رئيس مجلس الإدارة
إيـاد أبــو الحجــاج
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

النيل "حق تاريخى" لشعوب الحوض.. واحتكاره مخالف للسنن الكونية والمبادئ القانونية والإنسانية
د. عباس شراقى
د. عباس شراقى

مصر لا تعارض التنمية المستدامة للجميع.. وتعتبرها "حق للحياة"

سد النهضة "كارت انتخابى" فاشل.. فى يد الإدارة الأثيوبية المنهارة

العالم لا يعانى "شُح المياه".. وإنما "شُح التفكير"

الأفارقة شعوب فقيرة فى قارة غنية.. تنتظر المستثمر الناصح

بشهادة البنك الدولى: أفريقيا خارج دائرة الفقر.. 2035


أكد د. عباس شراقى- أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، بكلية الدراسات الإفريقية العليا، بجامعة القاهرة- أن مياه النيل حق تاريخى لمصر وجميع دول الحوض، ولا يمكن التفريط فيه، بل إن محاولة احتكاره ومنعه عن البعض هو مخالفة للسنن الكونية والقيم الأخلاقية والقانونية والإنسانية التى تقرر "حق الحياة" للجميع.

وصف سد النهضة الإثيوبى بـ"كارت انتخابى" يستغلّه حزب الازدهار الحاكم لإنقاذه من الانهيار السياسى فى الداخل الأثيوبى، ولن تنجح مساعى إقامته لأسباب جيولوجية وفنية وعدم جدواه الاقتصادية، ولهذا سيتم تأجيل ما أسموه الملء الثانى- للمرة الثامنة- حتى ينتهى الأمر بالفشل الذريع.

 

وفيما يلى نص الحوار.

*نبدأ حوارنا بأكبر المشكلات والتحديات التى تواجه القارة السمراء عامة ومصر خاصة ألا وهى تهديدات سد النهضة الأثيوبى للأمن والسلم، واشتعال حرب المياه؟

** بداية أؤكد ما توقّعته من قبل وهو الفشل الإثيوبى فى إتمام تخزين هذا العام، فقد عقد وزير المياه والرى الأثيوبى مؤتمرا علميا فى جامعة أربا منش بإقليم الجنوب الأثيوبى- مؤخرا فى 3 يونيه- وأعلن آخر تطوّرات سدّ النهضة، بقوله: (جارى العمل فى سباق مع الزمن للانتهاء من بعض الأعمال الهندسية فى البوابات الثلاثة عشر قبل التخزين القادم، وسوف يتم العمل على رفع الممر الأوسط الى ارتفاع 573 مترا بدلا من 595 مترا، وسوف يتم الانتهاء من التخزين فى يوليو المقبل. وأن التخزين الجديد يصل الى حوالى 4 مليار متر مكعب يمكن تخزينها خلال الثلاثة أسابيع الأولى من يوليو كما حدث العام الماضى، ويمكن تشغيل أول توربينين فى أغسطس.

وسوف يتم تخزين 10 مليار متر مكعب سنويا خلال السنوات المقبلة، وما كان مخططا ليتم هذا العام سوف يُستكمل العام المقبل، أى رفع الممر الأوسط إلى 595 مترا وتخزين حوالى 10 مليار متر مكعب، ليصل إحمالى التخزين العام المقبل 18.5 مليار متر مكعب!)  

وبهذا تكون إثيوبيا قد فشلت فى إتمام الإنشاءات الهندسية لتخزين 13.5 مليار متر مكعب، وسوف تمر مياه الفيضان بعد الأسبوع الثالث من يوليو من أعلى الممر الأوسط، ويمكن للسودان تفريغ جزء الآن من سد الروصيرص الذى يحتوى على حوالى 5 مليار متر مكعب بعد التأكّد من محدودية التخزين هذا العام.

ورغم كل هذا فإننى أؤكد أيضا أن الفشل فى التخزين الكامل لن يُغيّر من موقف مصر والسودان الرافض بشدّة لأى تخزين بدون اتفاق، حتى ولو كان مليار متر مكعب واحد.

