الأحد
09 شوال 1439
24 يونيو 2018
06:27 م

د. نزيه كباره يكتب عن رواية مرآة الروح للروائية لونا قصير

thumbnail
د. نزيه كباره
الأربعاء، 14 مارس 2018 08:33 م

صدر مؤخرا للروائية الأديبة لونا قصير روايتها التي تحمل عنوانا طريفاً هو مرآة الروح في 320 صفحة، وهي الرابعة بعد كتاب القميص الزهري وروايتيها الأولى بعنوان (بلاد القبلات) والثانية عنوانها ( فراشة التّوت).
تتكامل في مرآة الروح عناصر الرواية الناجحة: من سرد شيق ممتع ولغة راقية واسلوب جميل ومقاطع وصفية تتخللها محسنات بديهية وتشابيه واستعارات مبتكرة وحوارات ذكية تشف عن أفكار سامية، وصراع نفسي يؤرق بطلة الرواية ياسمين الزوجة الجميلة وهادي الذي اغرم بها واحبها حبا عميقا وعرض عليها الزواج حتى بعد معرفته بأنها كانت متزوجة، ومن فرط حبه لها قال لها:  ما المشكلة؟ ودعاها إلى فك ارتباطها بزوجها.
وقد جعلت الكاتبة مضمون الرواية في ستة وثلاثين عنوانا، وتتعاقب العنوانين في تتابع منطقي لتشكل وحدة يتابع القارئ سرد الأحداث بشوق، ليصل إلى الخاتمة.
شخصيات الرواية هم:
-الأم كريستينا: رئيسة الدير
-الأخت تيريزا: التي خلفت الأم كريستينا في رئاسة الدير بعد وفاتها
-ياسمين: الطفلة التي وجدت ملقاة في صرة بجانب الدير وبطلة الروية
-أبو رمزي: من وجهاء البلدة وصديق الأم كريستينا
-رمزي: الشاب الوسيم الذي تزوج ياسمين
-هادي: الذي التقى بياسمين بعد زواجها وأحبها
-هدى: صديقة ياسمين وزميلتها في العملجابر: صديق هادي والمسؤول الأمني في مدينة الإسكندرية.
-الدكتور خوسيه: طبيب متزوج من خالة هادي
-جوكندا: زوجة الدكتور خوسيه وخال هادي
-الدكتور روبرتو: صاحب مستشفى وصديق د. خوسيه
-ماجدة: ممرضة عنيت بهادي في أثناء غيبوبة هادي وتعلقت به..
-وحيد: السائق الذي يعمل في خدمة رمزي..

في ما يلي بعض الملاحظات حول خصائص نص الرواية:
تدور حوادث الرواية في عدد من البلدان: لبنان- اسبانيا- الإسكندرية- فرنسا ويحلو للكاتبة أن تصف بعض المواقع في هذه البلدان من ذلك مثلاَ:

أ‌-وصف دير سانت ريتا في لبنان: يطل دير سانت ريتا الواقع في قرية "قمير" بالغرب من الحدود السورية - اللبنانية على سهل واسع انتشرت فيه بعض القرى. على بعد أمتار منه كنيسة صغيرة لا تستطيع أن تصل إليها إلا بعد أن تعبر ممرًا ضيقاً جدًا، إن دخلته شعرت برهبة وخشوع: حجارتها رمادية اللون لا تدخل إليها أشعة الشمس إلا من نافذة صغيرة تطل على الجهة الجنوبية من الدير. في داخلها مقاعد خشبية قديمة وتمثال لمريم العذراء تحيط به شموع كثيرة" هنا الطبيعة خلابة في هذه القرية التائية تصالحت منذ عصور مع أهلها: غيوم تكاد تلتصق بجسدك وسماء تراها عن قرب ( ص 16 )
ب‌- اللغة: التي كتبت فيها الرواية هي العربية الفصحى، لا تقع فيها على تعابير بالعامية. بما في ذلك الحوار الذي يدور بين شخصيات الرواية وهو حوار يدل على عمق في التفكير وجمال في الأسلوب وهو من دون أدنى شك، يعبر عن المستوى الفكري واللغوي للكاتبة. بعض النقاد يحبذ أن يكون الحوار باللغة المحكية لأانه يكون أكثر واقعية ولكننا لا نرى هذا الرأي، كما لا نرى من الواقعية أن يشتمل الحوار على أفكار ومعان سامية ولاسيما بين الأشخاص العاديين، الهم إلا إذا كان الحوار ذا طابع فلسفي وحول موضوعات فكرية.
ت‌- الحبكة تشي بعمل مميز: فأحداث الرواية تتعاقب في سياق متصل، لا يشذ أي منها عن خدمة الخاتمة
ث‌- العنوان: الذي أطلقته مؤلفة الرواية على روايتها مراة الروح ظريف يثير في نفس القارئ تساؤلات عن المعنى الذي تقصده، وقد يرى بعض القراء اطلاق احدى التسميات التالية على العنوان أمثال: ياسمين- مأساة ياسمين- القدر الظالم- الصراع بين العقل والقلب وغيرها
ج‌- وفي الرواية كما قلنا في مطلع المقال:
-  تشابيه مبتكرة: مثالها:لا تستطيع حتى أن تذرف الدموع أمامه، كالسمكة تتخبط في شبكة صياد ماهر( ص 51 )
- تعابير طريفة: كقول الأم كريستينا تخاطب ياسمين: " يا ابنتي رائحة الحزن تفسد العطور، فلمتاذا نلوم الورود إن ذبلت قبا اَوانها"
"يا ابنتي كوني كمياه النهر التي تنساب بين جبلين، تلامس الزهور والصخور، ترقد أحيانا في حفر، لكنها لا تغرق. وأنت مثلها." ( ص 58 و59)
وكقول ياسمين لهادي الذي يقول لها أحبك. "  ... "هذا الذي تسميه ليس حبا، بل مشاعر متقلبة تجتاحك في لحظة ضجر، مللت من ارتجاجات بركان، تارة يهدأ، وطورًأ يثور، تاركا خلفه دمارًأ إن شاء وفسحة أمل تتحكم بها عوامل جيولو جية لا عاطفة فيها.. تشبهك.." ( ص 210)
وصف جميل مبتكر: كما في وصف المحزونين على فراق الأم كريستينا: " همدت الرياح وساد صمت رهيب، لا تسمع في رهبة السكون سوى دقات قلوب وأنفاس متقطعة. حان وقت الرحيل" ( ص 60 ) أو كما في وصف "سنابل القمح التي تتمايل يمينا ويسارا، معلنة الطاعة لرغبات النسمات العابرة لا تلبث أن تلحق بها أوراق أغصان الأشجار في أجمل رقصة تانغو بينها وبين عصافير فرشت أجنحتها الملونة على أجمل سرير لترتاح من بعد سفر طويل." ( ص 119)
كما في وصف جمال ياسمين: "يرتجف أمامها الجسد، ويعجز اللسان عن النطق." ( ص 71) "حورية رائعة الجمال تقطع الأنفاس. عجز لثوان عن الرد. صوتها الدافئ أيقظه من أحلامه، وقف أمامها وانحنى احتراما وقبّل يدها." ( ص 73)
ومن التشابيه والاستعارات الجميلة: قول الكاتبة: فجأة تسللت رائحة البن إلى موقد قلبه، وفي ثوان تناثرت نار لهفته كالوهج المتناثر من خشب مشتعل ( ص 72)
وتبدع الكاتبة: في وصف الصراع الذي ينشب بين عقلها وقلبها، بين وفائها لزوجها وتعلقها بهادي الوسيم الذي اعجبت به وبادلته حبا لم تش به: "أرجوك كفى لقاؤنا صدفة، وما قبلته معك لم أفعله في حياتي مع أي شخص اَخر. لا تجعلني أندم على بقائي معك." ( ص 103)
" وتنهمر دموعها تحاول أن تهرب من واقعها في بعض الأحيان يأتي ببالها هادي تتساءل ما حلّ به؟ ينتابها الحنين في الليالي العاصفة، ترتعب من أفكارها تسمع همساته في ظلمة الليل، تراه أمامها واقفا مرتديا معطفا أنيقا. ينظران معا إلى زخات المطر ورأسها على كتفه تشكو له همومها."
غاضبة تتساءل بينها وبين نفسها: "وماذا كان ينتظر منها؟ أن تغمره وترحل معه بكل بساطة؟ لماذا أتى؟ هل كان يجب أن ترحل معه وتترك مشاعرها تتخبط في عواصف الذنب كل حياتها، وتموت مرتين.." (ص 260 )
لا يخفى ما في الرواية من تحليل نفسي نصادفه في حوارها مع نفسها. الرواية تقرأ للمتعة التي يشعر بها القارئ وهو يتنقل من عنوان إلى اَخر..

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *