مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

معاً للمستقبل

 أخلاقنا..كلمة السر


ما أصدق الشاعر حين قال "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو أخلاقهم ذهبت ذهبوا" ..فالفارق بين الحضارات الخالدة وما عداها من نتاج بشري انتهى إلى زاوية النسيان هو فارق أخلاقي..فحضارة المصريين القدماء أو حضارة العرب والمسلمين حين تقلب النظر فيها تجدها تنتصر للأخلاق وتنحاز لإنسانية الإنسان وتعلي قيم الحق والخير والجمال ..فعاشت قرونا وسادت عصوراً طويلة ألهمت الأوروبيين وأخرجتهم من ظلمات العصور الوسطى إلى المدنية الحديثة التي تخلت للأسف عن جانبها الخلقي والروحي فآلت أحوال العالم إلى ما نحن فيه اليوم من صراعات وأوبئة ومظالم يندى لها الجبين.

أما نحن أمة العرب فلا نحن حافظنا على قيم تراثنا وما فيه من دعوة لإعمال العقل وتجديد الفكر والتزام بروح ديننا الحنيف، ولا نحن وقفنا على سر التقدم الغربي في العلوم ومنتجات التكنولوجيا ومن ثم فنحن في أمس الحاجة لثورة أخلاقية تتوازى مع ما تشهده مصر اليوم من ثورة بناء وتعمير وأمن واستقرار مهد لقيام جمهورية جديدة على أسس ديمقراطية ومدنية واجتماعية وصحية وسياسية وتعليمية وتصنيعية تواكب ما وصل إليه العام من تقدم وازدهار مبني على العلم والمعرفة.

ما أحوجنا لثورة أخلاقية تهدم السلبيات بشتى صورها وتبني على أنقاضها منظومة خلقية إيجابية تعلي قيم الحق والخير والجمال والعدل واحترام الآخر والتسامح..وهي القيم التي تربعت بهآ أمتنا على عرش العالم يوما، وكانت سببا في خيريتها التي امتدحها الله من فوق سبع سماوات حين قال تعالى :"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله".

ما نراه اليوم في مجتمعاتنا من حوادث عنف وجرائم بشعة تزداد وتيرتها وتتصاعد حدتها، وهي بالمناسبة غريبة ودخيلة علينا وتتوجع لها الضمائر السوية.. فمنذ متى كانت الأمهات يقتلن أولادهن أو يقتل الأزواج زوجاتهم أو تقتل الزوجات أزواجهن.. وأين الرباط المقدس الذي جعله الله بينهم من مودة ورحمة تشيِّدان أساساً متينًا لا تستقيم علاقتهما بينهما إلا به..ثم استشرت تلك الجرائم حتى وصلت للمؤسسة التعليمية والشارع وما نراه من سباب وتنابز بألفاظ بذيئة تخترق مسامعنا وتؤذي مشاعرنا سواء في التعاملات اليومية أو على مواقع التواصل الاجتماعي وما تبعها من أكاذيب وامتهان للحريات الشخصية كما فعلت إحدى المراقبات في امتحانات الثانوية العامة حين تنمرت بطالبة ارتدت فستاناً دون حجاب أو دون بنطال كما أشيع وقتها..وكما يفعل شباب تجرأ على الرذائل واستحل لنفسه اغتصاب جسد هنا وآخر هناك..فما الذي أوصلنا لهذه الحال..؟!

ربما يقول قائل إن ما ذكرت لا يرقى لدرجة الظاهرة ..لكن هل معنى ذلك أن ننتظر حتى تصبح ظاهرة يصعب التعامل معها واحتواء تبعاتها أم نحذر ونتنبه لما تكشف عنه أرقام الحوادث من دلالات خطيرة وروائح كريهة طفحت بعد يناير 2011 لتنذر بتردٍ أخلاقي وفساد متراكم من سنوات طويلة تضافرت له عوامل عديدة أسهمت في انتشاره واستفحاله.

وهل يكفي لعلاج عنف المدارس وانفلات القيم في الشارع ما قررته "التربية والتعليم" بتدريس مادة القيم..وهل تكفي جهود الوزارة وحدها على أهميتها للمواجهة الحاسمة أم أنها مسألة مجتمعية تحتاج لتضافر وتكامل جهود المؤسسات المعنية بصناعة العقل والوجدان والأخلاق لدى النشء والشباب وشتى فئات المجتمع..وتلك في رأيي أولى خطوات الحل.

نحن في حاجة لاستنفار المجتمع ضد فساد الأخلاق ودق أجراس الخطر ومراجعة حقيقة إيماننا وتديننا الذي صار شكلياً لا روح فيه ولا أثر ولا إخلاص وفعالية..فخيرية هذه الأمة تنهض على ساقين هما الأمر بالمعروف والفضائل والنهى عن المنكرات مع الإيمان بالله ..فهل تناهينا عن الشر والغل والحقد والقتل والعنف والدمار والغيبة والنميمة ..لم نعد نتواصى بالحق والصبر.

