كل أسبوع

​​​​​​​الصبر‭ ‬على‭ ‬الأذى

كنت‭ ‬استمع‭ ‬إلى‭ ‬آيات‭ ‬من‭ ‬الذكر‭ ‬الحكيم‭ ‬على‭ ‬إذاعتى‭ ‬المفضلة‭: "‬القرآن‭ ‬الكريم‭"‬،‭ ‬فشد‭ ‬انتباهى‭ ‬آية‭ ‬كريمة،‭ ‬وكأنى‭ ‬أسمعها‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬ووجدتنى‭ ‬أربط‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الإساءة‭ ‬لرسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬واعتبرتها‭ ‬إجابة‭ ‬كافية‭ ‬وشافية‭ ‬على‭ ‬سؤال‭ ‬يتردد‭ ‬بقوة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬إساءة‭ ‬لرسولنا‭ ‬الأعظم‭ ‬سيدنا‭ ‬محمد‭: ‬ماذا‭ ‬نفعل‭ ‬مع‭ ‬هؤلاء‭ ‬المسيئين؟،‭ ‬وتاتى‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬الكريمة‭ ‬لتجيب‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السؤال،‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أن‭ ‬العبرة‭ ‬فى‭ ‬آيات‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬بعموم‭ ‬اللفظ‭ ‬لا‭ ‬بخصوص‭ ‬السبب‭. ‬

الآية‭ ‬الكريمة‭ ‬فى‭ ‬سورة‭ ‬آل‭ ‬عمران‭ ‬تقول‭: "‬لَتُبْلَوُنَّ‭ ‬فِي‭ ‬أَمْوَالِكُمْ‭ ‬وَأَنفُسِكُمْ‭ ‬وَلَتَسْمَعُنَّ‭ ‬مِنَ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬أُوتُوا‭ ‬الْكِتَابَ‭ ‬مِن‭ ‬قَبْلِكُمْ‭ ‬وَمِنَ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬أَشْرَكُوا‭ ‬أَذًى‭ ‬كَثِيرًا‭ .‬وَإِن‭ ‬تَصْبِرُوا‭ ‬وَتَتَّقُوا‭ ‬فَإِنَّ‭ ‬ذَٰلِكَ‭ ‬مِنْ‭ ‬عَزْمِ‭ ‬الْأُمُورِ‭ (‬186‭)". ‬

وهذه‭ ‬الآية‭ ‬الكريمة‭ ‬تشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ‬فى‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭: "‬ولنبلونكم‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬والجوع‭ ‬ونقص‭ ‬من‭ ‬الأموال‭ ‬والأنفس‭ ‬والثمرات‭ ‬وبشر‭ ‬الصابرين‭ (‬155‭) ‬الذين‭ ‬إذا‭ ‬أصابتهم‭ ‬مصيبة‭ ‬قالوا‭ ‬إنا‭ ‬لله‭ ‬وإنا‭ ‬إليه‭ ‬راجعون‭" ) ‬156‭)" ‬أي‭: ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يبتلى‭ ‬المؤمن‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬ماله‭ ‬أو‭ ‬نفسه‭ ‬أو‭ ‬ولده‭ ‬أو‭ ‬أهله‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬المفسرون‭ - ‬ويبتلى‭ ‬المؤمن‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬دينه،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬دينه‭ ‬صلابة‭ ‬زيد‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬البلاء،‭ ‬وهل‭ ‬من‭ ‬مصيبة‭ ‬أو‭ ‬ابتلاء‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نسمع‭ ‬الشتائم‭ ‬على‭ ‬رسولنا‭ ‬الكريم،‭ ‬أو‭ ‬نرى‭ ‬رسوما‭ ‬تنال‭ ‬من‭ ‬قدره‭ ‬الشريف؟‭. ‬

وقد‭ ‬نزلت‭ ‬آية‭ "‬آل‭ ‬عمران‭" ‬للمؤمنين‭ ‬عند‭ ‬مقدمهم‭ ‬المدينة‭ ‬قبل‭ ‬موقعة‭ ‬بدر،‭ ‬مسليا‭ ‬لهم‭ ‬عما‭ ‬نالهم‭ ‬من‭ ‬الأذى‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الكتاب‭ ‬والمشركين،‭ ‬وآمرا‭ ‬لهم‭ ‬بالصبر‭ ‬والصفح‭ ‬والعفو‭ ‬حتى‭ ‬يفرج‭ ‬الله،‭ ‬فقال‭: ".. ‬وإن‭ ‬تصبروا‭ ‬وتتقوا‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬عزم‭ ‬الأمور‭".‬

قال‭ ‬ابن‭ ‬أبي‭ ‬حاتم‭: ‬عن‭ ‬عروة‭ ‬بن‭ ‬الزبير،‭ ‬أن‭ ‬أسامة‭ ‬بن‭ ‬زيد‭ ‬أخبره‭ ‬قال‭: ‬كان‭ ‬النبي‭ - ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ - ‬وأصحابه‭ ‬يعفون‭ ‬عن‭ ‬المشركين‭ ‬وأهل‭ ‬الكتاب‭ ‬كما‭ ‬أمرهم‭ ‬الله،‭ ‬ويصبرون‭ ‬على‭ ‬الأذى،‭ ‬قال‭ ‬الله‭ : "‬ولتسمعن‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬أوتوا‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬قبلكم‭ ‬ومن‭ ‬الذين‭ ‬أشركوا‭ ‬أذى‭ ‬كثيرا‭" ‬قال‭: ‬وكان‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬يتأول‭ ‬في‭ ‬العفو‭ ‬ما‭ ‬أمره‭ ‬الله‭ ‬به،‭ ‬حتى‭ ‬أذن‭ ‬الله‭ ‬فيهم‭.‬

وقال‭ ‬تعالى‭: "‬ود‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الكتاب‭ ‬لو‭ ‬يردونكم‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬إيمانكم‭ ‬كفارا‭ ‬حسدا‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬أنفسهم‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬تبين‭ ‬لهم‭ ‬الحق‭ ‬فاعفوا‭ ‬واصفحوا‭ ‬حتى‭ ‬يأتي‭ ‬الله‭ ‬بأمره‭" (‬الآية‭: ‬109من‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭)‬،‭ ‬فكأن‭ ‬من‭ ‬قام‭ ‬بحق،‭ ‬أو‭ ‬أمر‭ ‬بمعروف،‭ ‬أو‭ ‬نهى‭ ‬عن‭ ‬منكر،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يؤذى،‭ ‬وما‭ ‬له‭ ‬دواء‭ ‬إلا‭ ‬الصبر‭ ‬في‭ ‬الله،‭ ‬والاستعانة‭ ‬بالله،‭ ‬والرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الله،‭ ‬عز‭ ‬وجل‭.. ‬هكذا‭ ‬يقول‭ ‬أهل‭ ‬العلم‭ ‬عند‭ ‬تعرضهم‭ ‬لتفسير‭ ‬هذه‭ ‬الآيات‭. ‬

ويقول‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬فى‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭: "‬وَبَشِّرِ‭ ‬الصَّابِرِينَ‭ * ‬الَّذِينَ‭ ‬إِذَا‭ ‬أَصَابَتْهُمْ‭ ‬مُصِيبَةٌ‭ ‬قَالُوا‭ ‬إِنَّا‭ ‬لِلَّهِ‭ ‬وَإِنَّا‭ ‬إِلَيْهِ‭ ‬رَاجِعُونَ‭ * ‬أُوْلَئِكَ‭ ‬عَلَيْهِمْ‭ ‬صَلَوَاتٌ‭ ‬مِنْ‭ ‬رَبِّهِمْ‭ ‬وَرَحْمَةٌ‭ ‬وَأُوْلَئِكَ‭ ‬هُمُ‭ ‬الْمُهْتَدُونَ‭" (‬155-‭ ‬157‭)‬،‭ ‬ويقول‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬فى‭ ‬سورة‭ ‬آل‭ ‬عمران‭: "‬الَّذِينَ‭ ‬قَالَ‭ ‬لَهُمُ‭ ‬النَّاسُ‭ ‬إِنَّ‭ ‬النَّاسَ‭ ‬قَدْ‭ ‬جَمَعُوا‭ ‬لَكُمْ‭ ‬فَاخْشَوْهُمْ‭ ‬فَزَادَهُمْ‭ ‬إِيمَانًا‭ ‬وَقَالُوا‭ ‬حَسْبُنَا‭ ‬اللَّهُ‭ ‬وَنِعْمَ‭ ‬الْوَكِيلُ‭ (‬173‭).‬فَانقَلَبُوا‭ ‬بِنِعْمَةٍ‭ ‬مِّنَ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬وَفَضْلٍ‭ ‬لَّمْ‭ ‬يَمْسَسْهُمْ‭ ‬سُوءٌ‭ ‬وَاتَّبَعُوا‭ ‬رِضْوَانَ‭ ‬اللَّه‭.‬وَاللَّهُ‭ ‬ذُو‭ ‬فَضْلٍ‭ ‬عَظِيمٍ‭ (‬174‭). ‬

 

بعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأوامر‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بالصبر‭ ‬على‭ ‬أذى‭ ‬الكفار‭ ‬والمشركين،‭ ‬وبيان‭ ‬الفضل‭ ‬العظيم‭ ‬جزاء‭ ‬هذا‭ ‬الصبر،‭ ‬فهل‭ ‬يليق‭ ‬أن‭ ‬تصدر‭ ‬عنا‭ ‬أفعال‭ ‬عنيفة‭ ‬أو‭ ‬إجرامية‭ ‬فى‭ ‬حق‭ ‬المسيئين؟‭ ‬وتكون‭ ‬نتيجة‭ ‬مخالفة‭ ‬أمر‭ ‬الله‭ ‬وفعل‭ ‬رسوله‭ ‬والصحابة‭ ‬أن‭ ‬ننسب‭ ‬للإسلام‭ ‬ما‭ ‬ليس‭ ‬فيه،‭ ‬وأن‭ ‬نعطى‭ ‬لأعدائه‭ ‬خنجرا‭ ‬مسموما‭ ‬للطعن‭ ‬فى‭ ‬ديننا‭ ‬الحنيف،‭ ‬والتشنيع‭ ‬عليه‭ ‬بأنه‭ ‬دين‭ ‬إرهاب‭ ‬وقتل‭ ‬وترويع،‭ ‬وهو‭ ‬فى‭ ‬حقيقته‭ ‬دين‭ ‬سلم‭ ‬وسلام‭ ‬وأمن‭ ‬وأمان‭ ‬للعالمين‭.