هيرمس
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

معاً للمستقبل

الابتسامة إكسير الحياة ؟


الوجوه مرايا القلوب، تظهر فيها ما تبطنه النفوس وما يختلج في القلوب.. وأجمل ما يمكن أن تراه على الوجوه هو ابتسامة صافية نابعة من القلب، مبعثها الرضا والامتنان لنعم الله علينا وما أكثرها من نعم تعودنا عليها حتى نسينا شكرها وغفلنا عن الحمد لمن أنعم بها علينا.  ولست أبالغ إذا قلت إن الابتسامة صارت أملاً نرجو عودته للوجوه التي أضناها العبوس وأشقاها الانغماس في متاعب الحياة والبحث عن إشباع الحاجات المادية حتى باتت وكأنها غاية في ذاته.

الابتسامة الرائقة لا تصدر إلا عن نفوس راضية مطمئنة، وهي لا تكلف أصحابها شيئاً، لكن لها مفعول السحر في إسعاد الآخرين، وإزالة الحواجز بين الناس بعضهم بعضاً، وبناء جسور من الود والتقارب تعبر عليها المجتمعات إلى التعايش الآمن والسلام الاجتماعي وإنعاش أواصر المحبة والوئام بين أفرادها وطوائفها كافة بلا تفرقة أو تمييز.. فحين سُئل عبد الله بن عباس - رضي الله عنه: ما حُسن الخلق ؟ قال : حُسن الخلق أمرٌ هيّن ، وجهٌ بشوش وكلامٌ ليّن..تلك هي المعادلة الصعبة لهندسة العلاقات الاجتماعية على أحسن ما يكون بلا تكلفة تذكر.

وفي سيرة سيد الخلق ما يجعلنا نحرص على الابتسام في وجوه الناس حتى لو جاهدنا أنفسنا في ذلك؛ ففيه الخير كل الخير لنا ولمن حولنا..فتأليف القلوب نعمة كبرى تحققها البشاشة والابتسامة ولين الكلام ولا يمكن لأموال الدنيا كلها أن تشتري محبة الناس.. وقد حرص النبي على تأليف قلوب أصحابه وجلب محبتهم له بمنهج تربوي يقوم على اللين والرحمة والبشاشة يقول تعالى:" فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ  وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (آل عمران:159)..وتأكيدا لتلك الرحمة يقول تعالى : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة: 128)  كما قال عز وجل: "وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم" (الأنفال: 63).

ومن دواعي الألفة بين الناس ابتسامة صادقة هي رسول المحبة الخالصة، قال صلى الله عليه وسلم: "تبسمك في وجه أخيك صدقة".

ما أعظم الأثر النفسي والقلبي في تقارب القلوب وتآلف النفوس، يقول نبينا الكريم: "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق"؛ أي وجه  متهلل بالابتسامة دليلاً على الفرح والسرور بلقائه.

ومن ثم فلا نبالغ إذا قلنا إن الابتسامة على بساطتها الظاهرة هي في جوهرها معروف يبذل فيترك أثرًا كبيرًا في التأليف بين القلوب .. لكنها مع بساطتها ليست شيئا هينا بل تحتاج لقلب نقي صادق ومزاج معتدل ونفس راضية؛ ذلك أنها بمثابة إعلان القبول والرضا بلقاء هذا الذي تبسمت في وجهه، وهي ترجمة مرئية للمحبة والمودة..وهي قبل هذا وذاك مؤشر لا يخطيء على القبول بالقضاء والقدر والرضا عن النفس..وذلك هو أصعب ما فيها.

ولعل واقعنا يقول بوضوح إن الإنسان المبتسم البشوش يحبه الآخرون ويلجأون إليه ويحرصون على مجالسته..وتنتقل إليهم طاقته الإيجابية وعدوى الابتسامة والبهجة وهي أعظم هدية يمكن أن تقدمها لمن حولك كبيراً أكان أم صغيراً..في المقابل تجد بين الناس من طبعه التجهم وعدم التبسم..فماذا تكون النتيجة؟!  ينفر الناس منه، وقل أن تجد له صديقا أو رفيقا. وهنا يثور سؤال: كم يكلفك التبسم في وجوه الناس ؟!

والجواب: لا تكلفك الابتسامة مالاً تخرجه من جيبك، ولا وقتا تقتطعه من عمرك ، ولا جهدا ترهق به بدنك..ومن يبخل بها فهو أكثر الناس بخلاً وأظلمهم نفساً وأضيقهم أفقاً ..ومن يبادر بها ينال من الله أجراً وثواباً بنص الحديث الشريف:" تبسمك في وجه أخيك صدقة".

ما أحوجنا لعودة الابتسامة الصافية إلى وجوهنا وقلوبنا، وأن تعود المحبة بين الدول بعضها بعضاً، وأن تترفق الدول الغنية وتتبسم في وجه الدول الفقيرة لا أن تضيق عليها بالديون تارة، والعقوبات ومحاولات الهيمنة والابتزاز تارة ثانية، وحرمانها من الحق في لقاح كورونا تارة أخرى.

الشخص المبتسم يتمتع بشخصية قوية قادرة على امتصاص الضغوط وتجاوزها مهما تكن ليرى الناس منه وجهه البشوش الباسم الذي يمنحهم الأمل والتفاؤل، ومن ثم لم ير الصحابة الكرام رسول الله إلا بشوشاً باسماً ليبعث رسالة للعالمين: ابتسموا.

الابتسامة تنسيك الهموم وترفع عن كاهلك ضغوط الأيام..أما من يظن أنها تخصم من هيبته ووقاره فهو واقع في الخطأ لا محالة؛ فهي تاج الهيبة ورمز القوة النفسية ودواء الهم ..ولمَ لا وقد أكد العلماء أن الابتسامة تزيد من إفراز هرمون السعادة والراحة في جسم الإنسان، وتقلل من الشعور بالتوتر والقلق عدو الصحة وقاهر القلوب، كما تحافظ على إفراز الغدد بصورة صحيحة وتقوي مناعة الجسم وتجعله أكثر قدرة على مقامة الأمراض.

ينبغي والحال هكذا ألا نستهين بالأثر العضوي القوي الذي تتركه الابتسامة في الفرد والمجتمع ؛ فالباسم يستطيع الاحتفاظ بقوته ومناعته ، ولا تؤثر فيه الأحزان كثيراً؛ لأنه قادر على تخطي كل صعب وتجاوز كل تحدٍ بما في ذلك الضغوطات اليومية ..ومن يبتسم يفتح لنفسه باباً للسعادة، ونوافذ للبهجة والسكينة والانسجام والتكيف.

الطب ينحاز إلى الابتسام، ويدعونا لاتخاذه وسيلة للنجاة من الأمراض، وبينها ارتفاع ضغط الدم والسكري اللذان يرتبطان ارتباطا وثيقاً بالضغط النفسي والكبت الذي يؤذي القلب، فالمتجهم دائماً ما يواجه مشاكله بالتوتر والانفعال، وهو ما قد يزيدها تعقيداً..ومن ثم يبحث الناس عن الصديق المبتسم فهو أفضل الأصدقاء.

للابتسامة أثر إيجابي على الأفراد وعلى المجتمع أيضاً؛ فالمجتمعات التي تضم أفراداً مبتسمين متحابين هي مجتمعات متصالحة مع نفسها، يقبل أفرادها على أعمالهم بسرور وحيوية ورغبة في الإنجاز والإبداع، ويبدءون يومهم بطاقة إيجابية محفزة ودافعة للأمام.

وتترك الابتسامة في نفوس الصغار أثراً طيباً يدوم معهم حين يكبرون؛ ذلك أنهم ينشأون وهم معتادون على رؤية الابتسام من حولهم؛ فيعتبرونه جزءًا أساسيًا من حياتهم ومن يعتادون علي فعله بصورة تلقائية كجزء من سلوكهم وتعاملاتهم اليومية.

الابتسامة التلقائية تنبع من القلب وتصل مباشرة للقلوب ويلمع أثرها في العيون، فما خرج من القلب وقع في القلب؛ فتقترب المسافات بين الناس، وتقوي بينهم أواصر الترابط والإخاء، والمحبة..وكلما كانت ابتسامة المرء حقيقية خلقت تغييراً إيجابياً في محيطه، وأشاعت روح التفاعل بين الجميع..وهي تزيد القدرة على التركيز والإنتاج وتعكس الثقة في النفس والإقبال على الحياة بحب وشغف..وهذا ما يفسر لنا لماذا تشترط مؤسسات بعينها في بعض الوظائف أن يجيد شاغلوها الابتسام وأن يكونوا ذوي وجوه خلقت وفيها مقومات الابتسامة الطبيعية أمثال مضيفات شركات الطيران والعاملين في السياحة وغيرهما..فالابتسامة هنا تهون مشقة التعب على المسافرين؛ ومن ثم علينا أن نخلق الابتسامة ونحافظ عليها لأنها من مفاتيح الحياة المرحة وألا نسمح لشيء بأن يسرقها منا؛ وأن يدخلنا في نفق الهموم وسراديب الأحزان والكآبة.

الابتسامة وردة أو شجرة خضراء في صحراء الحياة، وهي أجمل عدوى تنتقل من إنسان لآخر، فإذا ابتسمت في وجه أخيك بادلك الابتسام..أما إذا عبست في وجهه فلن تجد منه إلا الإعراض والضيق والعبوس..فإذا استيقظت وغسلت وجهك فهناك شيء يجعلك تغسل قلبك وهى الابتسام..ابتسم في وجه زوجتك وأولادك فهم أولى الناس بدفء مشاعرك وطلاوة إحساسك..ابتسامتك في وجه زوجتك تصنع المستحيل فهي تشعرها بالرضا عن علاقتكما الزوجية، وتبعث لها برسائل امتنان على وجودها في حياتك وهي أقوى من كلمات الغزل والهيام فالمرأة مخلوق رقيق لا تطيق العبوس..ومن لا يعرفون البسمة داخل بيوتهم فكيف يأتون بها خارجها..لا خير فيمن يضن بالبسمة على أهله..ابتسم في وجه كل من تلقاه في الشارع ووسائل المواصلات وكل من يقدم لك أي خدمة ..اجعل الابتسامة رفيقاً لا يفارقك أبداً وطريقك إلى النجاح في الحياة وكسب الأصدقاء..كما أن ابتسامتك في وجه عدوك تغيظه وتجعله يموت كمداً ..ابتسم في تواضع عند النصر..وابتسم في رضا عند الهزيمة..لا تغضب؛ فالغضب عواقبه وخيمة وتذكر قول الله تعالى " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"..

الابتسامة رسول التفاؤل إلى قلوب من حولك، تريح الأعصاب، وتنشر عطراً اجتماعياً فواحاً في كل مكان..والعبوس دليل على البغض..إن البيت الذي يسوده المرح والابتسام بيت سعيد حتى ولو كان كوخاً صغيراً ..أما البيت الذي يسوده العبوس والوجوم فهو بيت مظلم كئيب حتى ولو كان قصراً.

إن أغلى ما في الحياة هو الإنسان، وأشرف ما في الإنسان هو وجهه؛ وأجمل ما في وجهه هو الابتسامة العذبة فإذا اختفت فقدنا شيئاً مهماً..إن العصر الحديث هو عصر الإنترنت والتكنولوجيا والرقمنة الذي سلب منا كثيراً من الابتسام وعوّد الناس على العبوس والتجهم فمنذ استيقاظه والهموم تزدحم في رأسه وتضطره للعبس في وجوه الآخرين ..وينسى هذا المسكين أن علاج ضغوطات العصر ومتاعبه يكمن في الابتسامة التي تبدل الخير بالشر؛ فالشر لا يداوى بالشر..كما أن النار تطفأ بالماء وليس بالنار..الابتسامة هي الماء العذب الذي يغسل القلوب ويخفف الضغوط..الابتسامة الصادقة هي أكبر دليل على أخلاق الإنسان وأصله الطيب والعكس صحيح.

عن أبي هريرة أن رجلاً شكا إلى رسول الله قسوة قلبه فقال له المصطفى الكريم "إذا أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين"..فقسوة القلب تؤدي إلى ظلم الضعفاء وأكل المال الحرام والتعصب..أما لين القلوب فهو مفتاح السعادة ودليل حسن الخلق..ونختم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" أكمل الناس إيمانا أحاسنهم أخلاقا الموطئون أكنافا ، الذين يألفون ويؤلفون ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف "..فانظر لنفسك أين تحب أن تكون..ثم افعل ما بدا لك.