كثيرة هي سقطات مجتمعنا، وقد شاركت فيها للأسف وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل إعلام تحولت من وسائل لنشر الوعي إلى أدوات هدم لم يتم توظيفها في جنى ثمار العلم والمعرفة واستسلمنا لغواية الفضاء الإلكتروني وضجيج التوك شو ومسلسلات روجت للعنف والقتل وتعاطي المخدرات و العري وفساد الأخلاق والفهلوة والخيانة والتكاسل والشعوذة والدجل ..وهو ما آن له أن يتوقف لنجد مواطناً صالحاً تنهض على أكتافه الجمهورية الجديدة بقوة وثبات.

ومن أسف أن ما نراه من سوء السلوك ليس وليد اللحظة ولا المرحلة بل تراكمات بعضها فوق بعض نتيجة استسلام المناعة المجتمعية لمثل هذا الغثاء وعدم التصدي لخطورته أو الانتباه لتداعياته الكارثية على أجيال تفتحت عيناها على مثل هذه الأفعال حتى شبت وقد نهلت من ثقافة القبح والفوضى وشبعت من ألوان العنف والرذيلة.

صناع الدراما يتحملون بالتأكيد جزءاً من المسئولية بما قدموه من مسلسلات هابطة وأعمال تافهة تفوق الأعمال الهادفة عدداَ..ومن ثم فلم تحدث الأخيرة تأثيرها المرجو في معالجة الجهل والأمية، وتحض على الإيجابية والمشاركة العامة وكان طبيعياً- والحال هكذا- أن تهتز منظومة القيم وتتراجع الأخلاق..وهو ما أدركه السيسي منذ اللحظة الأولى لتوليه مقاليد الحكم فنبه لخطورته، وطالب بأن يكون الفن والثقافة والإعلام والأزهر أدوات تنوير وتوعية..             

علينا أن نراجع حقيقة إيماننا الذي صار شكليا لا روح فيه ولا إخلاص، ولا فعالية، فلم نعد نتناهي عن الشر والغل والقتل والدمار والهدم والغيبة والنميمة ..لم نعد نتواصى بالحق،والصبر..وهو ما يطرح سؤالاً لا مفر منه : هل نحن بخير إذا استمر منحنى تدهور الأخلاق في تصاعد ..وما يمنعنا من الرجوع لروح ديننا وما دعانا إليه رسولنا القائل :إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق..فهل انتهينا عما نهانا الله عنه..؟!

ديننا الكريم شأنه شأن رسالات السماء كافة يحضنا على فعل الخيرات واجتناب المنكرات، رافضاً أي انحراف في الفكر أو فساد في السلوك أو التصور..ورغم سمو هذه الدعوة وما قدمته للبشرية من نماذج فذة أيام ازدهار حضارة الإسلام لكن أمتنا اليوم مبتلاة دون غيرها بالإرهاب وجماعات والتطرف وتنظيماته  والإهمال والفساد والتخلف والأمية والمرض حتى باتت وتلك مفارقة عجيبة أكثر بقاع الأرض هشاشة وانقساماً وتدهوراً في الإنتاج وانخراطاً في الخرافة والتواكل والكسل رغم ما تملكه مقومات وموارد بشرية وطبيعية لا محدودة..وهي آفات يأباها ديننا ولا يرضاها لأتباعه.

ما يحدث يجعل السؤال ضرورياً: لماذا تراجع دورنا الحضاري وتداعت علينا الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها لا من قلة ولا عن فقر في الموارد بل عن كثرة كغثاء السيل كما وصفها رسول الإسلام..فهل تجد أمة يحاربها أعداؤها بأيدي بعض بنيها ممن ينتسبون للإسلام زوراً بينما يجري توظيفهم لهدم أركان دولنا بدعاوى زائفة تنطلي للأسف على بعضنا ذلك أننا ابتلينا بجماعة الإخوان الإرهابية التي تحاول منذ نشأتها هدم أوطانها لأهداف لم تتغير وهي الوصول إلى السلطة بالقوة والأكاذيب والافتراءات مثلما حدث في مصر ويحدث اليوم في تونس وفي كل بلد يؤوي تلك الجماعة التي تربت على المؤامرات و لا تريد لأوطانها خيراً بل هدماً وخراباً..ورغم ما منيت به من فشل فإنها لم تتعلم من أي تجارب سابقة في بلدان أخرى.

ومن أسف أن أمة اقرأ لا تقرأ، ولا تجتهد في طلب العلم والمعرفة بصورة مرجوة ولا تتحرى الصدق ولا تتثبت كما يأمرنا القرآن الكريم من صدق ما تبثه شرذمة من الناس على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار وقنوات التحريض من أخبار مفبركة وشائعات كاذبة تهدف لضرب إنجازات الدولة المصرية ..فهل هكذا يكون الدين وهكذا يكون التدين؟

الأخلاق أعظم أركان الدين قاطبة؛ فهي منصة إطلاق لقيم الخير والجمال والحق..فهل تحققت تلك القيم في مجتمعاتنا أم أنها ابتليت تارة بالاستعمار والاحتلال البغيض وتارة بالاستبداد المقيت..وتارة أخرى بالدواعش الجدد وجماعات العنف والتكفير التي عاثت في الديار فسادا؛ً فخربت العمران وسفكت الدماء وأزهقت الأرواح وشوهت حتى صورة الدين الحنيف الذي ادعت الانتماء إليه زوراً وبهتاناً.