وللتوضيح فإن تعلية الممر الأوسط مرتبط بانتهاء الأعمال الهندسية فى الجانبين وتجهيز بوابات التوربينات، وهذا يفسِّر البُطء فى الانتهاء من تعلية الممر الأوسط الذى ارتفع 4 أمتار خلال الأيام الماضية.

سد الخراب

*نريد إلقاء المزيد من الضوء على سد النهضة؟

** سد النهضة أو سد الألفية الأثيوبى الكبير يقع على النيل الأزرق بولاية بنى شنقول- جوميز، بالقرب من االحدود السودانية، وسد بوردر هو الاسم الأصلى الذى جاءت به دراسة مكتب الاستصلاح الأمريكى التى أُجريت على حوض النيل الأزرق (أبيى) واستمرت 6 سنوات (1958- 1964م) وانتهت بتحديد 33 موقعا لإنشاء السدود أهمها: 4 على النيل الأزرق الرئيسى هى: كارادوبى، مابيل، مندايا، وسد الحدود).

أعلنت أثيوبيا عزمها بناء سد النهضة فبراير 2011م،عقب ثورة 25 يناير وبعد تنحّى الرئيس الراحل حسنى مبارك مباشرة- فى فبراير 2011م- وطبقا للمواصفات الأمريكية فإن ارتفاع السد الحدودى حوالى 84.5 م، وسعة التخزين 11.1 مليار م3، عند مستوى 575 م فى البحيرة فوق سطح البحر، إلا أن رئيس الوزراء الأثيوبى الراحل ميليس زيناوى كانت له طموحاته بأن يكون مثل الزعيم جمال عبدالناصر الذى خلّد ذكره مقرونا بالسد العالى، ومساندته للدول الإفريقية فطلب تعديل مواصفات السد التى تغيّرت عدّة مرات خلال 54 يوما، وفى كل مرة يأخذ اسما جديدا، فبدأ فى فبراير بسد الحدود (11 مليار م3) وبعد أسبوعين تغير الاسم إلى مشروع (س X-PROJECT ) (64 مليار م3) ثم سد الألفية الأثيوبى العظيم (74 مليار م3) وتم وضع حجر الأساس فى 2 أبريل 2011م، ثم تغير الاسم بعد أقل من أسبوعين إلى سد النهضة الثيوبى العظيم.

وأثارت مواصفات سد النهضة الجديدة (7 أضعاف سعة الدراسة الأصلية) مخاوف مصر فبدأت من هنا جولات عديدة للمفاوضات، بدأت بزيارة د. عصام شرف- رئيس الوزراء الأسبق- فى مايو 2011م، وحتى الآن لم تصل إلى شئ يُذكر بسبب التعنّت الأثيوبى والمراوغات مع توالى تصريحاتهم بأن التخزين الثانى للسد لن يضر بدولتى المصب (مصر والسودان) رغم ما أصاب السودان من التخزين الأول (5 مليار م3 فى صيف 2020) وما سبّبه من خروج العديد من محطّات المياه عن الخدمة، وبالنسبة لمصر فإن 18.5 مليار م3 كانت كفيلة لزراعة 3 ملايين فدان أرز بقيمة تصديرية حوالى 10 مليار دولار.

أضرار السد

*لكن ما هى الأضرار التى تثير المخاوف من هذا السد، خاصة التخزين الثانى له؟

** تتنوّع أضرار التخزين الثانى بين مائية وسياسية وقانونية وبيئية فى الآتى: فرض سياسة الأمر الواقع والهيمنة الأثيوبية على أنهار دولية، وحرّيّتها فى تحديد كميات التخزين والتشغيل للسنوات المقبلة.

تكرار سياسة بناء سد النهضة على المشروعات المائية المستقبلية فى إثيوبيا.

محاول بعض دول المنبع الأخرى لاتّباع نفس النهج الأثيوبي عند إقامة مشروعات مائية على روافد نهر النيل.

خسارة مائية تعادل الكمية المخزّنة (18.5 مليار م3) ونقص هذه الكمية من الخزانات السودانية والسد العالى.

نقص فى إنتاج كهرباء السد العالى نتيجة انخفاض منسوب مياه البحيرة.

فَقْد حوالى 10% من المياه المخزّنة على الأقل كبخر وتسريب تحت سطح الأرض.

تأثّر الزراعة فى مصر بتحديد مساحات الأرز وقصب السكر والموز.

يُشكِّل وزن سدّى النهضة الرئيسى والسرج وزنا جديدا على المنطقة (150 مليون طن) بالإضافة إلى 18.5 مليار م3 وزن إجمالى المياه التى تخزّن هذا الصيف، مما يُنشِّط الفوالق والتشقّقات الأرضية وإمكانية حدوث زلازل بالمنطقة، وما تمُر به الكونغو الديمقراطية حاليا من كارثة ثورة بركان نيراجونجو ومقتل العشرات وتشريد عشرات الآلاف، ليس بعيدا عن هذا.

تحلّل الأشجار وبعض الكائنات الحيّة مما يجعلها تؤثّر على نوعية مياه النيل الأزرق.

تغيّر فى التنوّع البيولوجى فى المنطقة.

انخفاض درجة الحرارة وإنشاء مناخ محلّى وتغيير محتمل فى أمطار المنطقة.

غرق بعض المناطق التعدينية (ذهب- نحاس- يورانيوم- بلاتين) وانتقال بعض العناصر الثقيلة المصاحبة إلى مياه النيل الأزرق.

حجز كميات كبيرة من الطمى وحرمان الأراضى الزراعية منه فى السودان مما يقلّل من الإنتاجية الزراعية.

تحوّل السودان نحو استخدام الأسمدة الزراعية لتعويض حجز الطمى مما يزيد من تكلفة الإنتاج الزراعى والتحوّل من الزراعة العضوية إلى الكيميائية.

ارتفاع منسوب المياه الجوفية فى الأراضى السودانية على النيل الأزرق وأرض الجزيرة.

ارتباك فى تشغيل سدّى الروصيرص وسنار لعدم تعاون إثيوبيا فى التشاور فى الملء والتشغيل.

هجرة حوالى 30 ألف إثيوبى بعضهم على نحو السودان نتيجة غرق أراضيهم وبيوتهم تحت بحيرة سد النهضة.

رغم كل ما سبق مازالت أثيوبيا تؤكد أن التخزين الثانى لن يضر مصر والسودان وأنه فى صالحهما!

كارت انتخابى!

* خرج تصريح من قِبل الحكومة الإثيوبية، مؤخرا بالإعلان عن إنشاء أكثر من 100 سد صغير ومتوسط، فبم ترد على هذا؟

**تأتى هذه التصريحات مع سابقتها فى تنفيذ التخزين الثانى فى يوليو- الذى فشل كما قلت- ضمن الدعاية الانتخابية لحزب الازدهار الحاكم، لإنقاذ شعبية الحكومة المنخفضة نتيجة تدنّى الأوضاع المعيشية وتصاعد الصراع بين المجموعات العِرقية مثل التيجراى والأمهرة وبنى شنقول، فأثيوبيا لديها بالفعل مئات السدود الصغيرة على روافد الأنهار، سواء فى حوض النيل أو الأحواض النهرية التسعة الأخرى، وإقامة مئات أخرى من السدود لا يضر دول المصب، بل هو الحل الأمثل لدول المنابع التى تنتشر فيها الجبال والأودية ويصعب نقل المياه السطحية عن طريق شق قنوات أو ترع عكس دول المصب التى تتميّز بالأراضى المستوية وفيها تُشَقُّ التُرع وتجرى المياه بفعل الجاذبية مع الانحدارات الخفيفة، وهذا الذى مكَّن مصر من حفر أكثر من 50 ألف كيلو متر قنوات مائية منها 30 ألف كم ترع، 20 ألف كم مصارف.

