هيرمس
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

معاً للمستقبل

رسائل الرئيس من الكاتدرائية

 

بكلمات بسيطة موجزة من كاتدرائية العاصمة الإدارية بعث الرئيس السيسي برسائل عديدة تبشر بعام سعيد على مصر وأهلها أجمعين؛ ذلك أنه أكد أن الجمهورية الجديدة تتسع للجميع بلا تفرقة ولا تمييز، فهي ترتكز على العلم والعمل والحلم والأمل، وتحقق حياة كريمة لكل أهلها،  يسودها قانون واحد يطبق على الجميع بلا استثناء، وتلك ولا شك مقومات دولة قوية عفية لا غاشمة، تحقق المساواة بين جميع أبنائها، وتترفق بكل مواطن فيها.. ميزانها العدل وغايتها احترام آدمية الإنسان.. المتهم فيها بريء حتى تثبت إدانته، ولا تمتد يد العقاب إلى أحد إلا بعد محاكمة منصفة نزيهة، تتوخى روح القانون، وتنشد ردع الظالمين، والأخذ على أيدي الفاسدين والمقصرين.

من رسائل الرئيس من الكاتدرائية في احتفالات عيد الميلاد المجيد أننا أمام جمهورية جديدة ترعى ذوي الهمم، وتنحاز لذوي الاحتياجات الخاصة تتكفل باحتياجاتهم وتنظر إليهم نظرة إنسانية تحترم مشاعرهم وتقدر متاعبهم كما يفعل الرئيس الذي استن تقليداً محمودا حين احتضنهم وأولاهم اهتمامه وعنايته وأصغى لمطالبهم واحترم رغباتهم فمثل هؤلاء خلقهم الله ليمتحن إنسانيتنا و مدى رفقنا بهم وكيف نشكر الله على نعمه التي نتمتع بها وقد حرموا هم منها "وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (إبراهيم:34).

ما من شك أن الانتقال لجمهورية جديدة حلم طالما راود المصريين طويلا؛ ذلك أنه ليس فحسب مجرد انتقال من مكان مزدحم ضاق بمن فيه لآخر أكثر سعة وتنظيماً.. لكنه –وهذا هو المأمول- انتقال من فكر قديم لمنظومة حديثة في الإدارة والتفكير واتخاذ القرار؛ ويطمح المصريون أن يروا فيها ما تقر به أعينهم، من حياة جديدة في كل مناحيها..وهو ما تدركه الحكومة وتعمل على تحقيقه برؤية بعيدة تدرك أهمية بناء الإنسان وتحصين العقل وتشييد حصون الوعي، وترشيد الفكر..وهي –أي الحكومة- تبصر خطورة العلم والتعليم اللذين جرى إهمالهما طويلا على أيدي حكومات سابقة عمدت إلى المسكنات والإهمال حتى وصلنا لما نحن فيه من تردٍ كبير في التعليم أفضى بنا إلى الجهل والمرض والفقر والعشوائية والخرافة وتلك كبرى التحديات التي تواجهها مصر كما يقول طبيب القلوب د.مجدي يعقوب.

ويبدو طبيعياً في سياق كهذا أن تسارع الحكومة بإجراءات إصلاحية للمنظومة بكاملها؛ بحسبان التعليم والصحة والسكان وزيادة الإنتاجية وتنمية البشر ركائز أساسية لا غنى عنها لأي نهضة فما بالك ونحن ننتقل لجمهورية جديدة تسعى للتميز والريادة وحيازة أسباب القوة والمنعة.

تطوير المنظومة يقوم عليه وزيرا التربية والتعليم والتعليم العالي، وهما يملكان بلا شك رؤية واعية بمتطلبات ذلك الإصلاح وغاياته، ويخطوان على طريقه خطوات منتظمة متدرجة تجعل التغيير مسألة قابلة للحياة والتطور ..ويبقى أن يرى الناس ذلك واقعاً يترجم النجاح لأرقام وترتيب متقدم في قوائم التصنيف العالمية المختلفة لجودة التعليم وتقدمه.

ويبقى أمام الوزيرين أن يصلا بالتطوير وتحسين الأداء إلى المستويات الأدنى في تلك المنظومة؛ حتى يكونوا جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة، وحتى يتحقق ذلك فلابد أن يعوا أولاً فلسفة الرؤية الإصلاحية ويؤمنوا بحتمية نجاحها وألا ينظروا إليها بحسبانها عبئاً لا طائل منه ولا مردود له على حياتهم فيضعوا العقبات في طريقها ويعوقوا وصولها لغايتها المنشودة.

العبرة كما يقولون بحسن الاستهلال أو ضربة البداية؛ فكلما كانت البدايات صحيحة وموفقة كان النجاح من نصيب سائر الخطوات والمراحل..كما أن الإقناع والقبول والحافز شرط للقبول وتحمل أعباء الإصلاح من جانب القائمين على التعليم والصحة..وفرق كبير بين أن يضطر هؤلاء للعمل صاغرين وبين أن يقبلوه طائعين مرحبين..فهنا تتولد الهمة والنشاط والحيوية والإبداع  من حيث لا تتوفر هناك.

وتجارب الماضي والحاضر في حياة الأمم والشعوب تقول كلها بوضوح وحزم  إنه ما من دولة تقدمت  إلا عبر التعليم الناجح والعلم النافع والبحث العلمي الرشيد المثمر والصحة العفية..وبنظرة عابرة لدول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة والفلبين واليابان وهونج كونج وماليزيا مثلاً ندرك أن منطلقات النجاح واحدة وهي العلم والروح الوطنية المتحفزة ولا شيء غيرهما..وكلها نماذج جديرة بالاستلهام في مصر التي تملك الآن خريطة وأجندة واضحة لتحسين التعليم والارتقاء بالصحة والبحث العلمي، وهو ما ينبغي أن يتوازى معها رؤية الوزراء المعنيين وحماسهم لتجاوز عقبات الروتين والبيروقراطية العتيقة لتحقيق نجاح مستحق تتوفر له إرادة وحماس من القيادة السياسية ورؤيتها النافذة للنهضة والتطور والمستقبل الواعد لمصر.

إصلاح التعليم ملف شائك ذو أهمية فائقة يحظى باهتمام غير مسبوق؛ ذلك أنه يشتبك مع ثقافة راسخة تشكلت وترسخت عبر عقود حتى أن الحكومة- أي حكومة- لا تستطيع وحدها إحداث تغيير جوهري فيه مهما أوتيت من إمكانيات ما لم يتوفر لها إرادة مجتمعية تمد يد العون للوزير المختص بالتربية والتعليم، وتسانده في معركته مع عشوائية مفرطة وفوضى وازدواجية ممقوتة وسيولة لا تجدها إلا هنا من مدارس خاصة وحكومية ولغات وأجنبية ودولية ومافيا دروس خصوصية وكتب خارجية.

وفي رأيي أن نهضة التعليم لن تتحقق إلا إذا خلصناه من طريقته التقليدية في الحفظ والاستظهار وأطلقناه على طريق بناء القدرات والملكات النقدية والابتكار والجودة ؛ فهماً واستنباطاً، وتحليلاً واكتساباً للمعلومات، وتوظيفاً للأفكار دون قيود ولا حدود..ومن قبل هذا وذاك تحفيزاً لهمم الطلاب بجعله محبباً لنفوسهم ومشوقاً لهم يسعون إلى قاعاته  وفصوله ومدرجاته بقناعات داخلية وبدوافع من ذواتهم.

يحدونا أمل عريض أن يتبوأ تعليمنا بما يمتلكه من أدوات تكنولوجية ومناهج مستحدثة تتأبى على الغش كما تتأبى على الحفظ أن يثمر منظومة صانعة للبهجة وجاذبة لأبنائنا، لا عشوائية فيها ولا ارتجال ولا دروس خصوصية ولا استغلال ، وأن ينتج أجيالاً أكثر وعياً وإدراكاً بمتطلبات المستقبل، وأن يغرس في قلوبهم محبة المدرسة والمعلم والمنهج والوطن، ويحقق لهم متعة تمسح عنهم عناء التحصيل الدراسي لا أن يكون عقاباً يحملهم فوق طاقتهم من الكتب المدرسية ومن حشو المناهج والمعلومات ما تضج به عقولهم وتضيق به صدورهم وذاكرتهم.

يحضرني ما جرى من مناقشات ساخنة بين أعضاء مجلس النواب والوزير د.طارق شوقي حول التعليم وتطويره وأزمة رابعة ابتدائي وهي مناقشات أظهرت غياب الرضا المجتمعي عن المنظومة الحالية للتعليم.

ورداً على أسئلة النواب حول صعوبة منهج رابعة ابتدائي قال الوزير :" نحاول أن نقدم للتلاميذ المنهج نفسه الذي يحصل عليه أقرانهم بمختلف دول العالم ..يجب أن ننسى كلمة الامتحان، فما يوجد هو تقييم المنهج وليس امتحاناً يخيف الطلبة.

ووجه الوزير نصيحة للجميع قائلاً " اجعلوا الطلبة يستمتعوا بالتعليم من خلال ريتم هاديء، ويحصلوا على أفضل ما فيه ..فإن لدينا ولأول مرة خطة لتطوير التعليم وإطارًا عامًا للمناهج وهو ما لم يكن موجوداً من قبل..أول مرة نبقى عارفين رايحين على فين ..لم نبدأ التطوير من رابعة ابتدائي كما يقول البعض وإنما التطوير بدأ من الصف الأول الابتدائي لكن "الدوشة"سببها أننا "شايفين" كتب سنة رابعة كبيرة..رغم أن منهجها بشهادة مؤسسات دولية من أفضل المناهج .

أضاف الوزير: "لو عاوزين ننتشل أولادنا لفوق مش حنقعد نجلد في بعض. مشروع التطوير مش هزار ولا نزهة ولا بديل عنه. الكتب دي على أعلى مستوى في العالم، وسوف ننافس بها دولاً كبرى مثل فنلندا .

أما عن حجم الكتب فسوف يكون هناك –والكلام للوزير- تسلسل ونخاطب المدارس بالتماشي مع تسلسلها الطبيعي. ما أوضح أن أزمة تلك المناهج  أنها أكبر من مساحة العام الدراسي في مصر والذي يصل ل 100 يوم بينما يتعدى ال 180 يوماً في الدول الكبرى وهو ما يخلق فجوة لدى الطالب المصري الذي يدرس فقط مائة يوم في العام ..بينما يتوقف عن الدراسة بقية العام.

مناقشات الوزير والنواب تطرقت لقضايا عديدة؛ وتناولت العجز في عدد المدرسين وكثافة الفصول حتى أن نائباً قال إن الوزير صنع البدلة قبل أن يصنع قماش البدلة مطالباً بوضع أولويات والتدرج في التطوير ..بينما قال نائب آخر: إن طريقة تعامل الوزير مع منظومة التعليم يشوبها فشل في التخطيط..فكيف يكون لدينا عجز 250 ألف مدرس وننتظر أن يحدث التطوير المنشود..وقال آخر : منظومة التطوير لا وجود لها إلا في عقل الوزير فقط؛ فلا أحد من مساعديه يعلم شيئاً من تفاصيلها، الوزير يتعامل مع التعليم كأنه سلعة ، مخالفا للدستور الذي يجعل التعليم أمراً يجب أن تكفله الدولة، وأن المعلم أساس المنظومة التعليمية؛ ومن ثم فتوفيق أوضاعه ضروري لنجاح تلك المنظومة، ولابد من خطة عملية للتغلب على كثافة الفصول ومتطلبات المدارس حتى نرى تطويراً حقيقياً لا صورياً في المناهج،وأن تنتهي ظاهرة الدروس الخصوصية.

الوزير أجاب بأن ما يحدث من تطوير هدفه انتشال هذا الجيل، ونحن نحاول جاهدين أن نقدم له ما يتلقاه نظراؤه في العالم ..المهم أن يتعلم أبناؤنا..وننسى كلمة امتحان..ولا يكون شاغلكم مسألة "السقوط في الامتحان" ولو جبنا من أرشيفنا امتحانات الفيزياء والكيمياء في ثمانينيات القرن الماضي حيسقطوا كلهم..عايزين ننتشل هذا الجيل..ونسأل السؤال الحقيقي: إحنا عايزين نتقدم ولا لأ ..ولو عايزين يبقى حنتعب ..ما تخلوش المشكلة كلها علشان نعدى الامتحانات ..أضاف الوزير إن الوزارة قامت بإجراء اختبار لمنهج الصف الرابع الابتدائى، من خلال الدخول فى مسابقة مع الجانب بالياباني وتم  اختيار عينة من 3 آلاف طالب، للمشاركة فى امتحان تم إعداده وفقا للمعايير اليابانية فى التعليم وكانت النتيجة أن الجانب الياباني كسبنا بنسبة كبيرة تصل إلى 6 - 0 فى مرحلة  تانية وتالتة إعدادى، ولكن فى مسابقة رابعة ابتدائى ، تفوقنا عليهم وكسبناهم فى رابعة ابتدائى .

الوزير ذهب لأبعد من ذلك حين قال: "السنوات اللي فاتت عملنا جريمة في تجهيل أطفالنا بالمناهج القديمة"..كلام الوزير انتهى لكن الجدل حول التعليم ومشكلاته لا يزال على أشده ..بَيْدَ أن ما جرى في البرلمان هو في النهاية حوار صحي نرجو أن يتبعه واقع أفضل نراه على الأرض ..كما نرجو أن نرى تعليما فنياً واعياً بحركة الحياة والمجتمع، مستوفياً لمتطلبات المنافسة العالمية في سوق العمل وعالم الصناعة والتكنولوجيا فائقة التطور، تعليما فنياً يحترمه الجميع ويتسابق إليه طلابنا، تعليماً يعبر عن رؤية نافذة للإصلاح واستيعاب روح العصر ومستجداته..نريد تعليماً جامعياً لا يرتاده إلا ذوو الملكات وصفوة العقول الجديرة بقيادة المستقبل، القادرة على إحداث تغيير منشودة في جمهوريتنا الجديدة.

البشر هم حجر الزاوية في أي إصلاح ينطبق ذلك على التعليم تماماً كما ينطبق على الصحة والاقتصاد والاجتماع والسياسة ؛ فعقول البشر هي من يضطلع بعملية الإصلاح من مبتداها لمنتهاها ولا مفر، والحال هكذا، من إصلاح حال المربي المعلم الذي يربي قبل أن يعلم لا المعلم التاجر الذي سحقته ظروف الحياة فلم يجد بداً من امتهان الدروس الخصوصية والتحول بمهنة سامية ينظر إليها بعين الإكبار والإجلال إلى تجارة وسبوبة لا هي أفادت التربية ولا هي أضافت للعلم شيئاً .

عقول البشر أولى بالإصلاح والرعاية في جمهوريتنا الجديدة؛ ولا سبيل إلى أي تقدم حقيقي إلا بإصلاح ثقافتنا ومفاهيمنا الحاكمة وطرائق تفكيرنا ونمط إنتاجنا واستهلاكنا وهو ما تسعى له الحكومة بتوجيه من الرئيس السيسي الذي يؤكد مراراً وتكراراً وفي كل مناسبة ومنتدى للشباب وملتقى أن التعليم والصحة هما جناحا أي تنمية منشودة ..ومن ثم فعلى الحكومة وكل قوى المجتمع أن تتحرك مسترشدة بالإرادة السياسية وإيمان القيادة بأن إصلاح التعليم بات فريضة لا يصح تأجيلها أو التفريط فيها..فبالعلم تقوى الأمم وترقى الدول وتملك مصيرها وقوتها ..فلا مكان للضعفاء في عالم اليوم.