رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

الاعتراف ليس سيد الأدلة ..!!
في ذاكرة كل قاض ..قضية محفورة في وجدانه..تفاصيلها ..أحداثها..لم يمحها الزمان..نسترجع مع قضاتنا الأجلاء بعضا من تلك القضايا . لم يدر بخلده ولو للحظة واحدة , أن تلك النظرات البريئة

 

في ذاكرة كل قاض ..قضية محفورة في وجدانه..تفاصيلها ..أحداثها..لم يمحها الزمان..نسترجع مع قضاتنا الأجلاء بعضا من تلك القضايا .
لم يدر بخلده ولو للحظة واحدة , أن تلك النظرات البريئة , نظرات الإعجاب بينه وبين بنت الجيران يمكن أن تكون سببا في إيذائه , بل يمكن أن تقوده لحبل المشنقة , فنظراته لم تحمل سوى رسائل بسيطة حول الفوز بالزوجة التي يتمناها أبناء جيله , تلك الفتاة البارعة والمتفوقة في كتابة وإلقاء الشعر , والتي يؤثر صوتها في قلوب السامعين , وخفة دمها التي لن تغيب عن عيون العاشقين , لكنها كانت أضغاث أحلام , ولم تدم طويلا حتى دارت فصول الجريمة التي هزت الرأي العام في نهاية التسعينيات , جريمة قتل بلا جثة !! , جريمة انتهت قبل أن تبدأ شجرة الحب الإلهي في تكوين أسرة المستقبل ..تفاصيل كثيرة ومثيرة في واحدة من أهم القضايا..واقعة ولا في الخيال , والتي أعطت دروسا وحملت رسائل متنوعة لا يمكن أن تغيب أدق تفاصيلها عن ذاكرة المستشار أحمد المنوفي الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة , يقول أنه عندما كان وكيلا للنيابة العامة في محافظة البحيرة ورد للنيابة العامة محضرا محررا باختفاء فتاة في بداية العشرينيات عن منزل أسرتها , فتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حول عملية البحث والوصول إلى أسباب الاختفاء , فتوصلت تحريات رجال المباحث آنذاك إلى أن الفتاة ترتبط بعلاقة عاطفية مع أحد الشباب , وأنه يعتقد أن يكون وراء اختفاءها , بعد عمليات البحث عن الفتاة والشاب , أمكن لرجال المباحث القبض على الشاب ,الذي صدم فور القبض عليه , وكانت اعترافاته مثيرة " زي ما في الكتاب".

قال الشاب عندما دخل غرفة التحقيق في النيابة العامة أنه ارتبط بعلاقة عاطفية مع بنت الجيران , إلا أن أهله قد رفضوا استمرار علاقتهما , وانتهزوا فرصة هروبها من أهلها وذهابها له في بيته , فقامت والدته وشقيقه بإجباره على ضرورة التخلص منها , فانصاع لهما , ثم قام باستدراجها في ليلة ظلماء إلى إحدى المناطق المهجورة , فتخلصوا منها خنقا دون أن يشعر بهم أحد , وقاموا بدفن الجثة خوفا من افتضاح أمرهم , أو الوصول إليهم .
واجهت النيابة الشاب باتهامه بالاشتراك مع والدته وشقيقه , فتمسك باعترافاته التفصيلية , ثم أرشد عن مكان إخفاء الجثة , فأصدرت النيابة قرارها باستدعاء الطبيب الشرعي , وتكليف الجهات المعاونة بالحضور للحفر والمساعدة في نقل الجثة إلى المشرحة بعدها .

انتقل وكيل النيابة العامة إلى المكان الذي حدده الشاب , وبعد عمليات الحفر والبحث لم يتم العثور على الجثة , بل لم يكن هناك دليل سوى قطعة قماش ادعى أنها من فستانها الذي كانت ترتديه , وبرر عدم وجود الجثة بأن والدته وشقيقه بعدما علما بالقبض عليه وقيامه بالاعتراف عليهما قاما بنقل الجثة إلى مكان مجهول .

أصدرت النيابة العامة قرارها بحبس الشاب أربعة أيام على ذمة التحقيقات , جددها قاضي المعارضات , وظل الشاب محبوسا , بينما ظل رجال المباحث يطاردون والدته وشقيقه للقبض عليهما تنفيذا لقرار النيابة , حتى يتم التوصل لمكان اختفاء الجثة .. في الوقت الذي جاءت فيه تحريات المباحث مؤيدة لأقوال واعترافات المتهم تفصيليا .

كانت المفاجئة ..بعد فترة من التحقيقات , والجميع لديه يقين بأن القضية بمجرد إحالتها للمحاكمة فسيكون الحكم فيها رادعا بل ربما يأخذ الشاب وذويه حكما يصل للإعدام , فإذ بالباب يطرق , وكأنها طرقات النجاة , دخل الحارس وأبلغ وكيل النيابة بأن هناك فتاة تريد مقابلته للأهمية , فسمح لها بالدخول , وهو لا يعلم أنها المجني عليها في التحقيقات..!! , فقالت أنها الفتاة التي اتهم الشاب بقتلها , وأنها كانت هاربة بصحبة صديقتها بعد خلافات مستمرة مع أسرتها.. وبعد أن "زهقت" منهم خرجت ولم تعد لبيتها منذ شهور معدودة , وأن الشاب لم تكن بينهما علاقة أو حديث , بل كان أقصى ما يمكن أن يحدث بينهما هو أن ينظر إليها بإعجاب !.

على الفور , تم إصدار قرارا بإخلاء سبيل الشاب وإخطار المستشار محمد طاهر شتا المحامي العام للنيابة آنذاك بالأحداث , وبعدما خرج الشاب ..علم وكيل النيابة أن تلك الرواية كانت للهرب من الضغوط عليه في التحقيقات , وأنه كان في حالة صراع نفسي شديد , فكان هاجس الخوف دافعا له للاعتراف بما لم يرتكبه ..بينما كانت تلك القضية فاصلة له في رؤيته لما يعرض عليه وضرورة البحث والتحقق من كل شيء , فالاعتراف لم يعد سيد الأدلة كما كان من قبل , بل لم يعد أمرا مسلما به , وأنه أصبح من واجبه البحث والإبحار فيما احتواه الاعتراف وهل هو متسق مع ظروف وملابسات الجريمة أم لا .. وما هي الأدلة التي تؤيده وتقويه ؟ .

يضيف المستشار أحمد المنوفي , أنه على مدار عمله بعدها كقاضي جزئي ثم رئيسا لمحكمة جنح مستأنف لمدة 7 سنوات , كانت تلك القضية هي أول حديث بينه وبين زملائه الجدد , أن الاعتراف لابد فيه من تحقيق الدقة خاصة في القضايا التي تصل عقوبتها للإعدام , وما زال مشهد اعترافات الشاب وما احتوته تلك القضية لن يغيب عني ,وكيف يمكن أن تؤثر حالة الخوف والقلق الشديد على نفس إنسان , فتجبره على الاعتراف بما لم يرتكبه , بل كيف تؤثر مشاهد التلفاز التي كانت تعرض ما يحدث في أقسام الشرطة زمان على عقول المواطنين.. ويتساءل هل يمكن لنظرات بريئة أن تقود صاحبها لحبل المشنقة ؟! ..