وكلّنا يعرف أنه لأسباب سياسية تقيم أثيوبيا سد النهضة بسعة 74 مليار متر مكعب ولن يمكنها الاستفادة من هذه المياه سواء للشرب- لأن السد مُقام عند منسوب 500 متر فوق سطح البحر، فى حين أن 80% من السكّان يعيشون على إرتفاعات أكثر من 2000 متر، ولا توجد أراضى مستوية إلا القليل (200 ألف فدان) صالحة للزراعة بالرى حول السد- وتصل تكلفة سد النهضة أكثر من 8 مليار دولار كانت كفيلة لعمل 2000 سد صغير لخدمة أكثر من 20 مليون إثيوبى لتوفير مياه الشرب النقية وبعض مشروعات الرى الصغيرة دون الإضرار بدول المصب.

والسدود المتوسطة أو الكبيرة والتى تصل سعتها أكثر من مليار متر مكعب هى التى يمكن أن تؤثِّر على مصر والسودان إذا كانت فى حوض النيل الأثيوبى ويجب التشاور فيها قبل البدء وليس كما حدث فى سد النهضة من استغلال الأوضاع الداخلية بعد 2011.

ولدينا تفاصيل تلك السدود من حيث الموقع والخصائص الفنية والطبيعية، ولن يتكرّر سيناريو سد النهضة.

التنمية لا التخريب

*فى المقابل تروِّج أثيوبيا أنها تسعى لتحقيق التنمية بإقامة هذا السد، فما حقيقة هذا؟

**إن إثيوبيا دائما ما تدّعى أن سد النهضة للتنمية داخل إثيوبيا وتدّعى علينا أن مصر تقف ضد التنمية داخل إثيوبيا، ولكن مصر لا تقف ضد التنمية فى أى دولة إفريقية بما فيها جميع دول حوض النيل، بدليل ما تقيمه من مشروعات داخل دول حوض النيل.

وإذا كان سد النهضة مشروع تنمية مثلما تدّعى فإنها ستواجه العالم فى سبيل تنفيذه، لكن لا يوجد فى إثيوبيا أراضى مساحات للزراعة المروية.

التخزين الثانى

*رغم ذلك مازالت التصريحات الإثيوبية تتوالى بإجراء التخزين الثانى فى يوليو، تزامنا مع توقّف المفاوضات وعدم التوصّل الى اتفاق، فكيف ترى الوضع؟

 ** لقد أعلنت مصر والسودان اعتراضهما الكامل على التخزين الثانى دون اتفاق بصرف النظر عن كمية مياه التخزين والمقرّر لها 13.5 مليار متر مكعب حتى ولو كانت مليار متر مكعب واحد فقط. وعدم تأثّر المواطن بالتخزين ليس معناه عدم وجود ضرر أو الموافقة على التخزين، فالإنشاءات الهندسية لتعلية الممر الأوسط ضعيفة للغاية، وها هى رغم مرور حوالى شهر ونصف على تجفيف الممر الأوسط لم تنجز شيئا، مما يشكِّك فى إتمام عملية التخزين وافتتاح المرحلة الأولى التى تؤجَّل كل عام منذ 2014 مما يجعلها تؤجّل للمرة الثامنة! وكلها لأسباب ومشاكل مادية وفنية نتيجة عدم تجهيز الأنفاق وتركيب التوربينات وفساد الشركات الإثيوبية، ونظرا للانتخابات الأثيوبية فإن الحكومة متمثّلة فى حزب الازدهار الحاكم تحاول الاستفادة بـ"كارت سد النهضة" للفوز بهذه الانتخابات فقامت العام الماضى بتخزين  5 مليار متر مكعب دون أى استفادة تُذكر وسوف تحاول نفس الشئ هذا العام بتخزين أى كمية حتى ولو كانت عدة مليارات لكى تحقّق الغرض السياسى.

استمرار المفاوضات

*وهل سيستمر التوجّه نحو المفاوضات أم انتهى الأمر؟

** تجرى الآن محاولات دولية لعودة المفاوضات وسرعة الوصول الى اتفاق على التخزين الثانى على الأقل لعدم اشتعال المنطقة.

ومن المتوقّع استئناف المفاوضات قريباً والتى تأخّرت فى الوقت الحالى نظرا لما تمر به جمهورية الكونغو الديمقراطية- رئيس الاتحاد الأفريقى- من كارثة ثورة بركان نيراجونجو ومقتل العشرات وتشريد عشرات الآلاف.

كما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية من خلال زيارة المبعوث الخاص بالقرن الأفريقى، وكذلك زيارة وزير الخارجية الأمريكى للقاهرة، بدفع الدول الثلاث إلى العودة إلى المفاوضات فى أسرع وقت للوصول إلى اتفاق قبل التخزين الثانى فى يوليو المقبل.

لكن لابد أن يدرك الجميع حق مصر التاريخي في حصّتها من المياه، حيث كانت هذه المياه تضيع في البحر الأحمر قبل إنشاء السدود في مصر، كما أن حصة مصر أقل بكثير من حصة إثيوبيا التي تستهلك ٣ أضعاف ما تستهلكه مصر والسودان معًا.

وللعلم فإن مياه حوض النيل تكفي أربعة أضعاف السكّان، لكن المشكلة فى سوء الاستخدام، والشح موجود فى عدم التفكير فى الاستخدام الأمثل لهذه المياه، فرغم أن إفريقيا بها 22% من أمطار العالم إلا أن حوالي ثلث القارة يعاني الشح المائي ونقص مياه الشرب النظيفة، حيث الصحراء الكبرى، وصحراء كلهارى وناميبيا والبخر الشديد الذي يزيد عن 80%، ويبلغ نصيب الفرد السنوي من المياه فى افريقيا حوالى 3 آلاف م3 في 2020م، وهي تمثِّل تقريبا نصف نصيب الفرد 6000 م3.
أما الجدوى الاقتصادية لسد النهضة، فإثيوبيا تعتمد على الزراعة المطرية، كما أن إنتاجها من الكهرباء لا يعالِج سوء التوزيع السكاني على أراضيها والذي يمنع وصول الكهرباء إليهم، كما أن تصدير الكهرباء لا يحقق الجدوى الاقتصادية التي يمكنها أن تعوّض جزءًا بسيطًا من تكاليف السد، وبالتالي فإن للسد أهدافًا سياسيةً فقط.

تحلية المياه

*بالتوازى مع المفاوضات، نجد توجّها مصريا نشطا نحو تحلية المياه، فهل هناك ارتباط بين تهديدات السد وهذا التوجّه؟

** ليس هناك أى ارتباط، لأن تحلية المياه أصبحت ضرورة في مصر، خاصة في ظلّ التوسّع العمرانى، وذلك بوجود حوالي 15 مدينة جديدة، بعضها بعيد عن مياه النيل، وهو ما يؤكد أن الأفضل محطات التحلية، وهذا ما يوضح لنا تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسى عن توطين مكوِّنات تكنولوجيا تحلية المياه كافة في مصر، يعني اعتماد مصر على نفسها في هذا المجال الخاص بتحلية مياه البحر، ومع توطين تحلية مياه البحر تخفّض التكلّفة إلى النصف، وهو ما يشجّع على زيادة مياه التحليّة، والاستفادة القصوى من المياه الناتجة عن محطات المياه المتنوّعة كافة، سواء للمعالجة أو للتحلية، لتعود للاستخدام الزراعي وليس للشرب.

جيبوتى وسد النهضة

*قام الرئيس السيسى مؤخّرا بزيارة إلى دولة جيبوتى- كأول رئيس مصرى يزورها- فما فائدة تلك الزيارة على الأمن المائى؟

** تتميّز جيبوتى بعلاقاتها الجيّدة مع كل من مصر وإثيوبيا، وتربطنا بها علاقات تجارية منذ آلاف السنين، وبالرغم من أن جيبوتى من أصغر الدول الأفريقية فى المساحة (ثلث مساحة سيناء) إلا أنها تتميّز بموقع استراتيجى فريد فى القارة الأفريقية حيث أنها تطل على مدخل البحر الأحمر، بما له من أهمية قصوى لقناة السويس، وفى نفس الوقت هى منفذ إثيوبيا الوحيد للعالم الخارجى، حيث تقوم جيبوتى بنقل حوالى 95% من إجمالى حجم التجارة المتّجهة إلى إثيوبيا التى لا يوجد لها منافذ بحرية.

واستمرارا للتقارب المصرى مع الدول الأفريقية خاصة دول الطوق مع إثيوبيا، تأتى الزيارة غير المسبوقة للرئيس السيسى لجيبوتى، لما لها من أهمية خاصة فى هذا التوقيت الذى يشهد توتراً شديداً فى العلاقات المصرية الإثيوبية نتيجة تعثّر المفاوضات، ويأتى على قمّة الأهداف المصرية التنسيق العسكرى والاستخباراتى بين مصر ودول حوض النيل بما يحمله من رسائل غير مباشرة إلى إثيوبيا حتى تحترم حقوق مصر المائية وتمتنع عن اتخاذ القرارات الأُحادية فى سدّ النهضة بما يضر المصالح المصرية والسودانية، وليس بالضرورة التهديد باستخدام الحلّ العسكري لحسم قضية سد النهضة.   

وتستطيع جيبوتى القيام بدور إيجابى للتقريب من وجهات النظر بين مصر وإثيوبيا فى قضية سد النهضة لما لها من علاقات اقتصادية كبيرة مع إثيوبيا لا يمكن للطرفين الاستغناء عنها.

القارة "البِكْر"

*القارة السمراء مازالت "بِكْرًا" من حيث الثروات غير المستغلَّة، فما السبيل لاستثمار ثرواتها لصالح شعوبها؟

** إن القارة الأفريقية غنية لكن شعوبها فقيرة، حيث تمتلك أفريقيا ثلث موارد العالم من المعادن، لكن تنقصنا التكنولوجيا التي نستطيع بيها تسخير تلك المعادن لخدمة القارة السمراء.
وفيما يتعلق بمشكلة المياه فهى مشكلة عالمية، ولكن ليس هناك شُحًّا في الموارد المائية بقدر ما هو عدم استغلال لتلك الموارد، فالمياه ليست موزَّعة بطريقة متجانسة، كما أن كميات ضخمة منها تُصَبّ في البحار، ونهر الكونغو مثال على ذلك، حيث تمتلك الكونغو ثلث مياه القارة السمراء وأغلب هذه المياه تضيع في البحار! ونهر الأمازون أيضًا!

وهذا يفرض على الأمم المتحدة العمل على حل هذه المشكلات.
إن القارة الإفريقية ليست قارة زراعية كما كان يُشاع عنها من قبل، فلديها ٢٥% من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم لكن تنتج ١٠% فقط من الغذاء العالمي ما يعني أنها تعتمد على استيراد المحاصيل والمنتجات الزراعية خاصة أن القارة السمراء تمثّل ١٧% من سكان العالم.

وإذا كانت أفريقيا تمتلك التطوّر التكنولوجي من أقمار صناعية وأجهزة استشعار عن بعد كانت أفريقيا ستمتلك ٥٠% من الموارد المعدنية.

والأمطار تتناسب مع مساحة القارة الأفريقية بنسبة ٢٢% إلا أن موقع القارة في الدائرة الاستوائية وارتفاع الحرارة يحرمنا من نسبة كبيرة من هذه المياه بنسبة فَقْد ٨٠% وهي الأعلى في العالم، حيث يتبقى لنا في النهاية ٩% من مياه العالم وهي نسبة لا تتناسب مع المساحة وعدد سكّان القارة.

لكن في حالة وجود تجانس في التوزيع، بمعنى وجود أنهار في الشرق والغرب، والأمطار موزّعة شمالا وجنوبا، كانت هذه الكمية ستكفي ضعف عدد السكان الحالي.

ومشاكل المياه الإفريقية تحدث على مستوى العالم حيث تقدّر نسبة المياه العذبة بـ ٢.٥% مقسّمة إلى ٢% في القطبين شمالا وجنوبا، وهي غير صالحة للاستخدام، والنصف في المائة الباقية مياه جوفية، إلا أنه لن يوجد شح مائي مستقبلا كما يزعم البعض خاصة في ظل زيادة عدد السكان فـ"المياه لا تنتهي".

وجميع الأنهار الإفريقية تصب في المحيطات والبحار كمية مياه بالمليارات دون استخدام ما عدا نهر النيل الوحيد الذي نستفيد من مياهه، المهم هو ضرورة الاستغلال الأمثل للأنهار الإفريقية والاستفادة من هذه الكميات المُهدَرة من المياه.

التكامل لا الصراع

*إلى متى ستظل إفريقيا أسيرة للنفوذ الأجنبى وخروج الموارد والثروات الطبيعية الإفريقية؟ وهل تستمر الصراعات الداخلية بين مجموعات البشرية والقبلية داخل الدولة الواحدة وبين الدول بعضها البعض؟ وإلى متى ستظل إفريقيا مسرحا لصراعات الدول العظمى؟

** حاولت الدول الإفريقية التغلّب على تلك المشكلات وإنهاء الصراعات بينها وزيادة التعاون الاقتصادى بإنشاء التجمّعات الاقتصادية الإقليمية فى إفريقيا إلا أنها لم تستطع تحقيق طموح الإنسان الإفريقى وارتفاع مستواه الاقتصادى بسبب ضعف تلك التكتلات الاقتصادية الإفريقية لأسباب بعضها داخلى والآخر نتيجة التأثير الخارجى للقوى الاقتصادية العُظمى وسيطرتها على معظم موارد القارة الإفريقية بطرق مشروعة وغير مشروعة.

وتحوّلت منظمة الوحدة الإفريقية الى كيان إقليمى هو الاتحاد الإفريقى عام 2002م، وعمل الاتحاد منذ نشأته على التغلب على تلك المشكلات الإفريقية وخروج إفريقيا من التبعية الاقتصادية للخارج عن طريق تكامل الدول الإفريقية، فاعتمد عام 2013 خطة تطوير تنمية للخمسين عاما المقبلة، أطلق عليها أجندة 2063م، تمثّل استراتيجية إفريقيا للبناء الذاتى بهدف استغلال الموارد الطبيعية والذاتية فى بناء إفريقيا الجديدة المزدهرة وترسيخ الديمقراطية ونشر العدالة الاجتماعية من خلال تعزيز الحوكمة وفرض سيادة القانون وتعزيز قيم السلم والأمن فى قارة عانت طويلا الصراعات والحروب الأهلية، إيمانا بأن إنقاذ إفريقيا من الفقر لن يتم إلا عن طريق تعزيز استغلال مواردها الطبيعية والتكامل كأساس للتنمية الاقتصادية تحقيقا للمقولة (اتحاد الضعفاء قوة، وتكامل الفقراء غِنى).

واستطاع الاتحاد الإفريقى بعد تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية 1963م، وعلى مدار أكثر من 55 عاما من تحقيق اتفاقية منظمة التجارة الحرة للقارة الإفريقية (AFCFTA) والتى تأسّست 2018م، ووافقت عليها الدول الإفريقية إبّان رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي 2019م، وتم إطلاق المرحلة التشغيلية لها فى قمة الاتحاد الإفريقى بالنيجر فى يوليو 2019م، وتأجل تنفيذها عام 2020م بسبب جائحة كورونا إلى أن دخلت حيّز التنفيذ فى الأول من يناير 2021م، بخفض أو إلغاء التعريفات الجمركية على 90% من البضائع، كما أنها تمهّد الطريق لاتحاد جمركى على مستوى القارة الإفريقية، كما وقّعت الدول الإفريقية كافة باستثناء إريتريا على اتفاقية منطقة التجارة الحرة للقارة الإفريقية، وصادقت عليها 34 دولة وطبقا لتوقعات البنك الدولى فإنها سوف تنتشل عشرات الملايين من الأفارقة من الفقر بحلول 2035م.

وتفتقر معظم الدول الإفريقية إلى الإجراءات المتعلّقة بالجمارك والبنية الأساسية الضرورية لتيسير التجارة من دون رسوم جمركية بينها، مما يضعف من كفاءة تطبيق هذه الاتفاقية وكذلك البنية التحتية المتمثلة فى توفّر الطاقة الكهربائية وشبكة طُرق دولية جيدة ووسائل نقل سريعة وآمنة وتخزين جيد ونُظم تسويق متطوّرة وشبكة اتصالات قوية مما يؤدى الى إعاقة التنفيذ الكامل لهذا البروتوكول من أجل تلبية حاجات القارة التنموية.

النهضة الإفريقية

*وما هو السبيل للقضاء على هذه التحديات والمشكلات، وتحقيق النهضة الإفريقية؟

** إن بناء إفريقيا الجديدة يتطلب التغلّب على معوّقات التنمية عن طريق التكاتف والتعاون بين الدول الإفريقية وشركائها من الدول العربية والدول الكبرى لتحسين البنية التحتية بغية تحقيق النهضة الاقتصادية المنشودة.

ويأتى التكامل التجارى بين الدول الإفريقية فى مقدمة أعمال الاتحاد الإفريقى من خلال تفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة للدول الإفريقية، والعمل على التغلّب على معوقات التنفيذ، وفى مقدّمتها ضعف البنية التحتية من طاقة وطُرق.

ومن خلال الخفض التدريجى للرسوم الجمركية على السلع المصنعة والخامات الزراعسة والمعدنية والخدمات.

ومساندة الدول الإفريقية الكبرى للاتحاد الإفريقى والانتقال تدريجيا من شراكتها الأوروبية إلى الإفريقية. فقد كان الاتحاد الأوروبى شريكا متميّزا لعدة دول أفريقية حيث تم فى سبعينيات القرن الماضى توقيع اتفاقيات للتعاون والشراكة مع مصر، الجزائر، المغرب، تونس، بموجبها تنفذ السلع الصناعية الأوروبية إلى الأسواق الأفريقية وتصل المنتجات الزراعية الإفريقية إلى الاتحاد الأوروبى.

وكذا التعاون العربى الإفريقى فى تطوير البنية التحتية من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية خاصة إنشاء الطرق والجسور وبناء محطات توليد الكهرباء من المصادر المتجددة، وهذا يشكّل استثمارا جيدا للشراكات العربية فى إفريقيا.

وتستطيع القارة الإفريقية إنتاج كهرباء أكثر من 200 ألف ميجاوات من الطاقة المائية فقط من خلال الأنهار الإفريقية الكبرى مثل: الكونغو والتى تكفى قارة أفريقيا بالكامل، وهى الآن تنتج أقل من 15% من إمكاناتها! وتستطيع الدول العربية الحصول على احتياجاتها الكهربائية من الطاقة المائية الإفريقية وتوفير النفط لاستغلاله فى إنتاج مشتقات بترولية لا يمكن الحصول عليها من أى مصدر آخر.

ومثلها من الطاقة الشمسية عن طريق إنشاء مصانع إنتاج المعدات اللازمة بدلا من استيرادها من أوروبا أو الصين.

كما تستطيع القارة الإفريقية أيضا توفير الغذاء اللازم لها ولجميع الدول العربية من خلال استغلال المساحات الزراعية الهائلة غير المستخدمة حيث تمتلك إفريقيا 60% من الأراضى غير المزروعة فى العالم وحتى الآن لم يُستَغَل منها إلا 6% فقط! وتطوير الزراعة المطرية التى تشكّل حوالى 97% من الزراعة فى إفريقيا من حيث نوعية المحاصيل الملائمة وزيادة الإنتاجية ودعمها باستنباط سلالات جديدة ملائمة للبيئة ومقاومة للتقلّبات المناخية وغير مستهلِكة للمياه، وتحسين طُرق تخزين المنتجات الزراعية، وتطوير الصناعات الزراعية، ومن ثمّ تصديرها مُصنَّعة بدلا من المواد الخام، وهذا التصنيع يزيد من القيمة المضافة للموارد.