كل أسبوع

التوكل‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬والأخذ‭ ‬بالأسباب

لا‭ ‬شك‭ ‬أننا‭ ‬مازالنا‭ ‬بفضل‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أولا‭ ‬ثم‭ ‬بجهود‭ ‬الدولة‭ ‬والتزام‭ ‬الناس‭ ‬بالإجراءات‭ ‬الوقائية،‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأقل‭ ‬تضررا‭ ‬من‭ ‬فيروس‭ ‬“كورونا‭ ‬المستجد”،‭ ‬رغم‭ ‬بوادر‭ ‬الموجة‭ ‬الثانية‭ ‬التى‭ ‬هى‭ ‬أشد‭ ‬ضراوة‭ ‬وفتكا،‭ ‬ونرجو‭ ‬أن‭ ‬ينتبه‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬التزام‭ ‬تعليمات‭ ‬السلامة‭ ‬والوقاية‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الفيروس‭ ‬اللعين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يدخلنا‭ - ‬لا‭ ‬قدر‭ ‬الله‭ - ‬فى‭ ‬دوامة‭ ‬لا‭ ‬قبل‭ ‬لنا‭ ‬بها،‭ ‬ومتوالية‭ ‬عددية‭ ‬من‭ ‬الإصابات‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬مواجهتها‭ ‬أى‭ ‬نظام‭ ‬صحى‭ ‬فى‭ ‬العالم‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬قوته،‭ ‬وما‭ ‬حدث‭ ‬ويحدث‭ ‬حاليا‭ ‬فى‭ ‬بعض‭  ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬بل‭ ‬فى‭ ‬دول‭ ‬عظمى،‭ ‬خير‭ ‬دليل‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تعاليم‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامى‭ ‬الحنيف‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأسباب‭ ‬القوية‭ ‬التى‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬تفشى‭ ‬المرض‭ ‬بشكل‭ ‬وبائى‭ ‬فى‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية،‭ ‬ولست‭ ‬بصدد‭ ‬استعراض‭ ‬تلك‭ ‬التعاليم‭ ‬التى‭ ‬لا‭ ‬تخفى‭ ‬على‭ ‬أحد،‭ ‬ويكفى‭ ‬ان‭ ‬نقول‭ ‬فى‭ ‬المطلق‭: ‬“النظافة‭ ‬من‭ ‬الإيمان”‭.‬

ولا‭ ‬ينبغى‭ ‬أن‭ ‬نغفل‭ ‬أثر‭ ‬الدعاء‭ ‬فى‭ ‬دفع‭ ‬البلاء،‭ ‬فإن‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬يحب‭ ‬أن‭ ‬يلجأ‭ ‬إليه‭ ‬عبده‭ ‬بالتضرع‭ ‬والدعاء،‭ ‬كلما‭ ‬نزلت‭ ‬به‭ ‬نازلة‭.‬

والتوكل‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬والاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬وتفويض‭ ‬الأمر‭ ‬إليه‭ ‬أصل‭ ‬ثابت‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬الإيمان‭ ‬والتوحيد،‭ ‬وقد‭ ‬حفل‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬بالآيات‭ ‬التى‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬التوكل‭ ‬على‭ ‬الله،‭ ‬ونتيجته‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬هو‭ ‬حسيب‭ ‬المتوكل‭ ‬عليه،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬“وَمَن‭ ‬يَتَوَكَّلْ‭ ‬عَلَى‭ ‬اللَّهِ‭ ‬فَهُوَ‭ ‬حَسْبُهُ”،‭ ‬فالتوكل‭ ‬عليه‭ ‬سبحانه‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬حسن‭ ‬الإيمان‭ ‬والثقة‭ ‬بالله‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬الأخذ‭ ‬بالأسباب،‭ ‬فعن‭ ‬أنس‭ ‬بن‭ ‬مالك‭ ‬–‭ ‬رضى‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬–‭ ‬قال‭: ‬قال‭ ‬–‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭ -: ‬“قال‭ ‬رجل‭ ‬يا‭ ‬رسولَ‭ ‬اللهِ‭: ‬أعقِلُها‭ ‬وأتوكَّلُ‭ ‬أو‭ ‬أُطلقُها‭ ‬وأتوكَّلُ؟‭ ‬قال‭: ‬اعقِلها‭ ‬وتوكَّلْ”،‭ ‬ويعتبر‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأحاديث‭ ‬النبوية‭ ‬المتداولة‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬الناس‭ ‬التى‭ ‬يستدل‭ ‬بها‭ ‬فى‭ ‬مسألة‭ ‬التوكل‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬والأخذ‭ ‬بالأسباب،‭ ‬وفيه‭ ‬يخبر‭ ‬أنس‭ ‬بن‭ ‬مالك‭ ‬–‭ ‬رضى‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬–‭ ‬بإجابة‭ ‬الرسول‭ ‬الكريم‭ ‬لأحد‭ ‬الوافدين‭ ‬عليه‭ ‬حين‭ ‬سأله‭ ‬عن‭ ‬إحكام‭ ‬وثاق‭ ‬الناقة‭ ‬وأيهما‭ ‬الأنسب‭: ‬ربطها‭ ‬مع‭ ‬الاتكال‭ ‬على‭ ‬الله،‭ ‬أم‭ ‬تركها‭ ‬دون‭ ‬وثاق‭ ‬مع‭ ‬الاتكال‭ ‬على‭ ‬الله،‭ ‬فكانت‭ ‬إجابته‭ ‬–‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭ ‬–‭ ‬متماشية‭ ‬مع‭ ‬المنطق‭ ‬والعقل‭ ‬السليم‭: ‬“اعقلها‭ ‬وتوكل”،‭ ‬فالأخذ‭ ‬بالأسباب‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬الإيمان‭ ‬بالله‭ ‬تعالى،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬تزامنهما‭ ‬معا،‭ ‬مع‭ ‬الإيمان‭ ‬المطلق‭ ‬بأن‭ ‬قدر‭ ‬الله‭ ‬نافذ‭ ‬فى‭ ‬الوقت‭ ‬المحتوم‭.‬

