الثلاثاء
03 ذو القعدة 1439
17 يوليه 2018
02:15 ص

"وقف تنفيذ أحكام القضاء الإدارى".. أحدث أبحاث الفقيه محمد خفاجى

الدكتور محمد خفاجى
الدكتور محمد خفاجى
كتب: أشرف حجاج الإثنين، 09 أبريل 2018 01:24 م

تناول الفقيه المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدوله فى أحدث أبحاثه التى نشرها الموقع الرسمى القضاة مجلس الدوله  بعنوان : (مدى اعتبار قيام قاضى الأمور المستعجلة بوقف تنفيذ أحكام القضاء الإدارى من قبيل الغلط الفادح والاهمال المفرط والجهل غير المُغتفر, ومدى وجوب مخاصمته ومحاكمته ومساءلته تأديبياً فى ضوء قضاء محكمتى النقض المصرية والفرنسية. دراسة تحليلية : في ضوء المبادى العامة للقانون التى استنتها محكمة النقض المصرية والفرنسية والاتجاه الدستورى)، ونظراً لأهمية الموضوع على الساحة القضائية والمجتمعية ولوضع حدود بين ولاية جهات القضاء  طبقاً للدستور وليس الاحتراب بينها.

ويرتكز البحث على ست نقاط متتالية
أولا: الاتجاه الدستورى بالاختصاص النوعى لقاضى التنفيذ فى ضوء قانون المرافعات: يقول الدكتور محمد خفاجى استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا منذ عام 1999 أى منذ ما يقرب من تسعة عشر عاماً , على أن المنازعة فى تنفيذ حكم صادر من جهة القضاء الإدارى – والتى تستهدف أما المضي فى تنفيذه وإما إيقافه -  وإن وصفت من حيث نوعها بأنها منازعة تنفيذ ، إلا أن ذلك لا ينفى انتسابها – كأصل عام – إلى ذات جنس المنازعة التى صدر فيها ذلك الحكم ، وبالتالى تظل لها الطبيعة الإدارية وتندرج بهذا الوصف ضمن منازعات القانون العام التى يختص بنظرها القضاء الإداري .ولا يوهن فى سلامة هذا النظر , نص المادة (275) من قانون المرافعات على اختصاص قاضي التنفيذ – باعتباره شعبة من شعب القضاء العادى – بمنازعات التنفيذ الموضوعية والوقتية ، إذ هو من قبيل الاختصاص النوعى ، وبالتالى ينصرف هذا الحكم إلى منازعات التنفيذ التى تختص بأصلها جهة القضاء العادى دون أن تجاوزها إلى اختصاص محجوز لجهة القضاء الإدارى . ( فى هذا الاتجاه حكم المحك مة الدستورية العليا في القضية رقم 11 لسنة 20 قضائية "  تنازع " جلسة 1/8/1999).

ويضيف الدكتور محمد خفاجى لا ريب أن تخوم الاختصاص الولائى لجهات القضاء يتعلق مباشرة بقوة الدستور واحترامه وبمبدأ استقلال القضاء وليس احترابه , ذلك إن دستور مصر الحالى  قد أفرد الباب الرابع منه لسيادة القانون ، وفيه أخضع الدولة بجميع سلطاتها للقانون ، وجعل من استقلال القضاء وحصانته وحيدته ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات ، وأوجب الدستور على الكافة احترام أحكام القضاء التى تصدر وتنفذ باسم الشعب صاحب السيادة وجعل من تنفيذها وإعمال مقتضاها فريضة ملزمة ، ولا شك أن المشرع لم يترك أمر أحكام القضاء الإداري سدى ولم يدع ما تنطق به من حق وعدل هباءً منثوراً ، وإنما أسبغ على تلك الأحكام بعبارات جلية المعنى صريحة الدلالة قوة الشئ المحكوم فيه بما يقتضيه ذلك من تطبيق للقواعد الخاصة بالحجية التى لا تنفك عن الحكم بحال ، وأوجب تنفيذ هذه الأحكام بالرغم من الطعن عليها ، وقرر المشرع – فى صراحة ووضوح – أنه لا يترتب على الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه ، مالم تقض دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة بوقفه ومن ثم بات مستقراً أن سلطة وقف تنفيذ أحكام القضاء الإدارى معقودة فحسب لدائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا .

ثانياً : قيام قاضى الأمور المستعجلة بوقف تنفيذ أحكام القضاء الإدارى عدوان على قضاء مجلس الدولة وقضاء الدستورية وعلى الحماية التي كفلها الدستور لولاية مجلس الدولة :
ويضيف خفاجى إن رقابة محكمة القضاء الإدارى على القرارات والمنازعات الإدارية هى رقابة قانونية تسلطها عليها لتحسم أمر مشروعيتها سواء من حيث مطابقتها أو عدم مطابقتها للقانون , ووفقاً لما استقرت عليه أحكام المحكمة الدستورية العليا وما سطره الدستور  المصرى الحالى فى المادة (190 ) منه ، ولذا فإن أى حكم تصدره محكمة الأمور المستعجلة بوقف تنفيذ حكم صادر من محكمة القضاء الإدارى  يعد مجرد عقبة مادية عديمة الأثر ، لعدوانه على قضاء مجلس الدولة وقضاء الدستورية وعلى الحماية التي كفلها الدستور لولاية مجلس الدولة ، وهي حماية يفرضها مبدأ خضوع الدولة للقانون بما يتضمنه هذا المبدأ من وجوب استقامة المنحى عند إصدار محكمة الأمور المستعجلة لحكمها المعدوم , فتُعمل نصوص الدستور عن بصر وبصيرة، فلا تعتدى عليها اندفاعاً، ولا تقتحم بممارستها حدوداً تقع في دائرة عمل القضاء الإدارى لتخرج حكماً متوهمة حق إصداره ، وكان يتعين عليها التقيد بالضوابط التي فرضها الدستور الذى رسم  تخوم ولاية القضاء الإدارى ، ويكون حكم الأمور المستعجلة الصادر بوقف تنفيذ حكم قضاء إدارى  منعدماً في ذاته لتعديه على ولاية القضاء الإدارى وعدوانه على الدستور ، ومن غير المتصور قانوناً أن يكون الحكم المنعدم مرتباً لأية آثار في محيط العلائق القانونية ، فلا يولد حقاً، ولا يتعلق به التزام ، ولا يقام له وزن  ، ولا يعتد به ، وحسبه أنه لا شئ .

ويوضح  الفقيه الدستورى أن المستقر عليه فى قضاء المحكمة الإدارية العليا أن إقامة الإستشكال فى أحكام مجلس الدولة أمام القضاء العادى ، مجرد عقبة مادية عديمة الأثر ، لأنه والعدم سواء ولا ينتج أثراً ولا يقام له وزن .(حكم المحكمة الإدارية العليا فى الطعن رقم 9074 لسنة 52 قضائية .عليا جلسة 17/4/2010 ) والمستقر عليه كذلك فى قضاء محكمة النقض أنه لجهة القضاء العادى بما لها من ولاية عامة أن تتحقق من أن الحكم المطروح أمر حجيته عليها ، والذي أصدرته جهة قضاء أخرى قد صدر فى حدود الولاية القضائية لهذه الجهة من عدمه ، إذ يعد الحكم الصادر من جهة قضاء خارج حدود ولايتها ، معدوم الحجية أما الجهة  صاحبة الولاية فى النزاع . (فى هذا المعنى حكم محكمة النقض فى الطعن رقم 376 لسنة 33 قضائية – جلسة 2/5/1967) .