ما تعانيه مجتمعاتنا من انفصام ظاهر بين جوهر الدين وبين السلوك والأفعال ليس أمراً عارضا أو مستجداً بل مرض قديم نتج عن قصور شديد في فهم بعضنا لدينه بصرف النظر تصرفات الغير نحونا وهي تصرفات ليست في صالحنا في كل الأحوال..وهو ما عبر عنه الرئيس السيسي مراراً وتكراراً بقوله: " إن من يؤثر في الدين وصورته لدى الغير بشكل طيب أو غير طيب هم أهله . وإن كل دين قوي بطبيعته لكن الذي يضعف صورته عم أهله وممارساتهم الفعلية ..بل ذهب الرئيس إلى أبعد من ذلك حين دعا لعدم التورط في الإساءة للغير مشيراً إلى أنه كان حريصاً منذ توليه منصبه على ألا يقول لفظاً خادشاً أو مسيئاً لأحد سواء كان عدواً أو حبيباً حتى في أحلك اللحظات وأشدها صعوبة، وأن الفهم الصحيح للآية الكريمة " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً" لا يقف عند حدود الحفاظ على حياة الإنسان وإنما يتسع معناه ليشمل كل ما يحافظ على سلامته وحياته..ومن أسف أن من أصحاب الفكر المتشدد والفهم المغلوط من يجعل المسلمين غير آمنين حتى في بلادهم كما قال الرئيس ..ونحن نتعرض للقتل ليس من سنوات قريبة فقط بل من سنوات طويلة بأيدي أناس منا، وننفق على تأميننا مبالغ طائلة نتيجة هذا الفم المغلوط للدين.

وقد دعانا الرئيس السيسي كما عودنا إلى مراجعة أفعالنا وأقوالنا وأن نتذكر جميعاً أننا موقوفون أمام الله ليسألنا ويحاسبنا وتساءل الرئيس : هل نحن كبشر نقدم في كل ممارساتنا وسلوكياتنا ما يليق بهذا الدين أم أننا لا نزال بعيدين كل البعد عنه وأن علينا أن نجتهد ما وسعنا الجهد لفهمه فهماً صحيحاً وتطبيقه تطبيقاً أميناً..قولا وفعلاً..؟!

مكارم الأخلاق هي مدارات الأديان كلها وغايتها وليس أدل على ذلك من قول رسولنا الكريم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فالدين المعاملة، وما انتشر الإسلام إلا بحسن الخلق وحسن المعاملة..ولولا تلك الأخلاق الحميدة لتحولت مجتمعاتنا إلى غابة ينهش القوي فيها الضعيف إشباعا للحاجات المادية والغرائز بلا ضمير ولا عقل ..وما أحسب تخلفنا عن ركب التطور ومسارات التقدم ورسالات التاريخ إلا بتخلينا عن روح الدين  ومكارم الأخلاق وإهمال رسالتنا الحضارية المتميزة التي امتازت عن حضارة الغرب المادية بروح الإنسانية ونبل التكافل والتعايش الآمن العادل وقد تسنى لأمتنا بهذه السمات أن تنقل مجتمعاتنا ومن ورائها البشرية جمعاء من طور البداوة إلى مصاف الحضارة ونور العلم وسمو الخلق حتى حفظت أمة الإسلام بأخلاقها الرفيعة للإنسانية وجودها الحضاري وأخرجتها من ظلام العصور الوسطى وغياهب الجهل وظلمات التخلف إلى نور المعرفة والتمدين اللذين تدين بهما أوروبا اليوم للإسلام وأهله شاء من شاء وأبى من أبى.

أما لماذا وصلنا لما نحن فيه اليوم ..فالكل بدءاً من الأسرة مروراً بالمدرسة والجامعة والإعلام والجامعات ومراكز الفكر والأبحاث ومؤسسات الثقافة والأزهر والكنيسة مطالبون بالبحث في جذور المشكلة ووضع روشتة لعلاج ناجع يبدأ بترميم الأخلاق واستنقاذها من براثن الانحطاط والتردي بعدها يسهل بناء أي تقدم علمي واقتصادي واجتماعي .

التغيير سنة كونية لا تتحقق إلا بإرادة جادة فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وهو ليس قراراً فوقياً تمليه الحكومات على شعوبها بقدر ما هو إرادة مجتمعية تحتاج همة وإصراراً وسعياً ترسم بداياته وملامحه  طليعة مخلصة تبتغي به وجه الحق لتسير عليه العامة وصولاً لمجتمع الفضيلة والتكافل والإنتاج والوفرة الاقتصادية..حفظ الله مصر وأهلها وجيشها وشرطتها..لتحيا في عز وسلام.