الملك إلى احتمال وقف شحن البترول السعودي إلى الولايات المتحدة إذا لم يتم الوصول إلى نتائج سريعة وملموسة للحرب الدائرة.
‎وحينما تمادت الولايات المتحدة في دعم إسرائيل كان الرد حاسما وأعلنت الدول العربية بقيادة السعودية حظر تصدير النفط تماماً إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
‎وصدرت الأوامر للقوات السعودية المسلحة والحرس الوطني، للمشاركة في معركة تحرير الأرض العربية وامتزج الدم السعودي مع الدماء العربية في مصر وسوريا دفاعًا عن الشرف والكرامة من أجل استرداد الأرض وتحرير المقدسات الإسلامية، وتفقد الأمير سلطان بن عبد العزيز أرض المعركة في أحد الخنادق على الجبهة المصرية.
‎ولأن مصر تعتنق ثقافة رد الجميل ولا تنسى يوما من وقف إلى جوارها أو مد لها يد العيون فقد كان الجندي المصري إلى جانب أخيه السعودي للدفاع عن حدود المملكة في حرب الخليج الثانية.
‎وكانت كلمات القيادة المصرية ممثلة في الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الصدد واضحة كما الشمس في ساعة الظهيرة : «أمن الخليج هو خط أحمر بالنسبة لنا، ويجب على الآخرين ألا يتدخلوا في شؤوننا، ولا يصلوا بالأمور إلى شكل من أشكال الصدام .. أمن الخليج من أمن مصر، وأمن مصر من أمن الخليج» وهي عبارات لا تقبل التأويل أو التفسير وتحمل بين طياتها من القوة والثقة ما يدفع دوما إلى الأمل والتفاؤل.

‎على الصعيد السياسي، تضرب العلاقة بين البلدين بجذورها في عمق التاريخ الممتد لآلاف السنين، ولأن المقام هنا والمساحة لا تفي بالغرض فإننا سوف نوجز الحديث عن تلك العلاقات منذ توقيع معاهدة الصداقة بين البلدين في العام 1926 م . فقد أيدت المملكة مطالب مصر الوطنية في جلاء القوات البريطانية عن الأراضي المصرية ووقفت إلى جانبها في الجامعة العربية والأمم المتحدة وجميع المحافل الدولية، وفى 27 أكتوبر عام 1955 وقعت اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين.
‎وتجلى دعم المملكة لمصر في ثورة الثلاثين من يونيو 2014 وما تبعها من قرارات الثالث من يوليو قويا ومؤثرا في الداخل والخارج، حيث وقفت السعودية بقوة منددة بتذبذب المواقف الدولية من مصر، وكرست المملكة سياستها الخارجية حينها لحث الحكومات الغربية على الاعتراف بشرعية ثورة 30 يونيو وخارطة الطريق والاستحقاقات الثلاثة، والتى تمت بنجاح لتخرج مصر من الفترة الانتقالية إلى الاستقرار السياسى.
‎وفي المقابل فازت السعودية بنصيب الأسد من زيارات الرئيس السيسي الخارجية منذ توليه الحكم في العام 2014 حيث زار المملكة 8 مرات، فضلا عن الوفود الرسمية التي تتقاطر بين القاهرة والرياض والعكس لتعزيز مختلف المجالات وتمتين العلاقات الثنائية في كافة القطاعات.
‎والمتابع للتعاطي مع الملفات الإقليمية بالمنطقة يلحظ بوضوح التطابق بين البلدين في التعامل مع مختلف الملفات وعلى رأسها سوريا والعراق واليمن وإيران والقضية الفلسطينية وليبيا، حتى وإن بدا اختلافا في الطريقة إلا أن المؤشرات الكلية تتطابق في نهاياتها ومجملها.