ثالثاً : قيام قاضى الأمور المستعجلة بوقف تنفيذ أحكام القضاء الإدارى  يخالف النظام العام القضائى الأبى على الجدل:
ويستطرد فيقول  يثور التساؤل بصدد الإشكال المقام ضد الأحكام الصادرة من القضاء الإدارى أمام محكمة الأمور المستعجلة غير المختصة ولائياً بنظره عن مدى مخالفته لقاعدة من قواعد النظام العام , ومدى ماله من أثر موقف و حائل دون تنفيذ الحكم الصادر من إحدى محاكم مجلس الدولة . وإنه مما هو مستقر عليه تلبية لإرادة المشرع و تجسيداً لقضاء متواتر و صار معلوماً بالضرورة ، أن الأحكام التي تفرزها العدالة كشفاً أو تقريراً صدوراً عن قضاء مجلس الدولة – سيما ما يصدر عن المحكمة الإدارية العليا التي هي قمة محاكمه و نهاية مطاف التقاضى أمامها – إنما تولد حائزة قوة الشئ المحكوم فيه ، و أن هذه الأحكام إذا كانت صادرة بالإلغاء فهى منذ صدورها تتمتع بحجية مطلقة تسرى على الكافة بحسبان أنها حجية من طبيعة عينية ، و أن هذه الحجية بسمتها المنوه به تلحق الأحكام الصادرة بوقف تنفيذ القرارات الإدارية ، إذ أن وقف التنفيذ يصدر عن سلطة المحكمة بالإلغاء فهو صادر عن سلطة مشتقة من هذه السلطة ، و من ثم تتمتع الأحكام الصادرة بوقف التنفيذ بذات ما تتمتع به الأحكام الصادرة بالإلغاء من حجية مطلقة ، الأمر الذي تضحى معه هذه الأحكام أو تلك متسمة ليس فقط بأن ما تقضي به هو عنوان الحقيقة و إنما هو الحقيقة ذاتها ،   بما يجعلها نزولاً على طبيعتها هذه عصية على التعقيب عليها ، و تكون بذلك أبية على النيل منها بتعطيل لها أو وقف ، فإن كان ثمة خروج على تلك الطبيعة نيلاً من تلك الحجية ،  عزوفاً عن مقتضاها و إعراضاً عن الصدع بمؤداها ،  بما ينبثق عن ذلك من رغبة عن تطبيق العدل ، و تعطيل لما هو الحق ، و محادّة لإرادة المشرع التي أودعها  نص المادة 52 من قانون مجلس الدولة ، فضلاً عن إرادة الشعب الذي تصدر الأحكام باسمه كما هو صريح نص المادة (72) من دستور 1971 - و التى يقابلها نص المادة (100) من الدستور الحالى - بما يمثله ذلك من جرم يعاقب عليه القانون وفق ما أورى به نص هذه المادة .

مؤكدا أنه بات مستقراً أبياً على الجدل أن جهة القضاء الإداري هي - دون غيرها - المختصة بالفصل في منازعات التنفيذ التي تتعلق بما يصدر عنها من أحكام ، سواء كان الهدف منها المضي في تنفيذها أو إيقافه ، و ذلك وفق قضاء متواتر من المحكمة الإدارية العليا ،   و مؤكد من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 11 لسنة 20 قضائية " تنازع " ،   و قضاؤها لا ريب كاشف عن اختصاص أصيل موسد لمحاكم مجلس الدولة على اختلاف درجاتها بنظر هذه المنازعات و محتم الالتزام به منذ نشره في الجريدة الرسمية لدخوله في نسيج القواعد القانونية الواجبة التطبيق دون ترخيص ، و الاتباع دون رجعة ، و الالتزام دون تعلل ، كما أن مما غدا بمنأى عن الريبة أنه يتعين على الجميع الالتزام بالقواعد القانونية و المبادئ القضائية ،  تطبيقاً و تنفيذاً و إعلاء للحق و إحقاقاً للعدل،  دونما قعود عن ذلك أو تثاقل ، رفعاً لسيادة القانون وخضوعاً لأحكامه.

رابعاً: ولاية قاضى الأمور المستعجلة بوقف تنفيذ الأحكام الصادرة من القضاء الإدارى ولاية ساقطة لهدمه الدستور وتجريده من كل أثر وعدوانه على سمو قواعده:يقول الدكتور محمد خفاجى أنه من المعلوم والمعروف والمستقر أنه ينعقد الاختصاص بنظر منازعات التنفيذ لذات المحكمة التى أصدرت الحكم , ولا ينعقد لقاضى الأمور المستعجلة ثمة اختصاص بشأن إشكالات تنفيذ الأحكام الصادرة من القضاء الإدارى هذا ما استقر عليه القضاء الإدارى ذاته مؤيداً من المحكمة الإدارية العليا ,  وهو ما أكدته المحكمة الدستورية فى ظل دستور11 سبتمبر 1971 الذى بصدوره أصبح مجلس الدولة صاحب  الولاية العامة في نظر سائر المنازعات الإدارية , وجرى قضاء المحكمة الدستورية العليا فى ظل العمل بالدستور المذكور على إن المنازعة فى تنفيذ حكم صادر من جهة القضاء الإدارى- والتى تستهدف إما المضى فى التنفيذ وإما إيقافه - وإن وصفت من حيث نوعها بأنها منازعة تنفيذ، إلا أن ذلك لا ينفى انتسابها- كأصل عام - إلى ذات جنس المنازعة التى صدر فيها ذلك الحكم، وبالتالى تظل لها الطبيعة الإدارية وتندرج بهذا الوصف ضمن منازعات القانون العام التى يختص بنظرها القضاء الإدارى على نحو ما سلف بيانه . وعلى اعتبار أن نص المادة 275 من قانون المرافعات الذى نص على اختصاص قاضى التنفيذ- باعتباره شعبة من شعب القضاء العادى- بمنازعات التنفيذ الموضوعية والوقتية، إذ هو من قبيل الاختصاص النوعى وبالتالى ينصرف هذا الحكم إلى منازعات التنفيذ التى تختص بأصلها جهة القضاء العادى دون أن تجاوزها إلى اختصاص محجوز لجهة القضاء الإدارى "(حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 11 لسنة 20 قضائية "  تنازع " جلسة 1/8/1999)سالف الإشارة إليه .

ويضيف ثم صدر دستور الحالى فى 18 يناير عام 2014 ، مستكملاً السياج الحصين الذي أحاط به اختصاص مجلس الدولة ، فوسد فى المادة (190 ) منه لمجلس الدولة – دون غيره – الاختصاص بالفصل في المنازعات الإدارية ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه ، تكريساً للقضاء المستقر للمحكمة الإدارية العليا  وللمحكمة الدستورية العليا على النحو سالف الإلماح ،  وإنفاذاً لهذا النص الدستورى الآمر - وهو نص نافذ بذاته ولا يتطلب العمل به صدور تشريع لاحق -  لم يعد ثمة شك فى أن منازعات التنفيذ المتعلقة بالأحكام الصادرة من محاكم مجلس الدولة باتت من اختصاص هذه المحاكم دون غيرها توحيداً للقواعد الإجرائية والموضوعية التى تحكم الخصومة في مجال المنازعات الإدارية والتى لا تستقيم عدلاً إلا إذا اُخضعت لقواعد موحدة سواء فى مجال اقتضائها أو الدفاع عنها أو الطعن فى الأحكام التى تصدر فيها .

ويشير د محمد خفاجى ولا مرية فى أن قضاء الدستورية الصادر فى أول اغسطس 1999 المشار إليه  منذ نشره - و قضاؤها لا ريب كاشف عن اختصاص أصيل موسد لمحاكم مجلس الدولة على اختلاف درجاتها بنظر هذه المنازعات و محتم الالتزام به – يكون منذ نشره في الجريدة الرسمية قد دخل فى نسيج القانون المصرى وصار ملزماً في القواعد القانونية الواجبة التطبيق دون ترخيص ، و الاتباع دون رجعة ، و الالتزام دون تعلل .