والعلاقة‭ ‬بين‭ ‬التوكل‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬والأخذ‭ ‬بالأسباب‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬العلاقات‭ ‬التباسا‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬الناس،‭ ‬وينقسمون‭ ‬حولها‭ ‬إلى‭ ‬أقسام‭ ‬عدة،‭ ‬كل‭ ‬بحسب‭ ‬قوة‭ ‬إيمانه‭ ‬وفهمه‭ ‬للقدر‭ ‬وحتميته‭ ‬ومشروعية‭ ‬الأخذ‭ ‬بالأسباب‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالتوكل‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬والتى‭ ‬يستمدها‭ ‬اللبيب‭ ‬الفطن‭ ‬من‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬“فَإِذَا‭ ‬عَزَمْتَ‭ ‬فَتَوَكَّلْ‭ ‬عَلَى‭ ‬اللَّهِ‭.‬إِنَّ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬يُحِبُّ‭ ‬الْمُتَوَكِّلِينَ”،‭ ‬فتأتى‭ ‬العزيمة‭ ‬والتفكير‭ ‬والأخذ‭ ‬بالأسباب‭ ‬المعينة‭ ‬على‭ ‬قضاء‭ ‬الحاجات‭ ‬الدينية‭ ‬والدنيوية‭ ‬أولا‭ ‬يليها‭ ‬أو‭ ‬يزامنها‭ ‬التوكل‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬ثم‭ ‬أُردفت‭ ‬الآية‭ ‬بلفظ‭ ‬محبة‭ ‬الله‭ ‬للمتوكلين‭ ‬عليه،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬الحق‭ ‬الذى‭ ‬ينافى‭ ‬أى‭ ‬اتجاه‭ ‬آخر‭ ‬كالنظرية‭ ‬المادية‭ ‬العقلانية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الأخذ‭ ‬بالأسباب‭ ‬وإنكار‭ ‬وجود‭ ‬الله‭.‬

وفى‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬فإن‭ ‬الإنسان‭ ‬ينبغى‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬بالأمل‭ ‬فى‭ ‬الله،‭ ‬وألا‭ ‬يقنط‭ ‬ولا‭ ‬ييأس‭ ‬من‭ ‬روح‭ ‬الله،‭ ‬ويتعلق‭ ‬قلبه‭ ‬دائما‭ ‬بأن‭ ‬تأتى‭ ‬المنحة‭ ‬بل‭ ‬المنح‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬المحنة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يلخصه‭ ‬ابن‭ ‬الجوزى‭ ‬–‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬–‭ ‬فى‭ ‬أبيات‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭:‬

لنا‭ ‬بالله‭ ‬آمالٌ‭ ‬وسلوى‭..‬

وعندَ‭ ‬الله‭ ‬ما‭ ‬خابَ‭ ‬الرّجاءُ

إذا‭ ‬اشتدّت‭ ‬رياح‭ ‬اليأس‭ ‬فينا‭..‬

سيعقب‭ ‬ضيق‭ ‬شدّتها‭ ‬الرخاء

فبعد‭ ‬العتمة‭ ‬الظلماء‭ ‬نورٌ‭..‬

وطول‭ ‬الليل‭ ‬يعقبه‭ ‬الضياء

أمـانينـا‭ ‬لهـا‭ ‬ربٌ‭ ‬كريـم‭..‬

إذا‭ ‬أعطى‭ ‬سيُدهشنا‭ ‬العطاء

فالنكن‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬بأن‭ ‬صبرنا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬البلاء‭ ‬والوباء‭ ‬سيعقبه‭ ‬فرج‭ ‬كبير‭ ‬وعطاءات‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬تندهش‭ ‬لها‭ ‬العقول،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬الرضا‭ ‬بقضاء‭ ‬الله‭ ‬وقدره،‭ ‬والأخذ‭ ‬بأسباب‭ ‬النجاة‭ ‬قدر‭ ‬استطاعتنا،‭ ‬مع‭ ‬التسليم‭ ‬بأن‭ ‬كاشف‭ ‬البلوى‭ ‬هو‭ ‬الله،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬غيره‭ ‬ولا‭ ‬شئ‭ ‬سواه‭.‬