السبت
10 محرم 1440
22 سبتمبر 2018
03:45 م
آخر الأسبوع

قمة التحديات العربية

محمد أبو الحديد
محمد أبو الحديد
الخميس، 12 أبريل 2018 01:30 ص


أعتذر مقدماً لكل من يمكن أن تغضبه العبارة التالية: "لم أعد أهتم كثيراً بمؤتمرات القمة العربية. ولا أعلق عليها أملاً أورجاءً في حلحلة. وليس حل أي مشكلة عربية. أو مواجهة أي تحد بصورة جماعية جادة وفعالة". 
أقول ذلك. مع كل الاحترام والتقدير لكل الملوك والرؤساء والأمراء العرب الذين يشاركون بالحضور في هذه المؤتمرات. والذين يعتذرون عنها. 
أردت أن أنسب هذا الموقف لنفسي. ولا أقول مثلاً: إن "الرأي العام العربي" أو الشارع العربي لم يعد يهتم. حتي لا يقول لي أحد: وهل أنت تمثل الرأي العام أو الشارع العربي؟!! 
وليس مصدر هذا الموقف أني لا أريد أن أهتم.. بالعكس. فإني أتحرق شوقاً إلي أن أجد في القمم العربية وما يصدر عنها ما يثير الاهتمام أو يستدعيه. 
أعتذر مرة ثانية. ولكن للإخوة في المملكة العربية السعودية الذين يضعون الآن اللمسات الأخيرة لاستضافة القمة العربية العادية في بلادهم منتصف الأسبوع القادم. والتي كان موعدها الطبيعي 28 و29 مارس الماضي. وتم تأجيلها لحين انتهاء مصر من انتخاباتها الرئاسية. وانتهاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من جولته الأمريكية الأوروبية. 
تراكمات كثيرة. تلك التي تشكل منها موقف عدم الاهتمام. ربما أهمها وأبرزها خلال السنوات الثلاث الأخيرة. هو الموقف من المشروع المصري لإنشاء القوة العسكرية العربية المشتركة. 
لقد كان الموقف من هذا المشروع دليلاً دامغاً علي غياب الإرادة العربية الجماعية لمواجهة التحديات الجسام التي يتعرض لها العالم العربي. ووصلت إلي حد العصف بدول. وإسقاط أنظمة. ومحاولات تقسيم الغنائم بين احتلالات خارجية متعددة الأطراف. 
وللتذكرة فقط. فإن قمة عربية أقرت المشروع. وحددت خطوات تنفيذه. ودعت رؤساء أركان حرب الجيوش العربية للدول الأعضاء بالجامعة العربية إلي الاجتماع لوضع البروتوكول التنفيذي. واجتمعوا بالفعل عدة مرات. ووضعوا البروتوكول. وأصبح جاهزاً للتوقيع وخروج القوة العسكرية العربية المشتركة إلي النور. وحين أصبحنا علي بُعْد خطوات قليلة من تحقيق حلم عربي كبير طال انتظاره. جاءت نفس القمة العربية في دورتها التالية فأرجأته بدعوي "المزيد من الدراسة". وكان ذلك يعني "إجهاض الحلم". مهما حاول الأمين العام للجامعة العربية التعبير عن الموقف بعبارات دبلوماسية بالقول إن المشروع لا يزال حياً. 
وقد هزَّت هذه النهاية المؤسفة. حتي لو كانت مؤقتة. الرأي العام العربي بعنف. فلم يعد يدري إن كانت هناك بالفعل إرادة سياسية عربية جماعية "مستقلة". أم أن هناك "إرادات أجنبية" تتداخل في صميم الشأن العربي. وتحول دفة الأحداث المهمة فيه إلي حيث تريد. لا إلي حيث نريد. 
نسمع الآن تصريحات ساسة ودبلوماسيين وأكاديميين عرب. حول "الأهمية الخاصة" لقمة الأسبوع القادم.
البعض يتحدث عن أهميتها من حيث مكان انعقادها. وهو المملكة العربية السعودية. وهي إحدي أكبر القوي الفاعلة والمحركة للأحداث علي المسرح العربي الحالي. وهي تُعظِّم دورها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي إقليمياً وعالمياً. بما تقوم به من ثورة مجتمعية داخلية يقودها وليّ العهد الذي أصبح خلال فترة قصيرة أحد أهم القادة السياسيين الشباب علي الساحة الدولية. 
البعض يتحدث عن أهمية قمة الأسبوع القادم. من حيث جسامة التحديات التي يتعرض لها العالم العربي. في فلسطين. وفي سوريا. وفي ليبيا. وفي اليمن. وفي غيرها.. وهي جميعاً ناتجة عن تدخلات أجنبية غير مشروعة في الشأن العربي.. تدخلات تحمل أطماعاً وأحلاماً مثل التدخلات الإيرانية والتركية. فضلاً عن تدخلات قوي كبري تتقاطَع تقاطُع الأضداد. وتحول العالم العربي إلي ساحة للصراع والتصعيد السياسي والعسكري. الذي ينذر بكارثة. إذا ما خرج في أي لحظة عن السيطرة. 
هؤلاء وأولئك. مع كل الاحترام والتقدير لهم. يرددون حديثاً يتكرر مع كل قمة. ويقدمون تحليلات "بايتة" وسابقة التجهيز. ويزيدون من إحباطات الشارع العربي إن صدَّق تحليلاتهم. ثم انتظر نتائج القمة وقراراتها وبيانها الختامي. فإذا هي أيضاً صورة مكررة من كل نتائج وقرارات وبيانات القمم السابقة. والتي تكتفي بإدانة هذا. وشجب ذاك. واستنكار ثالث. وكأنها تتحدث عن مشاكل وتحديات تواجه آخرين ولا تواجه العرب. ولا تختلف كثيراً عن بيانات مماثلة ممكن أن تصدُر عن بعض الدول الأجنبية تجاه قضايانا العربية. مثل كوريا الشمالية أو الصين أو فنزويلا. 
ومن المضحك. باعتبار أن شر البلية ما يُضحك. أن من يصوغون هذه القرارات والبيانات من إخواننا الدبلوماسيين. يحسبون أن الكلمات. وليس الأفعال والإجراءات. هي مخزون القوة ومصدر تخويف الأعداء. 
كنا اعتدنا في قرارات وبيانات سابقة علي "الإدانة البسيطة" لما نرفضه. فنقول مثلاً: "ندين الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة" أو "ندين التدخل العسكري التركي في سوريا" إلي آخره. 
فلما وجدنا أن أحداً لا يكترث بهذه الإدانة البسيطة. لم نفكر في التصدي عملياً للممارسات الإسرائيلية أو التدخلات العسكرية التركية لردعها. وإنما صَكَّ محررو البيانات والقرارات العربية تعبيراً جديداً يمثل "تصعيداً لغوياً" للموقف. فأصبحوا يقولون: "وندين بأشد العبارات".. وكأن إضافة تعبير "أشد العبارات" سوف يرعب العدو أو يرهبه. وهي وسيلة العاجزين عن الفعل لفقدان الإرادة السياسية. والعدو يعرف ذلك عنا. أكثر منا.
سوف أنتظر القمة العربية منتصف الأسبوع القادم. وسوف أتابع ما سيخرج عنها. وسوف أكون مستعداً لإعلان أني كنت علي خطأ ــ وأتمني ذلك ــ لو وجدت فيما يصدر عنها قراراً واحداً بفعل حقيقي جماعي علي الأرض. في أي قضية أو تحدي مما هو مطروح علي جدول أعمالها. 

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *