الثلاثاء
06 محرم 1440
18 سبتمبر 2018
11:51 م

العزيزتان في شهر المرأة

علاء طه
علاء طه
الجمعة، 09 مارس 2018 03:27 ص

أكره مارس.. لا أحب الإنقلابات الجوية والأتربة، وأشفق علي أصدقائي من محنة حساسية حبوب اللقاح.. كره مخلوط بمحبة الفل والياسمين والورد البلدي.. يزحف الربيع أنيقاً، فتنبت تحت أقدامه الخضرة، وتزقزق الطيور الملونة.. أربعيني أنا غارق في فيضانات وشلالات الذكريات.. تعذبني العزيزتان في شهر المرأة.. يفتح اليوم الثاني احتفال عالمي، ويختم اليوم الواحد والعشرين عيد "ست الحبايب".. جدتي "نبوية" أم والدي، كف المرأة الأولي علي جسدي الغض خارجاً من رحم أمي.. غرفتها في البيت الكبير، عندما يغلق بابها الخشبي الهش، وتتحرك النسوة  بالماء الساخن و"الطشت"، كان الإعلان عن طفل جديد للعائلة.. تشمر كميها، وتخرج "فرحة" بالولد، أو "متعرقة صامتة" بالبنت.. كنت الولد الثاني.. مدهشة، كانت تطعمنا بيدها، ومجزوعة، كانت تنتظرنا علي حجر أمام باب البيت.. نلعب حولها في الخبيز وإطعام الأرانب والمعيز والحمام، وبشغف كنا ننتظر عودتها من السوق لتلقفنا الفاكهة.. كانت تغزل أيامنا بالبهجة.. صلبة وقوية ربت أولادها الأربعة وبناتها الثلاث بمفردها بعد أن رحل الزوج.. حين تغفو تشم رائحتنا وتنادينا بالاسم دون خطأ، ولم أكن أعرف أن الرائحة تنتقل للأبناء.. فحينما جاء ابني الأول قدموه لها قبل أن أراها، واختبروها من هذا؟.. وضعته في حضنها وملأت رأتيها بزفير، وأجابت بمحبة: "ابن علاء.. فين علاء.. رجع امتي من السفر!".. قبل أن ترحل من سنوات كنا نقبل رأسها ويديها وكانت تحارب الزهايمر لكنها لم تخطئنا.. لمسة يدها علي الشعر بالدنيا.. رحلت وتركتني "نبوية" أبحث عنها بين النساء، وأخذت نصف روحي.
أنا الطفل المشاغب حتي النخاع قبل أربعة عقود ابن أمي "عفاف".. كنت أهرب من البرد في دفء حضنها.. لا أمان إلا في جوارها.. ضحكتها الجميلة وحزنها الهادئ.. كانت مشاغبة علي طريقتها، مؤمنة علي سجيتها.. لا أعرف كيف جمعت بين المصحف وتمثال السيدة مريم العذراء علي رف واحد؟! ولا كيف حفظت أغاني عبد الحليم وأم كلثوم كأنها مطربة بالموسيقي العربية؟! كيف جمعت طيبة العالم في قلب واحد؟! كيف وزعت علينا الحب والجمال و"الجدعنة" بأنصبة عادلة؟! كيف أتت بالشمس والنجوم والألعاب ووضعتها في حجورنا.. كيف تحملت جنونا وطيشنا وتهورنا ما بين الموت والحياة.. أغبياءٌ نحن حينما نبتعد، قساةُ حينما ننشغل لكنها كانت تبحث عنا ما بين المدن.. رحلت "عفاف" وخسرت نصف الروح الأخري.. ولا أجدها بين النساء.
قمران غابا عن حياتي.. ومارس الكئيب يذكرني بهما، ويوجعني بالصور العتيقة ورائحة الخبز وماء الورد.

[email protected]

اضافة تعليق
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني
الحقول المشار إليها إلزامية. *