رئيس مجلس الإدارة
إيـاد أبــو الحجــاج
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

رواية بين العطر والنغم (٥) 

بقلم - أماني عطاالله


الحلقة الخامسة من أحداث رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله، التي لاقت  ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، إليكم الأحداث...

كانت تعد المائدة في انتظار عودته عندما تعثرت في السجادة المستديرة وسقطت أرضًا.. شهقت في استنكار وهي تتطلع إلى الطبق الذي تناثرت أجزاؤه وتبعثرت محتوياته لتلطخ أرضية الردهة وجدرانها.. التفتت بلا وعي لتحدق في ساعة الحائط قبل أن تزفر في مزيج من السخط والقلق.. دقائق قليلة تبقت لها قبل مجيئه من عمله.. لاحظت خلال الأيام الثلاثة الماضية أنه يُقدس النظام بقدر كرهه للفوضى.. التزامها بقواعده مؤخرًا وفر عليها الكثير من قسوته وكلماته المهينة.. ولكن ماذا سيفعل بها الآن؟! 


استعدت للنهوض عندما فتح الباب وراح يتطلع إلى ما حوله في دهشة أقرب إلى الصدمة.. قالت بصوت مُرتبك:
-    سقطتُ.. تعثرتُ في هذه السجادة.
تحولت رهبتها إلى دهشة عندما اقترب منها قائلًا في طريقة حانية لم تعهدها منه:
-    هل أنتِ بخير؟
تأملته في بلاهة فازداد قلقًا وهو يمد يده إليها قائلًا:
-    حاولي النهوض على قدميك.. سوف أساعدك. 


لم تكن تعاني شيئًا إثر سقطتها ولكنها رغم ذلك وجدت صعوبة في الوقوف حتى نجحت أخيرًا.. فتنهد في ارتياح قائلًا:
-    حمدًا لله.
تنبهت فجأة كمن استيقظ من الموت وأسرعت لتبتعد عنه ولكنه استوقفها قائلًا:
-    أين ستذهبين؟
-    سأحضر شيئًا لأنظف المكان. 
كادت أن تسقط مُغشيًا عليها عندما خلع سترته وانحنى ليساعدها.. تأملته غير مصدقة وهو يلمع الجدران ويمحو عنها آثار الطعام.. 

ارتبكت عندما قال فجأة:
-    كُفي عن النظر إلي بهذه الطريقة.
ابتلعت ريقها قائلة:
-    هل أنتَ آسر بالفعل؟
قهقه طويلًا فتابعت في صدمة:
-    هل أنتَ بخير؟
-    جدًا.. انتهيتُ اليوم من صفقة مصيرية.


هزت رأسها في تفهم قائلة:
-    هكذا إذًا.. لاشك في كونكَ ربحتَ أموالًا طائلة من هذه الصفقة. 
-    لا داعي للحسد.. هل لديكِ أمنية ما؟!
أسرعت تهتف في شيطنة يعشقها فيها منذ زمن:
-    لا أريد أن أغسل الأواني هذه الليلة.
عاد يضحك قائلًا:
-    حسنًا.. أنتِ مدعوة الليلة لتناول العشاء معي في أرقى مطاعم لندن.


انتقلت سعادتها وهي تتطلع إلى ما حولها في انبهار إلى قسماته.. فاتسعت ابتسامته وهو يتأملها في شغف لا يقل عن شغفها بالمكان.. وجد نفسه بلا وعي يلتمس لها ملايين الأعذار لما فعلته..  وبخ كرامته التي تأبى الغفران.. ربما عدم وصوله قبل موعد الزفاف بوقت كافٍ جرح مشاعرها المرهفة.. من المؤكد أنها ظنته لا يهتم بها بالقدر الذي تستحقه.. ولمَ لا ..؟  

كيف كانت ستعلم بحبه لها وحاجته إليها وهو لم يعترف بهذا إلا بينه وبين نفسه..؟! وفادي بالطبع. 
ربما لو صارحها بحبه من قبل ما كانت فكرت في الانتحار أبدًا.. ولا بهذه الطريقة غير المسئولة التي كادت أن تقتل بها نفسها وتقتله معها.   

انتشلته من أفكاره قائلة:
-    هذا المكان رائع.. أشكرك.
-    أنا سعيد لأنه أعجبك.
برقت عيناها قائلة:
-    هل أخبركَ سرًا؟
ابتسم في شغف فأردفت:
-    لم أكن أتخيل أبدًا.. أننا قد نصبح أصدقاء.
اقترب حاجباه في تهكم.. أصدقاء..! هل هي جادة؟
تنحنح متظاهرًا بالبحث عن "الجرسون" أطلق تنهيدة لم تلحظها وهو يشير له بالتقدم.. وجه حديثه لها:
-    ماذا قررتِ أن تأكلي؟
تطلعت لقائمة الطعام في حيرة.. وما لبثت أن ألقت بها فوق الطاولة من جديد وهي تسأله:
-    هل جئتَ إلى هنا من قبل؟
-    مِرارًا.. لماذا تسألين؟
عادت تسأله في خبث ممزوج مرحًا:
-    مع من؟
أخفى ابتسامته وتحولت نظراته إلى الجرسون وكأنه ينبهها لوجوده.. عادت ابتسامته لتتسع من جديد عندما اقتربت برأسها منه هامسة:
-    سوف تُخبرني لاحقًا .. اتفقنا؟
هز رأسه قائلًا:
-    حسنًا.. ولكن الآن أسرعي في الاختيار الرجل ينتظر.
-    اختر لي أنتَ طبقك المفضل هنا.


تناولت طعامها بتلذذ للمرة الأولى منذ أتت معه إلى لندن.. ابتسم راضيًا.. لولا حديثها عن هذه الصداقة الغبية التي تريدها أن تنشأ بينهما.. لاعترف لها الآن بحاجته الماسة إليها.. لصارحها بعشقه لها منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها رغم كل ذكرياتها السيئة عنها.
ولكن.. يبدو أن الأوان لم يحن بعد.

لاحظت تجهمه المفاجيء فقالت مُداعبة:
-    يبدو أن المفعول السحري لتلك الصفقة قد بدأ يتلاشى. 
رفع وجهه إليها وتصنع ابتسامة لم تقنعها فأردفت مبتسمة:
-    بعض صفاتكَ تروق لي كثيرًا.
-    أحقًا..! مثل ماذا؟
-    أنتَ مُنظم.. دقيق جدًا.. مُخلص لعملك ربما أكثر مما يجب..ولكن لا بأس.. في المُجمل.. أنتَ تربح وتستحق التقدير.

ابتسم ابتسامة باهتة ولم يعلق فأردفت في صوت أقرب للهمس:
-    هناك شيء آخر.
-    ما هو؟
-    أنتَ لا تجيد التمثيل. 
تأملها في تساؤل فتابعت:
-    مُنذ قليل كنتَ سعيدًا بالفعل.. ولكنكَ الآن لستَ كذلك؟
-    من قال هذا؟
-    إن كنتَ تظن بأنكَ قادر على خداعي بابتسامتكَ المُصطنعة فأنتَ مخطئ.. أنا أيضًا لا أخلو من المميزات.  
همس في لهجة لم تستوعبها جيدًا:
-    بل أنتِ المميزات كلها.
نظرت إليه في بلاهة فأردف ساخطًا:
-    هيا انتهي من طعامك.. لدي عمل في الصباح.
قالت دون أن تنظر إليه:
-    لا يسعني سوى أن أتمنى لكَ صفقة ناجحة أخرى. 


كاد أن يُخبرها بأنها الصفقة الوحيدة التي يمكنها أن تسعده بعد الآن.. في داخله يقين بأنها له.. ولكنه مُتعجل للفوز بها بطريقة لم يعتدها من قبل.. لطالما تحاكوا عن صبره وتريثه.. ولكنه الآن لم يعد يطيق الانتظار.. يكفيه ما ضاع من عمره قبل أن تكون معه. 


لو كانت تعلم بمدى اشتياقه إليها لما تحدثت بغباء عن هذه الصداقة اللعينة التي تريدها أن تنشأ بينهما..!  لو لمست صدره الآن .. لشعرت بخفقاته الثائرة رغبة فيها.. لسمعت اسمها الذي يتكرر بين ضلوعه نبضة بعد الأخرى.


قال فجأة كمن وجد الحل أخيرًا:
-    ما رأيكِ في الرقص معي؟
أشرقت ملامحها وهي تنهض على عجل.. كاد أن يحملها إلى حلبة الرقص طربًا.. مُتخيلًا نفسه يحاصرها بين ذراعيه لينفذ بها إلى عالم هي كل شيء فيه. 

لعن ساخطًا عندما تعلقت عيناها في شغف بعازف الغيتار الشاب في الفرقة الموسيقية.. كان وسيمًا بالفعل بشعره الأشقر وعينيه الملونتين.. ولكن هذا ليس عُذرًا كافيًا لتحدق فيه بهذه الطريقة متناسية وجوده بجوارها..!
ازداد الأمر تعقيدًا عندما تنبه الآخر إلى نظراتها المتيمة به فغمز لها مبتسمًا.. وجد نفسه بلا وعي يجذبها مرة أخرى إلى الطاولة حيث كانا يجلسان.. هتفت في ألم من قسوة قبضته حول رسغها:
-    ماذا حدث؟
-    سنعود إلى المنزل.
-    ولكننا لم نرقص بعد..!
-    ولن نرقص.


قاد سيارته في عبوس يزداد لحظة بعد أخرى.. مزاجه المتقلب يُزعجها.. لا شك في كونه يحتاج لطبيب نفسي يعالجه من تلك العقد التي نمت معه منذ طفولته..! 
هل تنصحه للقيام بهذا الأمر..؟  
ولكن ماذا لو تسببت له نصيحتها في مزيد من العقد..؟  ربما تضاعفت رغبته المريضة في الانتقام منها..!  
وصلا إلى المنزل ففتح باب السيارة وأشار لها بالنزول دون أن يتحدث.. غادرتها على عجل وأسرعت تختبئ في غرفتها قبل أن يطلق نحوها نظرة نارية جديدة.. 
تبًا له ولمزاجِه العكر..


انتظروا تكملة الرواية أحبائي,


رابط الحلقة الأولى

https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/598319.html

رابط الحلقة الثانية 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/601369.html

رابط الحلقة الثالثة 
https://m.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/604334.html
رابط الحلقة الرابعة 
https://m.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/606895.html