وينوه خفاجى أنه مما غدا بمنأى عن الريبة أن محكمة الامور المستعجلة عليها  أول من يجب أن يلتزم بالقواعد القانونية و المبادئ القضائية بصدد ولاية مجلس الدولة احتراماً للدستور وإلا لما قامت في البلاد حاجة إلى خدمات القضاء والعدل الإدارى  ، تطبيقاً وتنفيذاً وإعلاء للحق خضوعاً لأحكامه  , وقد أصبح  قضاء الدستورية  له قوة الالزام ثم تأكد ذلك الالزام بصراحة ووضوح فى  الدستور فى 18 يناير 2014 بأن يختص مجلس الدولة دون غيره بالفصل فى المنازعات الادارية ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه أى بحظر نظر اشكالات التنفيذ الصادرة من جهة القضاء الإدارى أمام أى جهة اخرى ,  ولا يكون لأى من الإشكالات التى تقام أمام محكمة الأمور المستعجلة في الأحكام التي تصدر عن أى من محاكم مجلس الدولة من أثر ، إذ لا تكون سوى عقبة مادية وعدواناً وتطاولاً على قواعد الاختصاص الولائي لمجلس الدولة ، وخروجاً على قاعدة من قواعد النظام العام ، و من ثم يكون لزاماً  إهدار ما هو عديم الأثر و عدم الاكتراث به.

ويستكمل بهذه المثابة تصبح ولاية الامور المستعجلة فى الفصل فى منازعات التنفيذ فى الأحكام الصادرة من القضاء الإدارى منعدمة ليس لها من وجود، إذ هى ولاية ساقطة في ذاتها والساقط لا يقوم، لعدوانها على قضاء مجلس الدولة وقضاء الدستورية وعلى الحماية التي كفلها الدستور لولاية مجلس الدولة ، وهي حماية يفرضها مبدأ خضوع الدولة للقانون بما يتضمنه هذا المبدأ من  وجوب استقامة المنحى عند اصدار محكمة الامور المستعجلة لحكمها المعدوم في هذا الشأن , فتعمل نصوص الدستور عن بصر وبصيرة، فلا تعتدى عليها اندفاعاً، ولا تقتحم بممارستها حدوداً تقع في دائرة عمل القضاء الإدارى لتخرج حكماً متوهمة حق اصداره وهو فى العدل  منتحلاً اختصاصه , لتعديه على ولاية القضاء الادارى نكالاً، واخراجه مما يختص به ختالاً، وعدوانه على الدستور اغتصاباً , وتجريده نصوصه من محتواها انتحالاً ، ومن مشروعيته الدستورية لينحل عدماً , فيكون بنيانه متهادماً وصرحه متداعياً ورباطه متأكلاً  مندثراً وصدعه غائراً فى ثوب العدالة الابيض فلا يؤول أمره إلا هشيماً وحسيراً ومن غير المتصور قانوناً أن يكون الحكم المنعدم مرتباً لأية آثار في محيط العلائق القانونية، ذلك أن انعدامه إفناء لذاتيته يقتلعه من منابته، ويجتثه من قواعده، ليحيله هباء منثوراً، فلا يولد حقاً، ولا يتعلق به التزام، بعد أن هدم الدستور، وجرده من كل أثر بعدوانه على قواعده وهى التى تسمو على كافة القواعد القانونية، ولا استواء له، فليس له من عمد يرفعه، ولا من كيان يقيمه، ولا نص يعينه، بل ينهدم من أساسه ليفقد وجوده من مبدئه، فلا وضع له، ولا اعتداد به، وحسبه أنه غير شىء.

وعلى الرغم من أن النص الدستورى المذكور قائم بالتطبيق بذاته دون حاجة إلى تشريع إلا أننا نرى  مناشدة  المشرع بوضع رغبة المشرع الدستورى موضع التنفيذ حتى لا يتكأ عليها ضعاف التفسير , والنص على جعل محاكم مجلس الدولة تختص بالمنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه وإلا أصبح النص عليها لغواً من القول وهو أمر يتنزع عنه المشرع الدستورى.

خامساً: مدى اعتبار قيام قاضى الأمور المستعجلة بوقف تنفيذ أحكام القضاء الإدارى من قبيل الغلط الفادح والاهمال المفرط  والجهل الذي لا يُغتفر  INEXCUSABLE ومدى مخاصمته ومحاكمته ومساءلته تأديبياً فى ضوء قضاء محكمتى النقض المصرية والفرنسية: يقول الدكتور محمد خفاجى يثور التساؤل بصدد إشكالات التنفيذ التى تقام أمام قاضى التنفيذ عن الأحكام الصادرة من محاكم مجلس الدولة عن مدى اعتبار قيام قاضى الأمور المستعجلة بوقف تنفيذ حكم القضاء الادارى من قبيل الخطأ المهنى الجسيم التى تستوجب محاكمته أم لا؟, وكذا مدى اعتباره من قبيل  الجهل الفاضح بالمبادئ الأساسية للقانون مما تستوجب مساءلته تأديبياً أم لا؟

وفقاً للمادة 494 من قانون المرافعات يجوز مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة في حالات محددة حصراً من بينها  اذا وقع من القاضي أو عضو النيابة في عملهما غش أو تدليس أو غدر أو خطا مهني جسيم . كما إنه طبقاً للمادة 499 مرافعات على إنه اذا قضت المحكمة بعدم جواز المخاصمة، وبرفضها حكمت على الطالب بغرامة لا تقل عن مائتي جنيه ولا تزيد على الفي جنيه وبمصادرة الكفالة مع التعويضات إن كان لها وجه ، وإذا قضت بصحة المخاصمة حكمت على القاضي أو عضو النيابة المخاصم ببطلان تصرفه وبالتعويضات والمصاريف.

ومع ذلك لا تحكم المحكمة ببطلان الحكم الصادر لمصلحة خصم أخر غير المدعى في الدعوى المخاصمة إلا بعد اعلانه لإبداء أقواله ويجوز للمحكمة في هذه الحالة أن تحكم في الدعوى الأصلية إذا رأت أنها صالحة للحكم وذلك بعد سماع اقوال الخصوم.

ويضيف الدكتور خفاجى تقوم مسئولية قاضى التنفيذ الذى يوقف تنفيذ حكم القضاء الادارى  على سبيل الاستثناء , ذلك أن الأصل العام الذى ارسته محكمة النقض هو عدم مسئولية القاضي عما يصدر منه من تصرف في أثناء عمله ، لأنه يستعمل في ذلك حقاً خوله له القانون وترك له سلطة التقدير فيه ، ولكن المشرع رأي أن يقرر مسئوليته علي سبيل الاستثناء إذا انحرف عن واجبات وظيفته وأساء استعمالها فنص في قانون المرافعات علي أحوال معينة أوردها علي سبيل الحصر يسأل فيها عن ذلك ، والحكمة التي توخاها المشرع من ذلك هي توفير الطمأنينة للقاضي في عمله واحاطته بسياج من الحماية بما يجعله فى مأمن من سند العابثين الذين يحاولون النيل من كرامته وهيبته برفع دعاوي كيدية لمجرد التشهير به. طالما التزم أصول المهنة ولم يرتكب خطأ جسيماً ). حكم محكمة النقض فى  الطعن رقم 1298 لسنة 47 ق جلسة 19/6/1980 )

ويشير الدكتور محمد خفاجى قد استقر  قضاء محكمة النقض المصرية  أيضاً على أن الخطأ المهنى الجسيم الذى يجيز مخاصمة القاضى هو الخطأ الذى يرتكبه القاضى لوقوعه فى غلط فاضح ما كان ليساق إليه لو إهتم بواجباته الإهتمام العادى أو لإهماله فى عمله إهمالا مفرطاً ويستوى أن يتعلق بالمبادىء القانونية ومثالها أن يوقف تنفيذ صادر من القضاء الادارى خارج نطاق ولايته الدستورية والقانونية وبالمخالفة لحكم المحكمة الدستورية العليا التى تتمتع أحكامها بالحجية المطلقة على كافة سلطات الدولة وأولها هرعاً بالالتزام بها السلطة القضائية على اختلاف درجاتها أو بوقائع القضية الثابتة فى ملف الدعوى ، وتقدير مبلغ جسامة الخطأ يعتبر من المسائل الواقعية التى تدخل فى التقدير المطلق لمحكمة الموضوع . (في هذا المعنى حكم محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 410 لسنة 56 ق جلسة 12/12/1991 ).

ويؤكد الدكتور محمد خفاجى على أن محكمة النقض قد حددت المقصود بالغلط الذى يوجب مخاصمة القاضى وفقاً للفقرة الأولي من المادة 494 من قانون المرافعات التى  تجيز مخاصمة القضاة إذا وقع منهم في عملهم خطأ مهني جسيم ، فإنه يقصد به الخطأ الذي يرتكبه القاضي لوقوعه في غلط واضح فادح ما كان ليساق إليه لو اهتم بواجباته الاهتمام العادي أو لاهماله في عمله اهمالاً مفرطاً ، يستوي في ذلك أن يتعلق خطؤه بالمباديء القانونية أو بوقائع القضية الثابتة في ملف الدعوي . وتقدير مبلغ جسامة الخطأ يعتبر من المسائل الواقعية التي تدخل في التقدير المطلق لمحكمة الموضوع . (حكم محكمة النقص المصرية فى الطعن رقم 2333 لسنة 51 ق جلسة 18/11/1990 ).

ويوضح الدكتور محمد خفاجى قد حـدّدتْ محكمة النقض الفرنسيّة بقرارها الصادر 13 أكتوبر 1953م عن الدائرة المدنية الأولى – المجموعة المدنية 1953- المقصود بالخطأ المهني الجسيم بأنه "الخطأ الذي يرتكبه القاضي لوقوعه في خطأ فاضحٍ ما كان يجب أن يقع فيه القاضي الذي يهتم اهتماماً عاديّاً بعمله، وقد يكون جهلاً فاضحاً بالمبادئ الأساسية للقانون أو الجهل الذي لا يُغتفر INEXCUSABLE  في الوقائع الثابتة في ملف الدعوى، ويشترط أن يكون هذا الخطأ استثنائياً وفاضحاً". كما أن الفقيه DOMINQUE ذهب إلى أن  الخطأ المهنى  الجسيم للقاضى يبرر اثارة مسئوليته التأديبية حينما يوقف تنفيذ أحكام غير قابلة للطعن أى صادرة من أعلى محكمة.

وينتهى الدكتور محمد خفاجى بهذه المثابة فإن الخطأ المهنى الجسيم للقاضى هو الانحراف عن الحد الأدنى للمبادئ القانونية، أو الإهمال المتعمد للوقائع الثابتة المنتجة بالنـزاع , ولم يشترط المشرع في إثبات الخطأ المهني الجسيم إثبات توافر سوء النية، وإن كان ثبوت الخطأ المهني الجسيم قريباً من الغش، فهو الخطأ الذي لا يقع من القاضي الذي يهتم بواجباته اهتماماً عادياً، أو هو الخطأ الذي لا يرتكبه قاضٍ متبصر حريص في عمله , لذا أن  طبيعة دعوى مخاصمة القضاة هي دعوى مسئولية مدنية وليست طريقاً من طرق الطعن غير العادية , وإنما هي دعوى مبتدأة تستهدف مسئولية القاضي في عمله الموكل إليه ارتكازاً على أساس الخطأ الشخصي وعمله غير المشروع .

ويشير الدكتور محمد خفاجى من التطبيقات القضائية على الخطأ المهني الجسيم: أن يتصدى قاضى الامور المستعجلة لوقف تنفيذ حكم حاز قوة الشئ المحكوم فيه صادر من القضاء الإدارى و تجاهله عن عمد وإصرار لحجية حكم القضاء الإدارى , منتهكاً الاختصاص الولائى  المحجوز دستورياً باختصاص محاكم مجلس الدولة بنظر إشكالات التنفيذ فى الأحكام الصادرة منها , مما يشكل تجاهلاً لوقائع ثابتة في الدعوى وانحرافاً عن الحد الأدنى للمبادئ الأساسية في القانون تستوجب محاكمته وهكذا نرى أن فكراً حديثاً صار سائداً فى المجتمع الدولى واكبه اتفاق قضاء محكمة النقض المصرية مع قضاء محكمة النقض الفرنسية في اعتبار أن الجهل الفاضح للقاضى بالمبادئ الأساسية للقانون يعد خطأً مهنياً جسيماً تستوجب مخاصمته ومحاكمته ومساءلته تأديبياً ولو لم يتوافر سوء النية.

سادساً :خصومة التنفيذ واختصاص دائرة فحص الطعون كمحكمة طعن وقف تنفيذ حكم القضاء الإدارى استثناء على قاعدة وجوبية النفاذ: يقول الدكتور محمد خفاجى أن المبدأ السائد أن الأحــكام الصادرة في المنازعات الإدارية واجبة النفاذ كأصل عام  إلا أنه استثناءً من ذلك يجوز الطعن عليها ووقف تنفيذها من دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا ، فإذا ما صارت نهائية كانت واجبة النفاذ أياً كانت الآثار المترتبة عليها ما لم يُستشكل في تنفيذها , ومناط قبول الإشكال دائما مبناه – كما ذكرنا - وقائع لاحقة على صدور الحكم وليست سابقة عليه.

ويختتم بقوله الأصل أن الحكم الصادر في المنازعات الإدارية لا يجوز وقف تنفيذه واستثناء يجوز لمحكمة الطعن وقفاً لحكم المادة (50) من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه ، فإذا ما صار الحكم نهائياً كان واجب النفاذ أياً كانت الآثار المترتبة على ذلك نزولاً على حجية الأحكام وإعلاءً لشأنها وإكباراً لسيادة القانون وأمانة النزول على مقتضياته ، بيد أن ذلك وإن كان نهاية مطاف الخصومة القضائية إلا أنه لا يحول دون ابتداء خصومة أخرى هي خصومة التنفيذ أمام ذات الجهة القضائية وليس قاضى الأمور المستعجلة التي تعترض الوصول بالحكم بعد صدوره إلى غايته الطبيعية بتنفيذه وحسم النزاع في الدعوى واستقرار المراكز القانونية لأطرافها ، وذلك بالإستشكال في تنفيذ الحكم وهو وسيلة إجرائية تقضي إلى حماية وقتية سريعة تتمثل فى وقف تنفيذ الحكم مؤقتاً إذا صادف تنفيذه عقبات مادية أو قانونية نشأت بعد صدور الحكم وتجعل تنفيذه يرتب نتائج يتعذر تداركها أو يستحيل تمام تنفيذه ، ومن ثم كانت اشكالات تنفيذ الحكم هي منازعات لا شأن لها بأصل الحق الثابت فيه ولا هى طعناً عليه وإنما تتعلق بمكنة تنفيذ , و مناط الاشكال في التنفيذ – كما ذكرنا - أن يكون مبناه واقعات طرأت بعد صدور الحكم تمثل عقبة تحول دون تنفيذه ، بحيث لا يسوغ إعادة طرح ما سبق أن فصل فيه الحكم لما في ذلك من مساس بحجيته لا يتأتى إلا من خلال الطعن عليه قانوناً.

وتردد أن العديد من رجال قضاة مجلس الدولة يتجهون لرفع دعوى مخاصمة أمام محكمة النقض ضد قاضى الأمور المستعجلة الذى دأب على وقف تنفيذ أحكام القضاء الإدارى بالمخالفة للدستور.

جدير بالذكر أن الدكتور محمد خفاجى له اسهاماته الفقهية في الموضوعات الهامة والوطنية لصالح مصر منها مخاطر الإرهاب ومسئولية قطر الدولية ,والحقوق المتكافئة لدول حوض النيل لتحقيق الأمن المائي وأخرها المشاركة الشعبية في الانتخابات الرئاسية والثقافة القانونية للناخب والتى لاقت استحساناً كبيراً لدى كثير من طوائف الشعب.

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *