الخميس
08 محرم 1440
20 سبتمبر 2018
07:10 م
سفاح جبال بكر الجزء الثاني

الحلقة الأولى: (هواجس)

سفاح جبال بكر
بقلم: مي ياقوت الإثنين، 12 مارس 2018 12:00 ص

"مستوحاة من أحداث حقيقية..

ليس بالضروروة ان تكون كل الاحداث قد حدثت كلها علي ارض الواقع فالخيال يلعب دوره"


شهر كامل انقطعت اتصالاتي بشفيق ففي النهايه بات قضية ناصرتها فانتصرت فيها او حتي وان كنت اخفقت فعلي المضي قدما وتركه يعيش حياته وهو ايضا ربما تناساني لبعض الوقت لترتيب نفسه من جديد فالوضع يوحي وكأنه ولد من جديد.. وان اراد نسياني فمعه الحق كله فان كنت قشته التي تعلق بها حتي يهرب من مصير الغرق ففي النهاية انا ايضا اذكره بلحظات الغرق نفسها التي يريد ان يفقد ذاكرته فيها وان ابت ..والحقيقه قضية شفيق ورفيقيه كانت بمثابة جرعه مكثفه ومجهده لاشباع فضولي الصحفي..لا اعلم لماذا  كان طيفه يظهر في مخيلتي من وقت لاخر وكأن حاستي السادسه التي نبأتني بحدوث كثير غير متوقع باتت توخزني وكأن موعد لقاءنا قد  اقترب والغريب ان ثمة شعور غير مريح كان يتسلل الي نفسي كلما اقترب هذا الموعد المنتظر .. دق باب مكتبي ودخل ..ياااه ياشفيق..  لقد تغير الرجل كثيرا فقد بدي بصحة افضل واكثر ابتهاجا واقل عمرا رغم عدم تخليه عن نظارته السميكة العدسات ..لا اعلم لماذا كنت اعتقد انه يعجز عن الابتسام حتي وان ابتيم فتبدوا وكأنه مجرد ابتسامه مصطنعه  ...كان معه ولديه وصديقه حسن رفيق الكفاح المر والظلم والبراءه ..جلسا يتندران عن ايام السجن وعن غياهب زنزانة الاعدام اما انا فقد كنت صامتة تماما وانصت لما يحكيانه بشغف متأملة ابتسامة الامل في وجه شفيق التي تختلط بالحسرة وتنهيدة حسن المملوءه بالتسامح والسخرية من ايام قد مضت ..لا اعلم لماذا كنت اراهما اثنين في عداد الموتي ومن داخلي كنت اقول" ياسبحان الله يخرج الحي من الميت" رغم اختلاف شرح الايه الكريمه 

افقت من شرودي عندما باغتني شفيق قائلا " الصراحه يا استاذة احنا مش جاينلك لله في الله ولو انك تستحقي اكتر من كده ..اولا احنا اخترنا اليوم ده عشان عرفنا انه كان يوم اعدامنا وهنجيلك فيه كل سنه وثانيا غشمانين فيكي ترجعينا نشتغل مدرسين تاني..الوزاره مش راضيه علي اساس اننا رد سجون وقضيتنا كانت كبيره"

تلعثمت قليلا قبل ان ارد في اندهاش " ايوا بس انتو معاكو براءه" فقال حسن " ماهو للاسف البرئ بيكون اتبهدل قبل ماتظهر براءته والناس كلها بتبقي ظلمت سيرته ..البرئ مبياخدش حقه ..الحاجه الوحيده اللي ردت اعتبارنا كان موضوعك عننا عشان الناس فهمت منه ايه اللي حصل بالظبط 

وعدتهما بان احاول فرحلا في هدوء يشكراني..اعترف انني لم ارحب بهما بالقدر  الكافي ليس لانني كنت كارهة لوجودهما بل لان عقلي كان منشغلا بخلفيات حدسي التي كان يربطها بالواقع الذي بات ينذر بصدق هذا الحدس .. لا اعلم لما جاء علي خاطري العقيد مختار ابو الدهب الا انني فور امساكي بهاتفي تركته ..شردت قليلا في اوجه اختلاف التفكير بين شفيق وحسن حول ماحدث ..فشفيق بات لاينظر للامر وكانه ابتلاء سيجازيه الله عنه ففي بداخله نزغ شيطاني يؤكد له انه عليه الانتقام رغم ان القانون اخذ مجراه بعكس حسن الذي استعوض ماحدث عند خالقه ومصر علي تحقيق ذاته من جديد واكثر اصرارا علي الوصول الي راحة البال الذي كان يتمناها ..القناعات تغير نظر الاشخاص للحياه وفي احايين كثيره ان لم تكن قناعات نابعه من حكمة وقلوب صابره خيره بعيدة عن الحقد والغل والنقم علي المجتمع فانها تتسبب في هلاك اصحابها ..شئ ما جعلني خائفة من الثائر المتمرد امامي فشفيق كانت عباراته كلها ساخطة لم تكن هناك كلمة حمد واحده  ..طردت هواجسي باعطائه مبررا بان ماحدث معه لم يكن شيئا هينا وان الاسوار التي منعته من الانتقام من الاسيوطي بنت داخله سدا جعله لا يري فيما حدث لغريمه عدلا كافيا وكانه بات عقده حقيقيه  ..افلا يكفيك ياشفيق ان الرجل مات مطرودت من رحمة الله

رن جرس هاتفي فنظرت بعدم اكتراث الا ان اسم المتصل اشعل بداخلي جذوة الحماس فرددت فورا " مش عارفه ده توارد خواطر ولا ايه بالظبط ..بس ايا كان مبسوطه باتصال حضرتك"
ضحك في هستيريه ادهشتني قبل ان يقول "وكمان ليكي عين تقولي كنت مستنيه اتصالك ..جبروت ياشيخه"..امتعضت قليلا ونظرت للهاتف لاتاكد انه هو ..هو ذات الاسم " مختار ابو الدهب"وهو ذات الرقم ..فاعدت الهاتف الي اذني وسالته عن سبب طريقته المستفزة والغاضبه في الحديث فكان عتابا بسيطا عن نشرنا لمعلومات عن قضيه قتل منذ عدة ايام تسبب النشر فيها في هروب باقي متهميها الذين كانت قد حددتهم المباحث الا انهم استطاعوا اخيرا الوصول اليهم ..طريقته ذكرتني بحديثنا المختلف دائما فمثلما كنت اتهمه بالقسوه كانت يتهمني ب "اللماضه" 

انتهت المكالمه  في دقائق قبل ان يعاود الاتصال مرة اخري قائلا " مالك يافريدة.. لا ..هو انا مش عارفك برده ..امال فين اللسان المبرد..مش عادتك السكوت ده ..اخلصي عندك مشكله " فصمتت قليلا قبل ان يأخذ صوته نبرة الجديه المهتمه" لا ..ده في مشكله ومشكله كبيره كمان ..هببتي ايه" فرددت فورا " يعني هكون عملت مصيبه وهربانه .. ايه مخ المباحث دن  ..مفيش شوية وجع دماغ ." تنفس الصعداء وضحك مغادرا الهاتف ..الحقيقه ان ابو الدهب كان معه حق فعقلي كله كان منشغلا بسلوكي شفيق وحسن وكأنني تبنيتهما ..لااعلم لماذا لا استطيع الانسلاخ كلية عن تلك القضيه رغم انني انهيت دوري فيها وعلي الحياة ان تلعب دورها بعيدا عن سيف الموت الذي كان مسلطا علي رقاب اصحابها 

اتصال اخر وردني من حسن كان صوته قلقا مذعورا قبل ان احاول ان افهم منه مايحدث معه فقال  " الحقينا يااستاذه شفيق اتقبض عليه

الي اللقاء في الحلقة القادمة 

انتظرونا ايام السبت والاثنين والاربعاء من كل اسبوع

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *