رئيس مجلس الإدارة
إيـاد أبــو الحجــاج
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

الخوف "الجزء الثاني"

بقلم: د. الهام الدسوقي


عادت لتجري التحاليل، فقد ساورها الشك في الإصابة لتظهر المسحة أنها حاملة للفيروس اللعين، فترسم على وجهها ابتسامة وتسجد شكراً لله أنها كانت سبب تخفيف آلام عشرات المرضى وسبب نجاة أطفالها من المصير المحتوم،  وأيقنت أنها أتمت رسالتها على أكمل وجه.

تمر الأيام الثقال وهي في غرفة العزل لا ينقطع تفكيرها في صغارها ومن يلبي طلباتهم الآن. تخيلتهم يعتمدون على أنفسهم ويكبرون دونها متذكرين أيام أن كانت حامية حماهم والسند واليد الحانية مترحمين على أيامها الجميلة. ولكن ترتسم على وجوههم التعاسة والشقاء بدونها وتهفوا أنفسهم لعودة ملامحها إلى الوجود.

تفيق سعاد من حلم حزين على أصوات الزملاء معلنين عن وجود مصل معالج للفيروس فيتجدد الأمل المتضائل المتواري في الظلمات، وينبض بداخلها قلب الحياة عائداً من برزخ اليأس مسرعاً إلى صدرها الواهن الضعيف.

 الشفاء قادم لا محالة. هكذا حدثت سعاد نفسها معلنة تحديها للفيروس، فقد سمعت من معلميها ما للنفسية السعيدة من أثر على الشفاء.

نعم سأقاوم وأقاوم حتى أعود لمنزلي أحقق حلم أبنائي في عودة ملامحي تجوب أرجاء حياتهم التعسة.

نعم سأقاوم لأرى الشمس الساطعة التي لم أرها من زمن تبعث بسلاسل من الذهب في جميع الأنحاء لتعلن عن يوم جديد وحياة مليئة بالأمل.

نعم سأقاوم لأعانق الشوارع الضيقة المليئة بالمنازل المؤدية إلى منزلي.

هكذا عادت سعاد من رحم المعاناة إلى ضوء المستقبلالمشرق الجنبات.

طالبت سعاد بأن تكون أول من يجرب المصل بالرغم من خطورة التجارب الأولى، أصرت على المحاولة ولم تتراجع لعلها تكون واضعة الحد لكل آلامها وتخوفاتها، فما هي إلا اختيار يتم سريعاً قبل فوات الأوان. فكانت أول من تناول المصل وأول من شفي من المرض اللعين.

تجدد الأمل أخيراً وسترى الشمس المشرقة بأشعتها الذهبية المنتشرة المستقيمة في كل اتجاه باعثة الأمل والرجاء في الأنفس، ستعانق الشوارع الضيقة المؤدية إلى منزلها الصغير في نهاية الشارع الضيق، ستلاعب أطفالها الصغار بلا خوف أو تردد.

الآن يشرق الأمل المتضائل في سماء التمني،  تغادر سعاد حجرة العزل مسرعة إلى أبواب المستشفى المغلقة، تدفعها كمن يهرب من المصير المحتوم، تجري في الشوارع كأنها طفل يرى جنباتها لأول مرة، تلاعب نسمات الهواء الرقيقة كفراشات حالمة تقودها إلى منزلها، تحتضن أطفالها في لهفة المشتاق إلى الحياة.

إنها سعاد ملاك الرحمة.