‎وعلى الصعيد الاقتصادي، ولأن حديث الأرقام كاشف، فهو يبرهن على متانة العلاقات بين الشقيقتين وقوتها وبحسب إحصاءات تم الكشف عنها مطلع الشهر الجاري فإن حجم التبادل التجاري بين البلدين وصل في العام 2017 إلى 2.6 مليار دولار.
‎وتستمر جهود التنسيق والتشاور بين مصر والمملكة لتنعكس بصورة إيجابية على تعزيز التعاون الاقتصادي؛ حيث بلغت الاستثمارات السعودية في مصر حوالي 6.1 مليار دولار وتمثل نحو 11% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية، ونحو 27% من إجمالي استثمارات الدول العربية في مصر والتي تبلغ 20 مليار دولار.
‎أما الاستثمارات المصرية في المملكة فتبلغ حوالي 1.1 مليار دولار في عدد 1043 مشروعًا، منها 262 مشروعًا صناعيًا و 781 مشروعًا تجاريًا وخدميًا ومجالات أخرى.
‎وبالتالي يمكننا القول إن تحقيق التكامل الاقتصادي بين مصر والسعودية يمثل رغبة شعبية قبل أن يكون إرادة سياسية وهو الأمر الذي تدعمه قيادة البلدين؛ حيث تسعى حكومة الدولتين إلى تعزيز التعاون المشترك، وتحسين مناخ الأعمال في البلدين، بما ينعكس إيجابيًا على إقامة شراكات بين القطاع الخاص في كل من مصر والسعودية.
‎كما أن ملف العمالة المصرية في السعودية من أهم الملفات المهمة على صعيد العلاقة بين الدولتين،  وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن أعداد المصريين العاملين بالمملكة العربية السعودية يُقدر بحوالى 1.8 مليون مصرى، في حين تشير تقديرات أخرى غير رسمية إلى أن هذا العدد يزيد عن ثلاثة ملايين مصرى. وبشكل عام تمثل العمالة المصرية رقمًا مهمًا على قائمة الأجانب العاملين في السعودية، وينتشر المصريون في كافة مناطق وأرجاء المملكة، كما يشغل العاملون المصريون قطاعات حيوية مهمة، منها على سبيل المثال الصيدلة والطب والمحاسبة والتعليم والإنشاءات والمقاولات.
‎وتشكل التحويلات التي يجريها العاملون بالسعودية نحو 60% من إجمالي تحويلات المصريين بالخارج والتي بلغت في العام 2017 بحسب بيان البنك المركزي المصري 26.4 مليار دولار، وهو ما يدعم الاقتصادي المصري بقوة ويخفف الطلب على العملة الصعبة.
‎ولا ينسى المصريون ما قدمته المملكة العربية السعودية لمصر عقب ثورة 30 يونيو من منح وقروض وبحسب تقرير للبنك المركزي المصري قدمه لمجلس النواب فإن المملكة قدمت 500 مليون دولار فى العام 2011، ومليارًا ونصف المليار دولار فى 2012، ومليارى دولار فى 2013، ومليارى دولار فى 2014، ومليارى دولار فى 2015 بإجمالى 8 مليارات دولار.
‎فضلا عن نحو 70 مليار دولار في شكل استثمارات مباشرة من خلال المشرعات الاقتصادية التي أقيمت في مصر، وهو ما جنب الاقتصاد المصري الكثير من الهزات وساعده مجددا على النهوض مدعوما بقرارات اقتصادية شجاعة اتخذتها القيادة المصرية ومنها تحرير سعر الصرف وما صاحبه من قرارات صدرت 3 نوفمبر 2016.

‎وتبقى كلمة:
‎إن مصر بما تملكه من ثراء علمي وفكري وثقافي وموقع استراتيجي وثقل دبلوماسي وسياسي، ورؤية مستقبلية، وقوة عسكرية على أعلى مستوى من الجاهزية والتدريب والتسليح، والمملكة العربية السعودية بثرائها الحضاري والفكري ومكانتها الدينية وثقلها الاقتصادي، وعلاقاتها الدولية المميزة، بإمكانهما إعادة استنهاض المجتمع العربي من جديد، ًوبث روح الأمل بين أبنائه ونزع فتيل الأزمات وتبريد المناطق الملتهبة في المنطقة وإعادة المهجرين والنازحين إلى أوطانهم من جديد ..

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *