رئيس مجلس الإدارة
إيـاد أبــو الحجــاج
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

غياب الأعمال الدينية والتاريخية ساهم في هشاشة الوعى والانتماء
خلال الجلسة
خلال الجلسة

الرقابة الفنية عفى عليها الزمن.. وعودتها ضرب من الخيال

لا يوجد قرار رسمى بمنع تجسيد الأنبياء والصحابة

كتب- مصطفى ياسين:


أكد المشاركون فى فعاليات منتدى حوار الحضارات بالهيئة القبطية الإنجيلية، والذى يُعقد حاليا بأحد فنادق الجلالة- بعنوان "دور المجتمع المدني في بناء الوعي المصري" برئاسة القس د. أندريه زكى- رئيس الطائفة الإنجيلية، ورئيس الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية- أن عودة الدولة المصرية الجديدة سبب رئيسى ومباشر فى استعادة الحياة الفنية الراقية التى تسمو بالحياة الإنسانية، وأنه لا رجعة للوراء بإحياء دور الرقابة على الأعمال الفنية وإلا أصبحنا خارج التاريخ.

ارجعوا ضعف الوعى والانتماء إلى غياب الأعمال الدينية والتاريخية التى تعلمنا رموزنا.

فقد تواصلت جلسات المنتدى حول "الفن ودوره في بناء الوعي"، بإدارة د. علي بدر- عضو مجلس النواب، مدير البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية- الذى أكد أن هناك عودة تدريجية للقيم الفنية المصرية تعيد تشكيل الوعى على أسس سليمة.

وبدأت الحلسة بكلمة د. أسامة العبد، وكيل لجنة الشؤون الدينية والأوقاف بمجلس النواب، رئيس جامعة الأزهر السابق، قال: "شربت من الإخوان ما لم يشربه أحد على الإطلاق، كنت أخرج من باب ليلحقوا بي على باب آخر، ومن حادثة إلى أخرى، حتى اضطررت لتغيير مساري لأخرج من باب مغاير غير الباب الرئيسي حتى أتجنب التعرض لهم"، واستشهد بالقصة المزعومة بالتسمم، قائلا: "كلكم يتذكر الفيلم الذي أعده محمد البلتاجي عن تسمم طلاب جامعة الأزهر"، ومع ذلك ظللت متماسكا طيلة فترة رئاستي للجامعة حتى سلمتها كاملة دون نقص أو وجود هؤلاء الناس بيننا في حرم الجامعة، التى تضم 600 ألف طالب مصري، و70 ألف وافد من 110 دولة، كانوا سفراء الوسطية والاعتدال إلا من شذ ،فكل قاعدة لها شواذ، وقد آتينا للمؤتمر من أجل مصر وصدًا لكل من يريد أن يعتدي باللفظ أو بالفعل عليها، وكلنا هذا الرجل، والكل مهموم بما نحن فيه ومصر لها أعداء كُثر سواء كانوا في داخلها أو خارجها، نسأل الله أن يحفظ مصر من كل سوء وشر، وان يعيدها الله إلى قيمتها العربية والإفريقية والعالمية، وكلنا على قلب رجل واحد من المحبة والمودة.

تاريخية الفن

أشار الكاتب الصحفى حلمى نمنم- وزير الثقافة سابقا- إلى ان الفن ارتبط منذ بداية التاريخ بوعى الإنسان بمكانه فى الكون، لذا كانت الفنون مصاحبة للأديان القديمة بل جزءا من أساسها فى المعابد والممارسات وارتباط بعضها بالفنون القديمة، من هنا نجد بعض المواقف المتشددة، كذلك الفنون موجودة بصورة ما فى علم التجويد والإنشاد ومرتبطة بالسلم الموسيقى، وهذا يؤكد أنه حلال وليس حراما، والفن بطبيعته ديمقراطى وتعددى، للغنى والفقير، ومن يرجع للتراث المصرى يجد الفن فى القصور والمعابد والبيوت العادية والترع، وهذا يجعلنا نطالب بأن يُصاحب الفن الإنسان منذ طفولته الأولى، لأن تذوق الفن يجعل الإنسان قادرا على اكتشاف الجمال والتباينات بين البشر، وأن الحياة قائمة على التنوع الواسع الكبير، وقد لعب الفن دورا كبيرا فى تجديد الحياة المصرية.

ودعا "نمنم" لأن يتجه الفن إلى القضايا الاجتماعية والتجديد والمجددين بشكل درامى لأن نسبة الأمية 23% على الأقل، وجزءا كبيرا من مفهومنا قائم على السماع كأهم شئ، مؤكدا أن مصر مليئة وزاخرة بالمواهب فى كل المجالات، لكن الأهم هو كيف يحافظ صاحب الموهبة على نفسه ويستمر، ولابد من توفير عوامل تساعده.

وانتقد "نمنم" عدم وجود أعمال تاريخية أو دينية منذ سنوات، نافيا وجود قرار رسمى بعدم ظهور الرسول أو الصحابة وإنما الأمر جاء بطلب شخصى من علماء الأزهر للفنان يوسف بك وهبى حينما أراد تجسيد النبى فى عمل درامى، فاعتُبر هذا وكأنه قرار! وللأسف هناك اعمال تمت خارج مصر تجسِّد الصحابة وراجعها علماء مصريون مثل د. نصر فريد واصل- المفتى الأسبق، عضو هيئة كبار العلماء- وتم عرضها على قنوات خارجية ومصرية أيضا، ومسلسل الصديق يوسف ليس ببعيد عنا، فلماذا يتم منع ذلك؟!

وأكد "نمنم" أن عودة الرقابة أصبحت خارج التاريخ، لكننا بحاجة لأن يتعب الأدباء أنفسهم بعض الشئ حتى يقدموا الإبداع المطلوب، لأن التسامح الإنسانى فى المحتمع بحاجة ماسة له، اما التزمّت فهذا يُؤلِّد الضد مباشرة.

وأشار "نمنم" إلى أن مصطلح القوى الناعمة استبدل بمصطلح القوى الذكية، وهى التى تضم (الناعمة والخشنة معا) فالمجتمع ذو القوى الناعمة فقط يضيع لأنه بلا قوة تحميه، وأيضا المجتمع ذو القوة الخشنة دون الناعمة ينهار كما فى حالة الاتحاد السوفيتى السابق، لذا فنحن بحاجة للاثنين معا فى كل المجالات، منتقدا وجود وعى زائف بأن الصعيد هو موطن الثأر فى حين أنه وبالإحصاءات الرسمية أعلى نسب ثأر موجودة على الترتيب: الدقهلية، المنوفية، دمياط! مؤكدا ضرورة وجود قناة وثائقية ترصد وتسجل كل حالاتنا خاصة بؤرة رابعة وأنها لم تكن رد فعل على 3 يوليو، ولابدد من إعطاء مساحة من الخيال والحرية والاحتمال للمبدع.

صفات المبدع

وأشار رامي جلال عامر- عضو الشيوخ- إلى ضرورة توافر صفات للمبدع أولها: الوعى، ثم التحلّى بالشجاعة، لكسر عدد من القيود المجتمعية والدينية، مؤكدا أن الوعى لا يُبنى فى لحظة بل يحتاج لتراكم الإبداع الذى يفوز بالنقاط وليس بالضربة القاضية التى يكون رد الفعل عليها مزيدا من التمسّك بالمفاهيم الموجودة.

وقال: دور الفن هو تقديم الواقع كما ينبغى أن يكون وليس كما هو واقع فعلا، والإبداع خاصع لقوانين التطور وربما يكون فى الاتجاه السلبى، وإذا كانت هناك أعمال درامية فيها مشكلة حقيقية فدورنا هو صنع أعمال أخرى جيدة تصنع حالة من التحييد.

تفاعل كثيف

وتفاعل الحضور بكثرة فى هذه الجلسة، فأشارت د. سامية قدرى- أستاذ علم الاجتماع والنفس- إلى أن القوى الوطنية فى الستينيات تجمّعت حينما كان لدينا مشروع قومى.

ووصف الكاتب الصحفى عبدالقادر شُهيّب الفن بأنه السبيل الأيسر والأسرع لبناء الوعى، لكن حتى يكون الفن فاعلا فلابد من مساحة حرية للمبدعين، المهنية، فلسنا بحاجة لمموّلين أجانب حتى يتشرى لنا "ساسى" ثم نُفاجأ بهروبه!

وأكد د. حسن السعدى- أستاذ الحضارة القديمة بجامعة الإسكندرية- أن الفن فطرى فى الإنسان الذى رقص قبل أن يمشى، وغنى قبل أن يتكلم، والإنسان القديم دافع عن نفسه برسوم الكهوف فأظهر نفسه أكبر وأضخم من الحيوان ليعطى نفسه طمأنينة، وتساءل: هل يمكن أن نتبنى أسلوب الفن الموجَّه كما كان فى حقبة الستينيات التى أخرجت جيلا واعيا؟!

وربط الإعلامى خالد النوبى- كبير المذيعين بالقناة الثامنة "طيبة" بين المعاناة فى المجتمع والتى تصنع فنًّا جميلا، لأنه من رحم المعناة يولد الإبداع، وانتقد الأعمال الدرامية التى تجسِّد الحياة الصعيدية وهى بعيدة تماما عن الواقع الحقيقي!

وتساءل د. شحاته غريب- نائب رئيس جامعة أسيوط- عن كيفية إحداث التوازن بين حرية التعبير عن الرأى والحفاظ على القيم والنظام العام والآداب العامة؟ وهل انحراف بعض الفنانين الذين أثروا فى الشباب يكون سببا فى حجب ومنع أعمالهم التى شاركهم نجوم آخرون لهم دورهم الوطنى؟

كما تساءلت الصيدلانية كريمة الحفناوى عن دور الإبداع فى مواجهة الإرهاب، ودور الفن فى مناقشة قضايا المجتمع وتشكيل الوجدان، مؤكدة أن التعليم هو الأساس، فحينما اختفى المسرح والموسيقى والألعاب والحفلات من المدارس كان ذلك أحد أسباب ظهور الإرهاب والتطرف لاحقا، وإذا كان الفن يسير حاليا بمنطق الربح والتجارة فلماذا لا تتدخل الدولة لإنتاج أعمال تؤثر فى قيمنا ومبادئنا، لدرجة اننا أصبحنا نحفظ قصص رموز أمريكية ونجهل رموزنا المصرية؟!

مصل الوعى

واستعار د. طارق أبو هشيمة- دار الإفتاء- تشبيها بجائحة فيروس كورونا الذى أسقط المنظومات الصحية ودول كبرى لم تتحمله وتوقفت الحياة، فكان الحل فى إيجاد "مصل واقى"، نفس الشئ بالنسبة للوعى، فمع انتشار الفن الهابط والأفكار الهدامة ما أحوجنا إلى "مصل وعى" للمتلقّى وليس "مضروبا" حتى يتم التطعيم ضد الفيروسات الفكرية الشاذة.

ورفض المفكر والكاتب د. عبدالمنعم سعيد الاتهام بعدم وجود وعى لدي المصريين، مستشهدا بحالة الثورة فى 30 يونيه التى كانت بعد عام واحد من سيطرة الإرهابية فى حين تطلب الأمر مع الألمان 15 عاما، والإيرانيون مازالوا يقبعون تحتها، والأفغان لا يعرفون ماذا يفعلون! مؤكدا أن شعبنا متحضر ولديه وعى ولم يبدأ من الصفر، ولا ينتظر التشكيل من أحد.

وتساءلت د. أمانى الطويل: إلى أى مدى يساهم البيزنس فى الفن وتوجيهه وصناعة مخيلة مفارقة للوعى والاتجاه المجتمعى الطبيعى، لأننا لاحظنا أن 75% من الدراما الأخيرة عنيفة دموية خاصة لدى الشباب والأطفال؟

وأشار الشيخ جابر طايع- رئيس القطاع الدينى بالأوقاف- إلى أن الفن يؤدى رسالة مهمة قد تفوق رسالة بعض خطب الجمعة، وهو الفن الذى يُجذِّر للقيم، فلابد من رسالة إيجابية يؤديها الفن، لكن أن نختار الأسوأ ونقدِّمه باعتباره هو الفن المصرى فهذا مرفوض.

وأكدت نشوى الديب- عضو النواب- أن الانتماء ووجود المشروع القومى يخلق فنا راقيا، أما حينما اتجه المجتمع للثقافة الاستهلاكية هبط الفن أخلاقيا واصبح الوعى زائفا، لكن حينما عدنا مع الدولة الجديدة أعتقد أننا عائدون للفن الراقى والريادة المصرية للقوى الناعمة أو الذكية.

وانتقدت د. جيهان أبو زيد وجود منتج فنى يكرّس للتمييز والتنمر والعنف واحتقار الضعفاء، مطالبة بإيجاد معايير حاكمة ملزمة على الأخلاق.

وأكدت مارسا محروس- عضو النواب- أن بناء الوعى يحتاج للمزيد من التطور والتنمية، حتى لا نقع كبش فداء للقائمين على تشكيل وعى مزيف لإسقاط الهوية والمجتمع.

اتفقن معها د. منى مؤكدة أن الوعى هو صمام الأمان للمجتمع وتحقيق الاستقرار، وضربت مثلا بالاحتفالية العالمية بافتتاح متحف الحضارة بالفسطاط الذى كان باعثا للطاقة الإيجابية والانتماء وبصمة تفاؤل بالمستقبل.

وتساءل يوسف وردانى- مساعد وزير الشباب والرياضة- عن غياب عيد الفن؟ واختفاء المسلسلات الدينية والتاريخية بشكل شبه تام؟ وتدنى أوضاع الفنانيين الذين يحتاجون لدعم "النواب"؟

وعلق الشيخ السيد زايد بقوله: الدين لا يتعارض مطلقا مع الفن الراقى، فسيدنا داوود- عليه السلام- كان حسن الصوت، وسيدنا النبى قال: "من لم يتغن بالقرآن فليس منا"، وأيضا "زيّنوا أصواتكم بالقرآن"، لكنه يرفض الفن الهابط الخليع، فماذا تعنى مثلا "السح الدح امبو؟!"

وأشار د. عصام شيحة إلى أن الفن يلعب دورا مهما جدا وكذلك الرياضة مثل محمد صلاح، وضرب مثلا بتجمّع المصريين فى ثورة 19 حول أغنية "يا بلح زغلول" وسيد درويش فى مواجهة الاحتلال، ونفس الشئ فى ثورتنا المعاصرة "الدين لله والوطن للجميع"، لكن التساؤل: ما هو دور الدولة فى صناعة الفن.

صناعة الوعى

ولم يتبق سوى جلسة "الإعلام وصناعة الوعي"، بإدارة الكاتب الصحفى عماد خليل- عضو النواب- ويتحدث فيها الكاتب الصحفي محمود مسلم- رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشيوخ، رئيس تحرير جريدة الوطن"- د. محمد سعيد محفوظ- مستشار رئيس تحرير الأهرام، رئيس مؤسسة ميدياتوبيا- ومن المقرر في نهاية المؤتمر عرض خلاصات وتوجهات مستقبلية فى جلسة برئاسة د. حسام فاروق- نائب رئيس تحرير الجمهورية- ويتحدث فيها: هانى لبيب- كاتب ومفكر- د. حسن السعدى- أستاذ تاريخ الحضارة القديمة بجامعة الإسكندرية- خيرية البشلاوى، الناقدة الفنية.