رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

رواية بين العطر والنغم (٨) 

كتبت أماني عطاالله


الحلقة الثامنة من أحداث رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله، التي لاقت ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، إليكم الأحداث...


في نهاية الأسبوع انتظرت أن تأتي روث كعادتها لطهو الطعام ولكنها لم تأتِ.. فتحت الثلاجة من جديد وراحت تتطلع في عبوس للفتات القليلة المتبقية بها.. زفرت وهي تغلقها في حيرة.. عادت تنظر إلى ساعة يدها في قلق وما لبثت أن صعدت إلى غرفتها وأخرجت العملات النقدية التي تمتلكها.. بدلت ملابسها وغادرت المنزل على عجل...
عندما عاد من عمله لم تكن هي قد عادت بعد.. كاد يجن وهو يفتش عنها بلا جدوى.. عصته إذًا.. هل حفظت العنوان وذهبت لمقابلة ذلك الموسيقي في مقر عمله..؟ إلى أين يمكنه أن يأخذها بحجة تعلم الموسيقى..؟ هل سيستغل الحرية المُطلقة التي يكفلها هذا المجتمع المتحرر ويقنعها بالذهاب معه إلى منزله..؟ هل ذهبت معه بالفعل.. وماذا يفعلان الآن..؟!   
استدار في حدة عندما فتحت الباب.. تجاهل ابتسامتها وهو يسألها في خشونة:
-    أين كنتِ؟
-    كنتُ أحضر طعام للغداء.. انتظرت روث طويلًا ولكنها لم تأتِ.
تأملها في ريبة وهي تتجه إلى المطبخ قائلة:
-    ما إن تنتهي من تبديل ملابسك حتى أكون أنا قد وضعت الأطباق على السفرة.
ملابسها البسيطة وتسريحتها العفوية ووجهها الخالي من مساحيق الزينة.. هدأوا من روعه وأقنعوه بصدق ما تقول.. تنفس الصعداء واتجه ليبدل ملابسه.. 
عاد بعد قليل.. اتسعت عيناه عن آخرهما وهو يحدق في الطبقين اليتيمين حول كوب الماء.. غمغم ساخرًا:
-    ما هذا؟  
-    ألا تحب البرجر؟
-    شطيرة..!
مطت شفتيها صامتة فأردف في مزيد من السخرية:
-    وما حاجتي إذًا لمغادرة الشركة..؟!  كان يُمكنني أن أتناول غداء أفضل في مكتبي.
قالت دون أن تنظر إليه:
-    لم يكن معي ما يكفي من نقود.. بالكاد دفعت ثمن الشطيرتين. 
أردفت وهي تزيح طبقها نحوه:
-    يمكنكَ تناول هذه أيضًا.. أنا لستُ جائعة.
ضرب كفًا بأخرى ونهض متجهًا بدوره إلى المطبخ.. لم تكن قد غادرت مطرحها عندما عاد إليها قائلًا: 
-    توجد لحوم في المجمد.. لماذا لم تطهها.
-    أنا..؟!
-    ولمَ لا..؟  ألستِ المسئولة عن هذا المنزل؟ 
-    أنا لا أجيد الطهو.. روث....
-    وماذا لو لم تأتِ روث مرة أخرى..؟ 
-    هل تريدُني أن أتعلم الطهو؟
-    نعم.. هذا أفضل كثيرًا من العزف على الكمان وكتابة الخطابات.
تطلعت إليه ساخطة ولم تعلق فأردف:
-    ارتدي ملابسك سريعًا. 
-    أين سنذهب؟
-    إلى أقرب مطعم من هنا.. أنا جائع جدًا.
-    وماذا عن هذه الشطائر..؟  لقد دفعت فيها كل ما أملكه من نقود.
-    ضعيها في الثلاجة.. ربما تصلح للعشاء.
كان يدقق النظر في الطريق المزدحم أمامه عندما صاحت فجأة كطفلة وهي تشير إلى إحدى اللافتات:
-    قلت أنكَ تريد أقرب مطعم.. ها هو ذا.
-    كلا.. هذا المطعم يقدم عروضًا موسيقية. 
-    هل تكره الموسيقى بالفعل؟
لم يلتفت إليها.. بماذا يجيبها..؟  
نعم.. فهو يكره الموسيقى عندما تأخذها منه.. عندما تحملها الحانها إلى ذلك العازف.. كيف لم تلحظ بعد أن حركاتها الطائشة ونظراتها الشاردة هي السبب..؟! 
توقف بسيارته أخيرًا أمام مطعم صغير.. لا يقدم من الرفاهية سوى الطعام الجيد.. هذا ما أقرت به ما إن تذوقت بعضًا من طبقها في تلذذ لم تنكره.. ابتسمت قائلة:
-    الطعام هنا رائع.
-    فعلًا.
أردفت في خبث دون أن تنظر إليه:
-    لا حاجة لي لتعلم الطهو إذًا.
ضحك في مرح ولم يعلق.. برقت عيناها وهي تتطلع إليه.. كيف يتحول إلى آدمي فجأة عندما يضحك.. آدمي وسيم.. وسيم جدًا.. لماذا لا يضحك كثيرًا..؟ 
هل ضحكته هذه هي السبب في تعلق أماندا به..؟
لم تلحظ أن بريق عينيها قد انعكس بين جفنيه وهو يتطلع إليها بدوره.. قبل أن يتنحنح قائلًا بصوت خشن انفعالًا:
-    مازال عليكِ تعلُّم الطهو.. أخبرتكِ أنني أكره تناول وجباتي بين المطاعم.
-    يمكن للمطعم توصيل الوجبات للمنازل.
-    دينا..!
همست في نبرة منخفضة لا تدري لها سببًا:
-    ومن سيعلمني الطهو؟
-    سوف أقدم لكِ في مدرسة بالقرب من مقر الشركة.. سأصحبك معي في طريقي صباحًا وأعود بكِ عند عودتي.
-    أُفضل تعلم الموسيقى.. ألا توجد مدرسة لتعلم الموسيقى بالقرب من مقر شركتك..؟
-    كلا.
-    آسر.. أريد تعلُّم الموسيقى. 
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يحدق في وجهها هائمًا.. وكأنه لم يسمع اسمه من قبل.. يا له من اسم جميل.. كيف لم يلحظ ذلك على مدار أكثر من ثلاثين عامًا مضت..؟! 
عاد يهمس بصوت أجش:
-    ربما بعد أن تجيدي الطهو.. أسمح لكِ بتعلم الموسيقى أيضًا.
أمسكت راحتيه في سعادة قائلة:
-    تأكد إذًا أنني سأتقن الطهو.
همت أن تترك كفيه بنفس السرعة التي احتضنتهما بها ولكنه كان قد قبض على أصابعها فى قوة أزعجتها.. 
سلبتني عيناكَ يا عمري حتى الخجل .. 
تحمل الحبَ والشـــــوقَ والأمل .. 
كل ما قيلَ في العشـــــقِ والغزل ..
عـــــــالم عيناكَ إلى عيني انتقل .. 
ولكن.. ماذا عن أماندا..؟
ابتسم عندما ارتعدت أصابعها بين يديه.. أرخى قبضته قليلًا حولهما.. صارت أقل قسوة.. بل أكثر نعومة.. لم يعد بإمكانها التحكم في تلك القشعريرة التي سرت بجسدها كاملًا.. 
سحبت يديها من قبضتيه بكل قوتها وأحاطت بهما وجنتيها المشتعلتين خجلًا.. كانت تعلم أن رغبته فيها ليست أكثر من نزوة.. ربما كتلك التي راودته في أماندا قبل أن يتركها ترحل ليبحث عن أخرى. 
مثله لا يعرف الحب.. والأمر لن يختلف معها.. سوف يتركها ترحل ما إن تتحسن صحة والدها.. بعدها سيبحث عن ضحية أخرى.. وربما يضطر إلى الزواج منها أيضًا حال عجز عن أخذها سفاحًا.. ولكن ماذا عن أماندا..؟ هل نال مأربه منها حتى الملل..؟
تسمرت عيناه في سعادة على وجهها الذي تورد خجلًا.. يبدو أن اللقاء المنتظر بينهما أصبح على بُعد خطوات قليلة منه.. شعر بالدهشة عندما تبدل خجلها فجأة إلى شيء من العنف وهي تهتف:
-    ألن نذهب؟
-    ولمَ العجلة؟
-    أنتَ.. تأخرتَ على موعد قيلولتك.
-    هل تهتمين لراحتي؟
تأملته في توجس.. يبدو أن رغبته فيها أقوى من أن يكبحها هذه المرة.. شعرت فجأة بخطر لم تشعر به من قبل.. ربما من الأفضل لها أن تبقى هنا لأطول فترة ممكنة.. حتى تنطفئ رغبته على الأقل. 
أسرعت تقول عندما نهض ليغادرا المطعم:
-    ما رأيكَ في تناول بعض الحلوى؟
نظر إليها في دهشة ولكنه لم يجد مفرًا من الجلوس مرة أخرى.. تناولت طبقها بلا شهية.. ارتباكها أصابه بالمزيد من التسلية.. اللذة التي شعر بها لا علاقة لها بالطعام هذه المرة..!
ما إن عادا إلى المنزل حتى أسرعت إلى غرفتها وأوصدت بابها بالمفتاح.. بدلت ملابسها دون أن تضيء المصباح الكهربي.. يكفيها أشعة الشمس القليلة التي تتسرب من نافذة الغرفة.. الظلام سيقنعه بأنها خلدت للنوم ولن يحاول إزعاجها.. لا بأس ستزول رغبته المجنونة فيها بعد قليل.
في المساء لم يعترض عندما قدمت له الشطيرة التي اشترتها للغداء.. تجنبت النظر إلى وجهه وهي تثرثر بأحاديث طويلة تنساها ما إن تغادر شفتيها.. كل ما كانت تصبو إليه هو كسر الصمت بينهما.. فالصمت بيئة خصبة لنمو المزيد من الأفكار المجنونة في رأسه. 
استغلت ما قرأته في ذلك الكتاب عن صناعة العطور وراحت تُلقي في وجهه بكل ما حصلته من معلومات بلا ترتيب.. عليها أن تُعيده إلى عشقه الأول.. العمل.. العطور.. الكيمياء...
وكأنه أدرك مغزى ما تفعله فراح يجيب على أسئلتها في هدوء دون أن تتأثر ابتسامته الواسعة التى زادتها إرباكًا.. كان يتقن دور العاشق المتيم بنفس السلاسة التي يتقن بها دور الآلى المتحجر..!
ابتلعت شطيرتها ونهضت على عَجل قائلة:
-    تصبح على خير.
أسرعت عدوًا إلى غرفتها ولكنه استوقفها قائلًا:
-    وماذا عن تنظيف الأواني؟
-    أنا مُنهكة الآن وفي حاجة إلى النوم. 
-    ظننتكِ استيقظت للتو من قيلولة طويلة.
تثاءبت بصوت مرتفع قائلة:
-    استيقظت مُرغمة.. لم آخذ كفايتي من النوم بعد.
***
ابتسمت مغمضة العينين عندما داعب أحدهم خصلاتها ووجنتيها في حنان.. ربما كان أحد والديها.. وربما كانت صفاء المربية التي أحبتها كثيرًا.. فتحت عينيها في تكاسل هامسة:
-    اتركيني قليلًا.. وسألحق بكم.
تحولت ابتسامته إلى ضحكة مجلجلة عندما تنبهت لوجوده فاستيقظت فزعة.. ابتلعت ريقها بعصبية قائلة:
-    كم مرة يجب أن أخبرك بألا تدخل غرفتي بهذه الطريقة..؟!
-    لم تُغلقي الباب بالمفتاح فظننتها دعوة منكِ. 
-    دعوة..!
أسرعت تلملم الغطاء حول جسدها المرتجف قائلة:
-    كم الساعة الآن؟
قال وهو ينظر إلى الساعة المعلقة على الحائط المواجه لها:
-    السابعة والنصف.. وخمس دقائق.
صاحت في غضب:
-    ولماذا توقظني الآن؟
-    هل نسيتِ أمر الطعام؟
هزت رأسها كالتائهة وقالت:
-    الطعام.. ولكنكَ لا تتناول إفطارًا مبكرًا.. هل غيرتَ عادتك فجأة؟
-    مدرسة الطهو يا زوجتي العزيزة. 
أطلقت زفرة طويلة قبل أن تتثاءب قائلة:
-    أنتَ تنظر للأمر بجدية..؟
-    بالطبع.. هل كنتِ تمزحين عندما أخبرتني بأنكِ ستجيدين الطهو؟ 
-    شرط أن تدعني أتعلم الموسيقى بعدها.
مط شفتيه قائلًا:
-    دعينا نرى مهارتك في الطهو أولًا.
-    حسنًا.. أعدكَ بأنني سأتقن الطهو بسرعة تدهشك.. ولكن تذكر....
توقفت عن الحديث فتطلع إليها في تساؤل.. قالت محذرة:
-    يُمكنني نسيان كل ما تعلمتُه بنفس السرعة لو لم تفِ بوعدك. 
ضحك في تسلية قائلًا:
-    هل أعتبر هذا تهديدًا؟
تجاهلت عبارته والحديث الآخر في نظراته قائلة: 
-    اذهب الآن لأبدل ملابسي.
-    أنا أيضًا يجب أن أبدل ملابسي.
لاحظت للتو أنه لا يزال يرتدي منامته.. فعادت تغمغم:
-    أنتَ مزعج.
شهقت وتراجعت برأسها في فزع عندما مرر أصابعه فوق شفتيها هامسًا:
-    وأنتِ جميلة جدًا أثناء نومك.
ابتلعت ريقها في عصبية قائلة:
-    وعندما استيقظ أتحول مسخًا وحشيًا.. اذهب حتى أبدل ملابسي. 
تسمرت نظراته الهائمة فوقها طويلًا فلم تجد مفرًا من إبعاد عينيها عنه والتشاغل بالعبث في أطراف مفرش السرير حتى غادرها أخيرًا.. 
أطلقت زفرة طويلة قبل أن تنهض على عجل لتغلق باب غرفتها بالمفتاح وهي تهتف مستنكرة:
-    دعوة..! لهذا المتوحش ..؟!


 
انتظروا تكملة الرواية أحبائي,


رابط الحلقة الأولى

https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/598319.html

رابط الحلقة الثانية 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/601369.html

رابط الحلقة الثالثة 
https://m.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/604334.html
رابط الحلقة الرابعة 
https://m.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/606895.html
رابط الحلقة الخامسة 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/610556.html
رابط الحلقة السادسة 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/617299.html
رابط الحلقة السابعة
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/617332.html